الكاتب والشاعر التشيلي (روبرتو بولانيو) (1953 - 2003) واحد من الشخصيات الأشد حضوراً وتأثيراً في الأدب اللاتيني الأمريكي والأدب العالمي المعاصر عموماً. ولد في سانتياجو العام 1953، واستهل حياته الأدبية في العام 1975، حيث شارك في تأسيس حركة (واقعية الأحشاء) Infrarrealismo التي حث الشعراء من خلالها على الانضمام إلى (أولئك الذين لا ينتبه إليهم أحد، والذين لا يحبهم أحد). من أشهر أعماله الروائية: (رجال التحري المتوحشون)، و(تعويذة)، و(ليل في تشيلي)، و(الرايش الثالث)، و(2666) الضخمة التي يراها البعض أجمل أعماله.
النص التالي من مقدمة الترجمة الإنجليزية لرواية (نجم بعيد) التي تصدر عن دار بيكادور، أبريل العام 2026. كتب المقدمة الشاعر والروائي الأمريكي (بن ليرنر) أستاذ الأدب الإنجليزي المتميز في (بروكلين كوليج)، والذي وصلت كتبه إلى القائمة القصيرة لعدد كبير من الجوائز من بينها (جائزة الكتاب الوطنية) و(البوليتزر).
روبرتو بولانيو
ترى: هل هناك قصائد حقيقية في (نجم بعيد)؟
يصف الشاعر/الراوي (أرتورو بيلانو) القصائد الأولى لـ(ألبيرتو رويز تاجلي)، ذلك العصامي الغامض الذي يظهر ذات يوم كأنما من العدم في ورشة الشعر التي يحضرها أرتورو، بقوله: (إن القصائد الثلاث كانت قصيرة، لا تتعدى الواحدة منها العشرة أسطر. إحداها كانت تصف منظراً طبيعياً: أشجاراً وطريقاً ترابياً ومنزلاً بعيداً وسياجات خشبية وتلالاً وسحباً). على أنه لا ينقل لنا أي أجزاء من القصيدة، ولا يطلعنا على شيء من النص أو نسيجه. ووفقاً لمارتا، وهي شاعرة شابة أخرى ضمن حلقتهم؛ فإن القصائد الثلاث ليست (قصائد حقيقة) بأي حال. ومن ثم فحتى القصائد التي حجبت عنا مجرد بدائل، فأين إذاً نجد القصائد الحقيقية في (نجم بعيد)؟ وذات ليلة مشؤومة عقب استيلاء بينوشيه على السلطة، تقرأ الشقيقتان جارمينديا، وهما توأمتان متطابقتان ونجمتا ورشة الشعر اللتان لا خلاف عليهما، قصائدهما على (رويز تاجلي) (قبل أن نكتشف أنه الطيار الدموي كارلوس وايدر)، ومن جديد لا تقرأ الشقيقتان القصائد علينا، بل يروى لنا أن قصائدهما (بارعة)، وأنها: (غالباً ما تصف رسامين تائهين في قفار جنوب تشيلي، يستغرقون بكل جوارحهم في لوحات طموحة وقصص حب بلا أمل). (إذ القصائد التي لا نقرؤها تدور حول أعمال فنية مستحيلة)، ومرة تلو الأخرى توصف القصائد بطرائق تضفي عليها مزيداً من الإبهام والغموض، حيث: (السطور الافتتاحية كأن الذي كتبها (إيزيدور إيسو)، والخاتمة غير المنتظرة كأنما خرجت من أغاني الفولكلور التشيلية) أو: (قصيدة سردية... ذكرتني بيوميات (جون كيج) الشعرية مقرونة بسطور تبدت كأن كاتبها (جوليان ديل كاسال) أو (ماجالان مور) بعد أن ترجمها إلى الفرنسية؛ شاعر ياباني مضطرب نفسياً). وهلم جرا.
