مجلة شهرية - العدد (602)  | نوفمبر 2026 م- جمادى الأولى 1448 هـ

الخيل وصناعة الهيبة.. منزلة الفروسية في نحت الشخصية القيادية في المخيال الجمعي

لا فائدة في أن نحصيَ الحضارات التي قامت على ظهور الخيل وكان الحصان عماد قوّتها وأساس اقتصادها وشرط بقائها والركيزة التي حملت مشروعها إلى نصف العالم. فلن نغنم من هذا الإحصاء إلّا تأكيداً لما نعرفه من قبل: إنّ البشر مدينون لهذا الحيوان بأكثر ممّا يبدو للإنسان المعاصر. أجل، في عصر العُسر والبطء منحت الخيل الإنسان القديم سرعة لم يعرفها من قبل ووسّعت أفقه الجغرافيّ وحملت تجارته إلى آفاق لم يعهدها ورافقته في الحرب والسلم حتّى صارت شريكاً فعليّاً في صناعة التاريخ. لكنّ الشراكات الجميلة غالباً لا تدوم. فبظهور الآلة والكهرباء والوقود الأحفوريّ والسلاح الذكيّ، زالت الحاجة إلى الحصان مطيّةً والفارسِ مقاتلاً وصار جليّاً أنّ قصّة الالتحام بين البشر والخيل إلى زوال مؤكّد. هذا ما يوحي به ظاهر الأمور، إذ إنّ طبيعة العلاقة بين البشر والخيل أعقد من ذلك. فالعجيب أنّه بقدر تراجع القيمة العمليّة للخيل ازدادت قيمتها الرمزيّة، وبقدر اضمحلال الحاجة إلى وظائفها الماديّة تعاظمت مكانتها في صناعة الذاكرة وبناء المخيال الجمعيّ. ذلك أنّ الخيل، إذا ارتبطت عند عامّة الناس اليوم بمضامير السباق الرياضيّ والاستعراض الفنيّ وأجواء الاحتفالات البروتوكوليّة، فإنّ الذاكرة المشتركة رشّحت لها صورة استعاريّة قويّة تكثّف فيها على نحو رمزيّ معاني المكانة الاجتماعيّة والانتماء والهويّة، فضلاً عن معاني القوّة والسيطرة. فالخيل مرآة فرسانها، ولا تكاد تخلو بيئة عرفت مجتمعاتها الخيولَ من أمثال وحكم تربط الصورة التي يعكسها الفرس بخصال فارسه نفسه. ولهذا السبب احتلّت الخيل مكانة فريدة في بناء الصورة المثلى حتّى غدت أحد أكثر الرموز رسوخاً في تمثيل السلطة والهيبة والشرعيّة، واختزال معاني السيادة والانضباط والشجاعة والقدرة على التحكّم. ولا يتعلّق هذا الأمر بالعصر الحديث فحسب، ففي النقوش الآشوريّة والمصريّة والفارسيّة والرومانيّة يظهر الملك غالباً على صهوة جواد، متقدّماً الجموع، مرتفعاً فوق العامّة في صورة لا تحتفي بالفروسيّة بقدر ما تركّز في المخيال قدرة القائد على ترويض القوّة الجامحة، وأهليّته للقيادة، لا قيادة الفرس فحسب، بل قيادة البشر أيضاً. فهل كان من الصدفة أن اختار الزعيم التونسيّ الحبيب بورقيبة يومَ رجوعه مظفّراً من مرسيليا وفي جيب سترته مسودّات اتفاقيّات الاستقلال الداخليّ، أن يجوب شوارع العاصمة ممتطياً ظهر جواد، رغم أنّه لم يُعرف عنه من قبل ولَع بالفروسيّة؟ لا شكّ أنّ الزعيم السياسيّ كان مدركاً أهميّة الارتفاع الرمزيّ الذي تمنحه الخيل للحاكم. فالفارس يرى أبعد، ويبدو أعلى وأكبر، ويحتلّ المجال البصريّ بطريقة تجعل الناس يرفعون عيونهم كي يُبصروه. وهذه الإحداثيّات المكانيّة تصنع في المخيال إحداثيّات سياسيّة، فالمسافة بين الأجساد تصنع مسافة سلطويّة، ولذلك لم يكن من قبيل الصدفة أيضاً أن ظلّ تمثال الفروسيّة الشكل الأمثل لتخليد القائد، لأنّه لا يجسّم الفارس وحده بل يجسّم أيضاً وعلى نحو إيحائيّ بليغ العلاقة بين السلطة والقوّة المنضبطة، ويجسّم بحركة مسك اللجام التحكّمَ والاتّزان والقدرة على ترويض الجُموح وتذليل العسير والقيادة الرشيدة.
وقد أدركت الأنظمة الحديثة قوّة هذه الصورة في تكثيف الرسائل الدعائيّة دون الحاجة إلى خطاب يمكن أن يفنّد أو يناقش، ولهذا السبب كثيراً ما وُظّف الحصان بوصفه عنصراً في صناعة الكاريزما، فاللقطة التي يظهر فيها القائد على جواد تغني عن عشرات الخطب الدعائيّة لأنّها تستحضر في المخيال الجمعيّ تاريخاً كاملاً من البطولة والسيادة والقيادة وتستعير رصيداً رمزيّاً تراكم عبر آلاف السنين، رصيداً من المهابة والشرعيّة والاقتدار. أفليس القادر على امتطاء الخيل أقدر من غيره على امتطاء التاريخ نفسه؟

ذو صلة