مجلة شهرية - العدد (571)  | أبريل 2024 م- رمضان 1445 هـ

هنريك إبسن.. الفن للحياة والإنسان

منذ نشأة فن المسرح في عهد الحضارة الإغريقية الزاهرة وإلى عصرنا الحديث، دأب المسرحيون على بذل جهود خلَّاقة -لا يسعنا إلا شكرهم عليها- من أجل تقريب فنهم إلى عامة الناس، وإذا كان الكُتاب الرومانسيون في القرن التاسع عشر قد تحرروا من قيودٍ كبَّلت المسرح الكلاسيكي، فإن الرومانسية بدورها لم تكن إلا محطة في طريق الوصول إلى الواقعية.
في ذلك القرن -أعني التاسع عشر- لم تكن الفنون بكافة أنواعها تتصل وتتفاعل مع حياة الناس، كانت فقط نوعاً من الترفيه، أو ملاذاً ومهرباً من المُنَغِّصات، ولهذا كانت معارض الرسوم والتماثيل والمسرحيات وحفلات الكونسيرت فرصاً تتاح لمواطني الدول المتقدمة لتجديد النشاط وكسر الرتابة، وشحن الطاقة الداخلية بالتسلية، أو لمجرد دفع الإحساس بالملل عند بعض الأثرياء! ومن هذا المنطلق لم يكن مطلوباً من المسرح إلا إظهار غير المألوف من كل ما هو مبهر وبرَّاق، على أن العصر ما عاد يحتمل شيئاً كهذا، إنه عصر الثورة الصناعية ومن ثم التحولات الفكرية الكبرى.. لم يعد هناك إذاً مجال للهروب من الواقع.
ورغم أنه في كل عصر وفي كل مكان تبرز لدى المتفرجين رغبة واضحة في تجاوز المرارات عبر خشبة المسرح أو شاشة التلفاز، إلا أن المتفرج في الوقت نفسه يريد أن يؤخذ إلى عالم لا يغترب عن واقعه المُعاش رغم اختلافه عنه، ومن هنا تبدو أهمية الواقعية في المسرح والدراما بشكلٍ عام.
لقد حاولت الرومانسية أن تتحرر من قيود المسرح الكلاسيكي المحصور في مآسي الملوك والنبلاء وأصحاب الوجاهة! غير أن محاولات الرومانسية للخروج من هذا الإطار لم تفلح تماماً، وبقيت آثار الكلاسيكية قائمة في المسرح الرومانسي، كما بقيت آثار الميلودراما التي تتسم بالصدمات والمفاجآت، والمبالغات التي ينفر منها المشاهدون لتفضيلهم ما يحترم عقولهم.
وللتغلب على مشكلات المسرح الرومانسي والميلودرامي حاول أكسندر دوماس الابن (1824-1895) أن يطبق الواقعية، فقد رأى أن الكاتب يجب أن يكون له أثر في المجتمع، وأن يعالج الأسباب التي أدت إلى المشكلات الاجتماعية، وأن يدفع الناس إلى مناقشة مشكلاتهم ليكوّنوا حولها آراء ويبحثوا لها عن حلول، وبهذا يكون الكاتب قد أدى واجبه الإنساني، وهذا كله دون التقليل من مقتضيات فن المسرح من ناحية إثارة العواطف والانفعالات ولفت نظر المشاهد وتنبيه فضوله واهتمامه.
ورغم أن دوماس الابن حاول تطبيق هذه النظرية حتى قيل عنه إنه واضع أساس الدراما الواقعية الاجتماعية، إلا أن مسرحيته الأشهر (غادة الكاميليا) وإن تناولت مشكلة اجتماعية، غير أن طريقة التناول كانت رومانسية، ويمكن القول إن دوماس الابن نادى بالمسرح الواقعي لكنه لم يوفق في إظهاره بشكلٍ واضح، أما الذي طبق النظرية بالفعل على خشبة المسرح فهو (هنريك إبسن) الكاتب النرويجي الشهير الذي يمكن القول إنه بحق (رائد المسرح الواقعي).
أثار إبسن (1828-1906) أذهان رواد المسرح وأيقظ ضمائرهم من خلال مسرحيات اجتماعية ثائرة على التقاليد القديمة، وداعية إلى مجتمع أرقى وأنجح، وناقش موضوعات الساعة محاولاً تشخيص أمراض البشرية مع السخرية من الرياء والغرور والتعصب، وبفضله نجحت الواقعية وامتدت إلى العالم كله، فهو أول حامل للشعلة التي تلقفها منه الكاتب الإنجليزي الرائع جورج برنارد شو وهو المؤثر دون شك على كثير من كتاب القرن العشرين، ومنهم آرثر ميلر مؤلف (كلهم أبنائي) التي تأثر فيها بمسرحية (أعمدة المجتمع) لإبسن.