القصائد الوحيدة (إذا ما اتفقنا بالأساس على أنها قصائد) التي نقلها لنا الراوي مباشرة هي تلك السطور التي تتبدد سريعاً بعد أن يرسمها وايدر- الضابط بقوات بينوشيه الجوية- بطائرته على صفحة السماء. (ولأن الكلمات ليست كالدخان بطبيعة الحال فنحن أمام مجرد ترجمة لها ليس إلا). على أن بولانيو لا يكتفي بترنح الأسطر سريعاً، بل يمحو بيد ما تكتبه الأخرى. حيث يستعيد الراوي الذكرى ويكتب: (تمكنت من قراءة كلمات: وقال الله.. ليكن نور.. فكان نور.) ثم يردف: (ومع ذلك ربما كنت أخمن أو أتخيل أو أحلم). حيث تتمتع المشاهد التي لا تنسى لكتابة وايدر العدمية على صفحة السماء بحالة من اللايقين الأشبه بحلم في واقع الأمر، فهي تقع ولا تقع في الآن نفسه: (لكن لا أحد من الجنرالات أو زوجاتهم وأطفالهم أو كبار الضباط أو السلطات الإكليريكية أو الثقافية أو المدنية أو العسكرية الذين حضروا العرض تمكن من قراءة كلماته). ترى أيرجع ذلك إلى أن الكلمات محض إسقاطات وهلاوس؟ حتى وايدر نفسه لا يعلم: (كتب، أو ظن أنه كتب: الموت هو قلبي). وههنا حيث نقرأ ما يتبدى أنه كتابة على صفحة السماء تخطو العبارات صوب الإنكار والإبطال الذاتي: (ثم لم يتبقَ لديه دخان يكتب به.. لكنه استمر في الكتابة).
***
ترى: كيف نفهم الشبه بين كتابة (كارلوس وايدر) في السماء، وبين أعمال الشاعر والفنان التشيلي (راؤول زوريتا) Raúl Zurita؟
أسس زوريتا، الذي ولد في تشيلي العام 1950، وسجنه وعذبه بينوشيه؛ (جماعة الحركات الفنية) CADA المعروفة بتظاهراتها الفنية ضد الديكتاتورية، وفي يونيو العام 1982 استأجر عدداً من الطائرات لكي يكتب بها في سماء مانهاتن أجزاءً من قصيدته (الحياة الجديدة) (وهي الأسطر التي تذكرنا بياناتها اللاذعة ببعض (كتابات) وايدر)، فهل يدين بولانيو زوريتا ملمّحاً- على سبيل المثال- إلى أن الشعر قد يصبح مطية لليمين بكل سهولة عندما يصير فرجة أو حركة سياسية؟ وهل تعني (نجم بعيد) ضمناً أن حركتي الطليعة اليمينية واليسارية يمكن لإحداهما أن تحل محل الأخرى، حيث تنطوي كل منهما على فانتازيا طمس الحدود بين الفن والحياة والتدخل المباشر في التاريخ؟ (فوايدر قد يقرأ كذلك باعتباره تفسير (الأيروبوزيا/ شعر الطيران) aeropoesia الحرفي الذي دعا إليه الشاعر المستقبلي الإيطالي فيليبو مارينيتي)، ذلك أن غاية وايدر هي تصميم (استعراض يظهر للعالم أن السلطة الجديدة والفن الطليعي ليسا على خلاف، بل على العكس تماماً). فهل يهزأ بولانيو بنزعة زوريتا التبشيرية أم ينقاد ببساطة إلى خصومة ضيقة الأفق؟
