1 - التّمهيد
تاريخ الفروسيّة في الثّقافة العربيّة والإنسانيّة تاريخ طويل ثريّ، وعروض الفنتازيّة في بلدان المغرب العربيّ تحديداً شائعة مشهورة، تدعو الباحث إلى ضرورة درسها وفهم تجلّياتها. وقد تركت الخيل أثراً بارزاً في لغة العرب وآدابها، وأثّرت في طباعهم ومعاشهم. وحفَل الأدب بصور شعريّة بليغة بات فيها الخيل رمزاً للشّجاعة والجمال والنّخوة والحميّة والإقدام. وقد قال الجاحظ في هذا المعنى: «لم تكن أمّة قطّ أشدّ عُجباً بالخيل، ولا أعلم بها من العرب، ولذلك أضيفت إليهم بكلّ لسان ونُسبت إليهم بكلّ مكان». وكانت لهم الخيل مواضع فخر حتّى خلّدوا أنسابها على نحو ما خلّدوا أنسابهم، فصانوها من الهجنة وأعزّوا مقامها. وكانوا يعتنون بالخيول، ويعمدون إلى (تربيتها وتهذيب أخلاقها كي تصير مساعدة للفارس في جميع أغراضه).
2 - في الفروسيّة
لا بد من الإشارة منذ البدء إلى أنّ الفروسيّة لا تعني ركوب الخيل وحسب، بقدر ما هي مفهوم شامل يُشير كما ورد تحت مادّة فروسيّة (Furūsiyya) ضمن دائرة المعارف الإسلاميّة إلى (منظومة متكاملة من المعارف والمهارات العسكريّة والأخلاقيّة التي يجب أنْ يتحلّى بها الفارس). فالفروسيّة إذنْ منظومة من القيم تجمع بين مهارة ركوب الخيل وحذق فنون الحرب والتحلِّي بآداب الفارس. وتتداخل بالفروسيّة معارف عديدة من بينها إتقان ركوب الخيل وتعلّم فنون الرّماية بالقوس والرّمح والمبارزة بالسّيف، والتدرّب على الكرّ والفرّ في الحرب وصيد الجوارح من صقور وطيور، ومنها حِذق تربية الخيل، ومعرفة البيطرة وتحسين سُلالات الخيول وعلاجهم ومداواة أمراضهم. والفروسيّة كما يذهب إلى ذلك جيرار دوييه (Gérard Douillet) ليست مجرّد تدريب عسكريّ، بل هي جماع ثقافة اجتماعيّة وعلامة على المروءة والشّجاعة والمهارة والانضباط، وهي مدرسة أخلاقيّة عِمادها الشّجاعة وقوامها البطولة والانضباط. فالفروسيّة منظومة معرفيّة وثقافيّة ورمزيّة متكاملة، تجسِّد القيم الأصليّة، وتُسهِم في بناء الذّاكرة الحضاريّة وصون تراث ثقافيّ معرّض للمسخ مهدَّد بالضّياع.
3 - في الفنتازيّة أو الفنتازيا
قريباً من معنى الفروسيّة يتأسَّس معنى الفنتازيّة. فبالعودة إلى المعنى التّأثيليّ لكلمة فنتازيّة أو فانتازيا (Fantaisie)، نقف على دلالة اللّفظة ونعلم أنّها مقترضة من اللاّتينيّة المتأخّرة (Fantasia) بمعنى الصّورة التي تعرِض للذّهن أو الخيال. وهي مأخوذة من الإيطاليّة وتعني الغزو والغواية، وتدلّ على مشهد متخيّل. وقد ظهرت الكلمة في اللّغة الفرنسيّة خلال القرن 13م، وارتبطت بمفهوم الصّور الخياليّة والأوهام المبتكرة. ويُشار بها إلى القدرة على الأصالة والابتكار والخيال الخلاق. وتطوّرت دلالة الكلمة ليُراد بها كلّ عمل فنيّ حرّ البناء يخرج عن المألوف ويتميّز بالزّخرفة. غير أنّ المعنى التّأثيليّ توسَّع ليُقصد به في عروض الفروسيّة (Parade Equestre) معنى الاستعراض والفرجة المبهجة.
وتسمّى الفنتازيّة أيضاً (التّبُوريدَة) أو (أصحاب البارود)، أو (لعب البارود)، أو (البارديّة)، نسبة إلى سلاح البارود الذي يستخدمه الفارِس في عرضه الفرجويّ. وهي بالبلاد التّونسيّة و(البلدان المغاربيّة في مختلف مناطقها، العربيّة والأمازيغيّة والصّحراويّة)، ألعاب شعبيّة و(استعراضٌ احتفاليّ باستخدام الخيول والبنادق يُحاكِي فيه الفرسان معاركهم الحربيّة في تمثيليّات احتفاليّة جميلة). فهي تشبه الهجمات العسكريّة، وتمثّل لوحاتها الاستعراضيّة مظهراً من مظاهر الفرجة الشّعبيّة، تحضر في الأعراس وتبرز في الأعياد وفي المهرجانات الثّقافيّة، وتعدّ اليوم مكوّناً من مكوّنات السّياحة الثّقافيّة.