ولا تعجب -عزيزي القارئ- إذا عرفت أن الرمز الموضوع على شاهد قبر إبسن هو (يدٌ تمسك بمطرقة) إذ كان هذا الكاتب ناقماً على التقاليد السائدة في المجتمعات الأوروبية وقتها، حيث التصنُّع والتعقيدات وتقديس ما هو قديم فقط لأنه قديم، ومن هنا كانت أوروبا المتقدمة بحاحة إلى أمثال هنريك إبسن ليهدموا بمطارقهم كل هذه المعوقات من أجل عقول أكثر تفتحاً ومجتمع يطير نحو الرقي والتقدم دون توقف أو ارتداد.
ورغم الثورة العنيفة التي قوبلت بها مسرحيته (بيت الدمية) وما ناله بسببها من نقدٍ وتجريح، إلا أنه استمر في طريقه وكتب مسرحية (الأشباح) لتٌقَابَلَ هي الأخرى بعاصفة من النقد والهجوم، فما كان منه إلا أن واصل الكتابة لتظهر لنا مسرحية (عدو الشعب) ثم (البطة البرية) وبعدها (آل روزمر) و(هيدا جابلر).
هذه المسرحيات كانت ثورة ليس فقط على التقاليد، بل أيضاً على الرومانسية التي بلغت ذروتها على يد الأديب الفرنسي العملاق فيكتور هوجو حين كتب رائعته (هرناني) عام 1830 أي بعد ولادة إبسن بعامين، وكان هوجو قد عرَّف الرومانسية بأنها (ليبرالية الأدب) فهي دعوة تحررية، لكن إلى أي مدى يكون التحرر؟ نعم يمكن للأدب أن يتحرر من القوالب الجامدة لكنه لا يستطيع أو لا يجدر به أن يتحرر من مناقشة أوضاع المجتمع، وبالفعل تمكن إبسن من التمرد على السائد في الفن المسرحي، وتحويله من أداة للتسلية إلى وسيلة للمتعة الذهنية من خلال إعمال الفكر، وأصبح المشاهد يذهب إلى المسرح ليتفرج على قطعة من حياته، وليشاهد نفسه على خشبة المسرح، فالمسرحية عند إبسن ليست حكاية وإنما رؤية وتحليل.
ومن علامات عبقرية إبسن أنه احتل مكانة سامية في دنيا المسرح رغم أنه كتب أعماله بلغة غير واسعة الانتشار وصعبة في الترجمة وهي اللغة النرويجية، وما زاد من صعوبة نقل أعماله إلى لغات أخرى أنه كتب بعضها شعراً، ورغم ذلك فقد استطاع فن إبسن أن يفرض نفسه وأن يتجول في أنحاء العالم من خلال ترجمات متميزة وأعمال على خشبة المسرح كُتِبَ لها النجاح.
بقي القول إن إبسن أفاد كثيراً من يوجين سكريب (1791-1861م)، وهو رجل يمكن تسميته بـ(مصنع مسرحيات)، إذ يقال إنه أصدر مع مساعديه نحو 400 مسرحية، كلها عبارة عن حكايات مسلية! فهي مسرحيات لقضاء الوقت والترويح عن النفس ليس أكثر، بيد أن إبسن تعلم منها: الحبكة والصراع والترقُّب والخطة. وفي حين كانت هذا الأدوات يد سكريب من أجل اللهو، فقد استفاد إبسن من هذا القالب ليضع فيه فنه الواقعي.
لقد بدأ إبسن شاعراً، ثم اتجه إلى المسرح ليبث من خلاله أفكاره وآراءه، وكرس كل حياته لهذا الفن حتى كتب 26 مسرحية، وهو عدد كبير إذا عرفنا المجهود الذي يبذله الكاتب في كل مسرحية، ولأنه أعطى فن المسرح كل وقته فقد أصبحت حياته خالية من الأحداث بشكلٍ كبير بحيث بدا أمام بعض الناس وكأنه يعيش حياة بلا قيمة، ولم يدركوا أنها حياة نافعة كل النفع لرجل آثر أن يترفع على السخافات والسفاسف حتى ينتج لنا مسرحيات تفرض فنها علينا إلى اليوم.
أخيراً نقول: إن مسرحيات إبسن لاقت نجاحاً كبيراً لما فيها من العمق والجمال ودقة المعمار الفني والاقتصاد في الحوار مع التعبير الشاعري الدقيق، وهي وإن كانت عادةً لا تنحو نحو التراجيديا إلا أخذت طابع الجدية، وفي بعضها شيء من الحزن، وكانت مسرحيته الأولى (كاتالينا) عام 1850 مليئة بالإمكانات التي لم يرها معاصروه لدى كتابٍ غيره، لتبشر بكاتب مسرحي من طرازٍ رفيع، كاتب استطاع أن يرسي دعائم الدراما الواقعية.

ذو صلة