من المؤكد أن (نجم بعيد) تحمل في طياتها شعورين متضادين حيال العلاقة بين الفن والسياسة الراديكالية؛ إذ يصير الفن عنفاً سياسياً (أو مقاومة طاحنة)، من دون أن يقتصر هذا على وايدر الفاشي وحده. حيث نرى (خوان ستاين) الذي يتزعم ورشة الشعر، حيث التقى الراوي (رويز تاجلي/وايدر) أول مرة؛ يدخر صورة فوتوغرافية لـ(إيفان تشرنياخوفسكي) جنرال الجيش الأحمر الذي تجمعه به صلة قرابة. (وههنا يفسح فيض أعلام الأدب التاريخيين والملفقين الذي يتحفنا به بولانيو؛ المجال- من دون أن يترك لنا تقريباً فرصة لالتقاط الأنفاس- لسلسلة من الجنرالات السوفييت كأن التاريخين الأدبي والعسكري وجهان لعملة واحدة: (يقول ستاين أن (تشرنياخوفسكي) كان أروع جنرالات الحرب العالمية الثانية، وأشار بيبانو... إلى جوكوف وكونيف وروكوسوفسكي وفاتوتين ومالينوفسكي، لكن ستاين لم يتزحزح). (وعلى الرغم من ذلك يفكر ستاين بأحوال كثيرة في التخلص من صورة الجنرال)، ويزعم أنه: (سوف يستغل الإطار في تزيين صورة احتفظ بها لـ(وليم كارلوس وليامز) أثناء أداء عمله اليومي بصفته طبيباً ببلدة صغيرة)، وهو التصرف الأليق والأنسب لشعبة الأدب حسب ادعائه. على أن هذه الفنتازيا هي الأخرى عن استبدال شاعر بجنرال تشمل شاعراً اختير لأنه هو الآخر رجل أفعال إذا جاز التعبير ولديه وظيفة حقيقية، طبيب يحمل (حقيبته الجلدية السوداء) المليئة بالأجهزة الطبية، لا معدات الكتابة. (وبالمناسبة ليس واضحاً ما إذا كانت الصورة الفوتوغرافية تظهر وليامز حقاً أم لا، ذلك أن عدم استقرار التأليف في رواية بولانيو يمتد إلى صور المؤلف نفسها). ويغيب ستاين في أعقاب انقلاب بينوشيه، قبل أن يطفو على السطح: (مثل شبح أينما نشبت معارك، وأينما فتك الأمريكيون اللاتينيون البواسل الأنذال الشهام المعاتيه المتهورون بالواقع ليعيدوا بنائه ثم تدميره من جديد، في محاولة أخيرة مصيرها الفشل). أهذا هو تعريف بولانيو للشعر الطليعي أو السياسة الثورية أو كليهما: سعي منكوب لتخريب الواقع وإعادة بنائه قبل تخريبه مرة أخرى؟ وهل يشمل هذا التعريف أي قصائد فعلية؟ من منظور ستاين ووايدر، يبلغ الفن ذروته في- أو يتقوض ويؤول إلى- العنف. ولو حظي ستاين بالإعجاب، وبات وايدر مرذولاً مرهوب الجانب!
***
يختفي الشعراء، الذين قد يكتبون ولا يكتبون القصائد، ويعاودون الظهور والاختفاء من جديد. تتبدل أسماؤهم ويغلف الشك هوياتهم دائماً. (تزخر عوالم بولانيو الأدبية السرية- سواء ضمن هذه الرواية أو عبر رواياته عموماً- بالكثير من الأسماء المستعارة أو الحقيقية التي أعيد ترتيب حروفها، لحد أن الأسماء الصحيحة نفسها- والتي يمكن التحقق من صحتها تاريخياً أيضاً- تتبدى أسماءً مستعارة). ومن ثم، فاللغزان الجوهريان، (بالمعنى النواري والميتافيزيقي معاً)، وما يبث الحياة في قصص بولانيو؛ هما (الوجه التعبيري/إعادة الصياغة) Paraphrase للقصيدة التي لا ترى إلا كلمح بالبصر، وهو الشاعر الذي في طور التبدد والتلاشي على الدوام. وتكمن موهبته في جعل القصيدة والشاعر أضحوكة وأمراً محالاً في الوقت نفسه، وكأنهما أهم ما في الدنيا أو من عالم آخر، كـ(نجم بعيد).
