تُعد الخيل في الثقافة الشعبية العربية عنوان الأصالة ومصدر الفخر، فهي رمز للاعتزاز بشهامة الفرسان وشجاعتهم، وقد عرف عن الفارس العربي أنه لا يبيع فرسه ولا يعيرها على حد قول الشاعر:
مفداة مكرمة علينا
تجاع لها العيال ولا تجاع
كما اشتهرت المواويل العربية بالتغني والإشادة بالخيل الأصيلة والعلاقة الوطيدة بين الفارس وفرسه في كل المناسبات كما يظهر في مطلع الأغنية الأردنية الشعبية الشهيرة (قهوة نشامى وهيل تسكب على الفنجان والخيل عز الليل مسروجة للفرسان). هذه الحالة الوجدانية التي ترافق شغف العربي بفرسه لم تكن من قبيل الصدف، فقد نشأت صداقة متينة بين الإنسان العربي والخيل تجاوزت كل المعاني والدلالات والأوصاف إذ لا يمكن حصرها في الجانب الاجتماعي كونها وسيلة نفعية ينتفع بها الناس في الصيد والسفر والحروب بل هي تتجاوز ذلك إلى كونها الكائن المتفرد بالقوة والصلابة والحسن والبهاء والوسامة والرشاقة وغيرها من الصفات التي سحرت الشعراء وجعلت الفروسية المجال الأعلى لامتحان قدرات الفارس الذوقية والجمالية والبطولية لاعتلاء قمة المجد والارتقاء بالقيم الإنسانية النبيلة ولذلك فإن العلاقة الوجدانية تتخطى القيم النفعية لتصبح الخيل رفيق الإنسان في رحلته الوجودية تقاسمه الهم والحزن ويزداد بها شرفاً وعزة وهو الموقف الذي ينال منه الشعر النبطي في هذين البيتين:
يا زين وقفتها على كل تشريف
خيل تعز النفس لو هي حزينة
فيها من الزين ما يبهر هل الكيف
وفيها من العز ما يطرد غبينة
فالخيول ليست مجرد وسيلة للتباهي بين القبائل بقدر ما هي كائن يشاركك معنى الحياة من هم ومن حزن ويسهم في طرد الأحزان وطي الآلام، ولذلك ليس غريباً أن تحظى الخيول منذ القديم باهتمام كبير وحب عظيم باعتبارها عنصراً جوهرياً في تشكيل الهوية العربية.
الخيل في القرآن الكريم
ورد ذكر الخيل في القرآن الكريم بدلالات مختلفة وصفات متنوعة، وتعددت فوائدها بالنسبة للإنسان بين المنفعة والزينة، وبين القوة والرهبة، وإثنى الله سبحانه وتعالى على جياد سليمان كما في قوله تعالى: (إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد) سورة ص آية 31، وهي التي تقف على ثلاث وطرف حافر الرابعة، والجياد السراع كما جاء في تفسير ابن كثير بمعنى الخيل السريعة القوية التي تثير إعجاب ومحبة الفارس من كمال هيبتها وجمال وقفتها وهي المُسخرة للجهاد في سبيل الله.
لقد تفضل الله سبحانه وتعالى على عباده بكثير من النعم والهبات وتفردت الخيول بحضور خاص يعكس قوة الجاذبية التي تتمتع بها وموقعها في قلوب أصحابها الذي يتجاوز المستوى النفعي إلى مستوى التملك والاستحواذ فأصبح للخيل مكانة سامية ترتبط بالهوية والمعنى الوجودي للإنسان العربي في حياته تزوده بالطاقة وتلهب قدرته في أي مواجهة وتجلب له السعادة وتحولت مع مرور الزمن إلى حالة من الاتصال الوجداني العميق، وصورة عن أنماط العيش حيث ورد ذكرها في قوله تعالى من سورة آل عمران آية 14: (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضــة والخيـل المسومـــة...)، وقـد اختلف الشراح والمفسرون حول تفسير المسومة غير أنهم يميلون إلى الحسان أي المعلمة بإعلام الله إياها بالحسن من ألوانها وشياتها وهيئاتها، ولعل هذا من سمات تمسك الناس بجمالها ورشاقتها وتعلق قلوبهم بصفات خلقها حتى وقع حبها في نفوسهم واستقر، ولم يجدوا له خياراً أو مفراً.
والخيل كما أخبر عنها القرآن الكريم ليست للزينة والركوب وحسب وإنما هي للقوة والرهبة كما في قوله تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم...) سورة الأنفال آية 60، ولعلنا نجد وصفاً أكثر دقة في حالة عدوها وقوتها في سورة العاديات (والعاديات ضبحاً، فالموريات قدحاً، فالمغيرات صبحاً)، وهو تصوير دقيق لجمال الحركة وانبعاث الشرار من حوافرها لشدة سرعتها.