وكانت الفنتازيّة قبل استخدام البارود والبنادق (تُلعب بالأسلحة الحربيّة من سِهام ورماح وسيوف وغيرها). وقد اشتهرت في العهد العثمانيّ ألعاب شبيهة بالفنتازيّة منها لعبة الجريد، وهي (لعبة عربيّة يتمّ فيها رمي رُمح خشبيّ من على ظهر الحصان). وقد وصف لويس دي شنيي (Louis de Chenier) هذا المشهد بالقول: «هو التّرفيه الوحيد الذي نصادفه سواء في المدن أو البادية وهو ما يُطلق عليه المور لعب البارود، وهو تمرين عسكريّ يحظى بحبّ الأهالي الذين يعتبرون جميعاً بفضل تكوين حكومتهم جنوداً أو في طريقهم إلى أنْ يصبحوا كذلك، لذا نجدهم جميعاً يمتلكون الأسلحة والخيول. إنّه من خلال إطلاق البارود يظهر الفرح في الاحتفالات العامّة أو الخاصّة».
ونحن نعثر على نصّ ثمين يصف فيه محمّد بيرم التّونسيّ (توفّي 1889م) عروض الفنتازيّة بالقطر التّونسيّ زمانه وصفاً دقيقاً فيقول: «وقد كان لعموم الأهالي وُلوع بالفروسيّة، ولهم في مسابقة الخيل مواكبُ تُسمَّى ملاعب يعقدها كُبراء الحكومة أو كبار العمَّال في إحدى الجهات المتّسعة، ويستدعون إليها الفرسان فيأتون بأحسن الملابس والسّروج المزركشة بالذّهب والفضّة والسّلاح مثل ذلك. وتارة يلبِس الفارسُ على رأسه شيئاً من ريش النّعام يُسمَّى عروج والحاصل أنّ لبس الفرسان جميل جدّاً، ولهم براعة في الحركات الحربيّة فترى الفارس في حال السّباق، يطلق ويعمِّر مكحلته عدّة مرار. وتارة يُطلق أربعة مكاحِل كلّ جعبتيْن ثمّ يُطلق قرابينة، ثمّ أربعة طبانجات ثمّ يخترط سيفه وجميع ذلك السّلاح محمولٌ عليه، ولا يعطّل له شيئاً من خفّة حركاته».
وألعاب الفرسان فيها «كرّ وفرٌّ وبعضهم في حالة السّباق، يُدلي يده إلى الأرض فيحمل منها قبضة من تُراب، وبعضهم يفرش له بمحاذاة ميدان السّباق رداء من حرير في نهاية الصّفاقة. ففي حالة الرّكض النّهائيّ يمدّ يده، ويرفع طرف الرّداء ثمّ وسطه ثمّ آخره وبعضهم يُركِضُ فرسه. وبينما هو في حملة السّباق، وإذا بالفارس يقف على رجليْه فوق السّرج ورجلاهُ إلى فوق وعليهما مكحلة. ثمّ يدفع المكحلة ويلتقفها بيده، ويجلس ويطلقها. كلّ ذلك والحصان في نهاية ركضه وجميع أعماله في بعض دقائق. وهذا العمل الأخير من النّادر في الفرسان، ومنهم من يلعبُ في دائرة لا يتجاوز قطرها عشرة أذرع والحصان في حالة الرّباع، بل رأيتُ من يركب على حصانه ويركز الحصان رجليه في الأرض ويرفع يديه معاً، ويلتفت يميناً فيطلق فارسه القرابينة ثمّ يرفع يديه كذلك ويلتفت شِمالاً فيطلق فارسه القرابينة أيضاً والحال أنّه عمَّرها في حصّة رفع الحصان يديه. ويستمرّ كذلك بالتتابع نحو نصف ساعة، وليس بين الطّلقة والطّلقة إلاّ بضع ثوانٍ من الدّقائق الزّمانيّة على غاية من السّرعة والتتابع وهذا أيضاً نادر».
ويُواصل محمّد بيرم الخامس تفصيل عرض الفروسيّة، فيذكر ألعاب الحرب، واستخدام الأسلحة في العرض الفرجويّ، فيقول عن الفارس المغوار: «ومنهم من يخترط السّيف، ويصير مع راجل أو فارس مثله في غاية الطّعان والكرّ والفرّ. والحاصل أنّهم يشخِّصون حالات الحرب بالخيل على أنواع شتّى، وتكون إذْ ذاك طبول الحرب تعزف ومعها مزامير للعربان، وذلك أعظم ألعاب الأهالي التي يفتخر بتعليمها ويتبادرون في إتقانها». وعنده أنّ الفروسيّة (من صفات الرّجوليّة والدّين).