سك الناقد الأدبي (كلينث بروكس) عبارة (هرطقة الوجه التعبيري) للتحذير من اختزال القصائد في مضمونها أو سياقها، وكأن القبض على جوهر القصيدة ممكن مع استبعاد شكلها. وبعض من عبقرية بولانيو يتمثل في قدرته على شحن نثره بأجناس من تلك الهرطقات، ذلك أن وجوه بولانيو التعبيرية تظل من نسج الخيال بطبائع الأحوال، وتتبدى إعادة تدوير لروايات لم تحدث بالأساس، على أنه يحشوها بمضامين شاعرية عبر هذه الثانوية الروائية. وههنا على سبيل المثال، نقرأ وصف أرتورو بيلانو للشهادة القانونية التي أدلت بها خادمة الشقيقتين جارمينديا ضد وايدر أثناء محاكمته غيابياً على جرائمه. (لاحظوا أن الوصف ليس إعادة صياغة فقط بل ترجمة أيضاً، ذلك أن (الكلمات الأصلية بلغة المابوتشي). لتصبح شهادتها:
(قصيدة ملحمية دورية أصبحت، مثلما أدرك سامعوها المصعوقون، حكايتها من بعض الوجوه. حكاية المواطنة التشيلية (أماليا مالويندا) التي عملت خادمة لدى الشقيقتين جارمينديا، وحكاية الأمة التشيلية من بعض الوجوه الأخرى، قصة رعب وفزع. ولكم تبدت أثناء حديثها عن وايدر كأنما تتكلم عن عدة أشخاص مختلفين: عن منتهك حرمات، وعن عاشق، وعن شيطان. وحين تكلمت عن الشقيقتين جارمينديا مثلتهما بالهواء وبنباتات الزينة أو بالجراء).
لا ندري ما إذا كانت تمثيلات أماليا جزءاً مفروضاً في (قصيدتها الملحمية) (لا تتبدى كلمة (جراء) على الأخص مبشرة بأي حال)، ولا تصل أيدينا إلى تلك التمثيلات على وجه الدقة، بل إلى المادة الخام للتشبيه. لكن لهذا سطوته وسلطانه، إذ نتخيل طيفاً واسعاً من الاحتمالات غير المرهونة بأي حقائق واقعية، بالضبط مثلما يتبدى حديث أماليا عن وايدر، كأنما يصف عدة رجال في آن معاً، ومثلما تتحول حكايتها إلى عدة حكايات بالوقت نفسه. فنخمن، ونتخيل، ونحلم. إن أقرب الفقرات إلى قلبي في روايات بولانيو هي مثل تلك الهرطقات، حيث يفسح التفاوت- عبر الترجمة، أو إعادة الصياغة، أو المخاتلة- مجالاً للاستحقاق النقيض، وسرياناً للدلالات المحتملة (والمتناقضة أيضاً). ولعل هذا هو حلمي أو تصوري الخاص، على أن النثر ينوس وينبض عندما أقرأ وصف بولانيو الوجيز السهل للقصائد التي لا وجود لها: (أشجار وطريق ترابي ومنزل بعيد وسياجات خشبية وتلال وسحب). تراودني فكرة غامضة أن هذه اللغة لا يتبدى أنها تتلو قصيدة بعينها، ولا هي صارت قصيدة بعد. بل تنتظر مني أو منك أن ننشئها ونهبها شكلاً. هكذا تصبح إعادة الصياغة مسودة قصيدة، وتخلي الهرطقة- ولو لبرهة قصيرة- الطريق للإيمان بإمكانية الإبداع الشعري.
يبصرنا (أرتورو بيلانو) بحقيقة (نجم بعيد) نفسها خلال إعادة صياغته لقصيدة أماليا الدورية، إذ الرواية من بعض الوجوه قصة مواطنة تشيلية، ومن بعض الوجوه الأخرى قصة الأمة التشيلية وأحلامها وكوابيسها السياسية. قصة رعب وفزع، وحكاية مجرم وغد متلون مبهم ربما كان شيطاناً لعيناً. وهي رواية كأغلب روايات بولانيو، حيث يتمثل الشعر حولنا بكل مكان، من دون قصائد.