واهتم الرسول صلى الله عليه وسلم بالخيل في قوله: «الخيل معقود في نواصيها الخير».
الوعدة واحتفالية الخيالة
ارتبطت الخيل في الموروث الشعبي الجزائري بذاكرة وجدانية بدوية ترافق أفراح الجزائريين ومناسباتهم السعيدة مثل الأعراس ومواسم الاحتفالات الشعبية وأشهرها (الوعدة) مثل وعدة سيدي عبدالهادي بأقصى جنوب ولاية تيهرت المدينة العريقة التي أسسها عبدالرحمن بن رستم والتي تقع في الهضاب العليا إلى الجنوب الغربي من مدينة وهران، ووعدة غريس بمدينة معسكر ووعدة الشلالية بمدينة مستغانم حيث تقام سباقات للخيل ضمن أنظمة سيميولوجية زاخرة بالدلالات والرموز ويقف الفرسان صفاً يحملون البارود بفخر دلالة على الشجاعة والإقدام في جو من الأهازيج والزغاريد ويصطف المتفرجون القادمون من كل المناطق المجاورة ليشهدوا طقوس هذه الممارسة الفانتازية في ثلاثية الفارس والجواد والبارود لتقديم ملحمة استثنائية تبرز قدرات الفرسان وهيبة الفروسية كنوع من الزخم الاجتماعي الفاخر في تطاول أعناق الخيل وشموخ الفرسان كما تسهم النسوة في إعداد ولائم الكسكس باللحم لإطعام كل الحاضرين في جو من البهجة الممزوجة بالحس التشاركي وتعكس ثقافة اتحاد الوجدان الشعبي في تأكيد وجوده الهوياتي ضمن هذه الممارسات النابعة من أصالة الشعب الجزائري وكرمه وجوده وسخائه.
فالوعدة هي ممارسة جماعية وظاهرة عامة في كل مناطق الوطن، وتقام تزامناً مع مواسم الحرث والحصاد، أي أنها رمز للبعث والنماء وهي عادة لدى الجزائريين تناقلتها الأجيال وجعلت منها فرصة للتكافل الاجتماعي وحل النزاعات بين الأفراد والأسر والعشائر وبذلك فـ (إن الحديث عن ظاهرة الوعدة هو حديث عن الطقس باعتباره اللغوي إشارة إلى الطريقة الدينية، أي هو بمعنى النظام والترتيب وإقامة الشعائر أما المعنى الاصطلاحي لهذه الكلمة فلا يمكن حصره في تعريف جامع يكون محل اتفاق الباحثين المتخصصين، فقد خاض علماء النفس وعلماء الفولكلور والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع جهودا جبارة لمحاولة سبر أغوار هذه الممارسة الإنسانية وكل ما يحيط بها، وأحسن من عبر عنها الباحث السوري (فراس السواح) بقوله: «مجموعة من الإجراءات والحركات التي تأتي استجابة للتجربة الدينية الداخلية، وتهدف إلى عقد صلة مع العوالم القدسية»، فالمقصود بالطقس هو تلك الشعائر والممارسات التي يؤديها المرء مع أقرانه في مناسبات محددة ذات طابع قدسي، أي شكل من أشكال العبادة الدينية أو مظهر يضفي على الحياة الاجتماعية طابعاً من التقييد التنظيمي والتعبير الاحتفالي، وهذا ما حاولت الرؤية السوسيولوجية التوصل إليه. والوعدة شكل من أشكال الطقس، فهي سلوك إنساني وممارسة تتكرر في ثبات من الزمان والمكان، وتخضع لنظام وقواعد مضبوطة ليست مكتوبة، بل راسخة في الذاكرة الشعبية كثقافة جماعية). أما مظاهرها الاحتفالية فتعتمد على فانتازيا الفروسية حيث تتزين الخيول بسرج مطرزة ويتفرد الفرسان بلباسهم التقليدي المتمثل في البرنوس والعمامة على الرأس رمز الشهامة والفحولة حاملين مكاحلهم (المكحلة أي البندقية) ويصطف الخيالة في صف واحد ثم ينطلقون على إيقاع البارود وأهازيج الحاضرين وزغاريد النسوة.
الخيل من الكائنات التي خصها الله بوقع خاص في نفوس عباده وبخاصة أنبياؤه عليهم السلام فقد عرف عن النبي سليمان عليه السلام أنه كان مأخوذاً بها مفتوناً بحبها يلازمها ويتفقدها، كما روي عن نبينا عليه الصلاة والسلام أحاديث تعلي من شأن الخيل وتجعلها مصدر خير ورزق إلى يوم الدين، كما أن الفروسية تعد من الرياضات التي تسهم في ترقية سلوك الفرد وتؤمن له قوة نفسية وبدنية.