ولا تزال الفنتازيّة تمجّد رقصة البارود أو رقصة الملحمة البطولية، وتحتفِي بقيم التّضامن والفحولة، وتُذكِي الحميّة للحرب والاستعداد لها للدّفاع عن الأرض، وهي رمز المقاومة والشّهامة والصّمود. وتعبِّر عن تعلّق العربيّ بالفَرَس وتشَكّل صورته في الذّاكرة الثّقافيّة، وتحوّله إلى رمز وطنيّ. ولا يزال الفارس حامي الدّيار حارس العرض الذّائد عن الشّرف. وتصاحب رقصات الخيول الأغاني الحماسيّة ويرافقها ويقوّي وقعها إيقاع الطّبول وزغاريد النّسوة وتهاليل الرّجال وتصفيق الحاضرين، وهو ما يزيد من حماسة الفرسان ويُذكي الطّابع التّنافسيّ فيهم. إنّ مشهد الفرسان في الفنتازيّة، مشهد مركّب (يفيض بجماليّة اللون والبراعة والدقّة والانضباط والحركة الملحميّة التي تُحاكي أطراف المعركة بشراستها التي تضجّ بوقع حوافر الخيل). ويُسهم إطلاق البارود المنطلق من سلاح الفارس في ألعاب الفنتازيّة في خلق أجواء فرجويّة مميّزة، ويُقدّم للجمهور (عناصر مرئيّة تتمثّل في الدّخان الممزوج بالغبار المتصاعد من البنادق، وعناصر صوتيّة ممثّلة في دويّ الطّلقات المختلط بصيحات المتفرّجين، وعناصر شميّة متمثّلة في رائحة البارود اللاّذعة المختلطة برائحة الخيول والغبار).
ولئن ارتبطت الفنتازيّة في المجتمعات العربيّة بالرّجال، فهي تظاهرة رجاليّة، فلا نعدم من النّساء من مارسنَ الفروسيّة وخُضن غمار العروض الفرجويّة وهو ما يعكس تحوّلاً جذريّاً في التمثّلات الاجتماعيّة العربيّة. ففي تونس عُرفت أماني عبداللّاوي من ولاية سيدي بوزيد بمشاركاتها في العروض الفروسيّة والمهرجانات المحليّة، وعدّت مثالاً للمرأة المهتمّة بالفروسيّة التّقليديّة. وتعدّ زاهية أبو الليث من أوائل المغربيّات اللّواتي أسّسن سِرْبَة (فرقة) نسائيّة كاملة في التّبوريدة منذ منتصف العقد الأوّل من القرن الحادي والعشرين، وأسهمت في كسر احتكار الرّجال لهذا الفنّ.
4 - عرض الفنتازيّة عرض فرجويّ بهيج
وعلى هذا النّحو، يمكن أن نخلص إلى أنّ عروض الفنتازيّة لا تنحصر في جملة (التّقاليد الموروثة من الماضي، وإنّما تشمل أيضاً ممارسات ريفيّة وحضريّة معاصرة تُشارك فيها جماعات ثقافيّة متنوّعة وهي تُعطي إحساساً بالهويّة والاستمراريّة وتشكّل حلقة وصل بين ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا).
وباتت الفنتازيّة طقساً اجتماعيّاً يُسهم في الحفاظ على الهويّة المحليّة ويرسّخ القيم العربيّة الأصيلة. ومن خلال ممارستها، يعبِّر المحتفلون عن أسلوب تملّكهم التّرابي، ويُعلِنون عن علاقتهم بمحيطهم الطّبيعيّ والثّقافيّ، ويتمكّنون من نقل عاداتهم وأعرافهم وتقاليدهم، ويثبّتون مهاراتهم وخبراتهم المختلفة ويمرّرونها للأجيال القادمة. وممّا لا ريب فيه أنّ الفنتازيّة يمكن أن تحصِّن الهويّة وترسّخ شعور الانتماء إلى جماعة ثقافيّة ما، وتربط بين الإنسان وتراثه ربطاً متيناً وعروة وثقى.
5 - عرض الفروسيّة.. لوحة الرسّام الجزائريّ رشيد تالبي
غير أنّه يجب التّشديد مجدّداً على أنّ الفروسيّة التّقليديّة لا تُختزل في عروض استعراضيّة أو مسابقات مهاريّة، بل تمثّل منظومة ثقافيّة متكاملة تتداخل فيها عناصر الحرب والاحتفال والطّقس والهويّة الجماعيّة.
ولئنْ فقدت الخيل -مع تطوّر وسائل الحرب الحديثة- دورها المركزيّ في القتال، فإنّها قد احتفظت مع ذلك بمكانتها في الذّاكرة الجمعيّة من خلال عروض الفنتازيّة التي أعادت تمثيل الماضي في قالب احتفاليّ جديد. فتحوّلت الفروسيّة إلى وسيلة لصون التّراث الثّقافيّ غير المادّي، وإحياء لقيم الرّجولة، وعبّرت عن معاني الشّرف والعِرض والبطولة والشّجاعة. وما يزال الفارس بسلاحه وبندقيّته يحضر في الوجدان العربيّ وفي المخيّلة الجمعيّة باعتباره رمزاً للسّلطة والنّفوذ والقوّة، يبعث على الهيبة والمكانة في عيون الجمهور من المتفرّجين، يُذكِّرهم بدور الفارس التّاريخيّ في حماية القبيلة والدّيار والشّرف، والذّود عن الثّغور من الغُزاة الغاصبين.