عندما يباشر الفكر تأمل ظاهرة العمل، فإن ما يشد انتباهه في البدء هو الصلة الوطيدة بين النشاط الإنتاجي (العمل) وتصريف الزمن (الوقت). فليس العمل إلا مساراً يجري بموجبه تحويل الوقت إلى قيم تتداول بين الناس. لكن قبل ذلك لا بد من تحويل الزمن إلى وقت، أي لا بد من تكميمه من خلال تحويله إلى جداول ومواعيد.
***
تنطلق الفرنسية سيلفيا شيفوليو Sylvia Chiffoleau في كتابها الصادر مؤخراً (تاريخ للزمن في العالم العربي) من نقد فكرة شائعة في الفكر الغربي، وهي أن المجتمعات العربية (لا تحترم الوقت) أو أنها (تعيش خارج الزمن الحديث). وترى أن هذه الصورة النمطية ليست وصفاً موضوعياً، بل هي نتاج الخطاب الاستعماري والاستشراقي، بل هي تؤكد أن العالم العربي عرف، عبر تاريخه، أنظمة متعددة لتنظيم الزمن، وأن العلاقة بالوقت كانت دائماً مرتبطة بالدين، والاقتصاد، والسياسة، والحياة الاجتماعية. ويمكن الاستئناس بما تضمنته صفحات عديدة من كتابها تشير أن زمنية العمل، أي ما يستغرقه فعل إنتاج من وقت، مقترن بخصوصية النشاط الاقتصادي. فهناك الزمن الزراعي، وهو مرتبط بالفصول والأمطار ومواسم الحصاد، وهناك الزمن التجاري، وهو ما تنظمه الأسواق وحركة التجارة حسب خصوصياتها إن كانت برية أو بحرية أو جوية أو إن كانت رقمية عن بعد عندما يتعلق الأمر بالتجارة المالية أو المبادلات المعلوماتية، وهناك الزمن الإداري الذي ظهر تخصيصاً مع الدولة الحديثة حيث غدت الساعة والتقسيمات الزمنية من مقتضيات العمل.
على أن التمييز بين ضروب النشاط الاقتصادي وما يتصل بها من أنماط العمل لا يعني قطيعة صارمة بين هذا الزمن وذاك، ففي مجتمعات عربية يعيش الإنسان العربي في تداخل بين عدة أنظمة زمنية، وليس بالضرورة في نظام زمني واحد، خصوصاً إذا كانت هذه الأنماط الاقتصادية متكاملة.
ومن ناحية أخرى، فإن المجتمعات العربية لا تختلف عن غيرها من المجتمعات بموجب انتشار وسائل النقل السريعة سواء على صعيد السكك الحديدية أو الطرقات السيارة أو حركة الطيران بحيث أصبح الوقت بالدقائق والثواني بعد أن كان يعتمد تقريباً على تعاقب الليل والنهار أو على أوقات الصلاة. وما يمكن التنويه به أن هذا ليس وقفاً على التقدم التقني، وإنما هو وسيلة لبناء مجتمع عصري ولتدبير الانضباط حسب قواعد ناجعة. وقد نجم عن ذلك حصول وعي بالقوت على أساس أنه هو في حد ذاته قيمة اقتصادية، فالوقت الذي يقضيه العامل يقاس ويعير ضمن كلفة الإنتاج. ومن ثم يمكن القول إن الوعي بأهمية الوقت هو ما يسوغ استئناف المثل الشائع سابقاً: (الوقت كالسيف، إن لم تقطعه قطعك)، أو المثل القائل: (الوقت من ذهب) بمثل راهن (الوقت مال).
***
مع ذلك، يجدر أن نلاحظ أن الزمن الحديث لم يُلغِ الزمن التقليدي بإطلاق، بل إن المجتمع العربي يعيش تعدداً في المرجعيات الزمنية. فالعامل يبدأ عمله وفق ساعات العمل الرسمية، لكنه ينظم أيضاً وقته بحسب ما تقتضيه الالتزامات والمناسبات من دينية واجتماعية وعائلية. وفي هذا يمكن أن نشير إلى تباينات بين بعض المجتمعات العربية، فإيقاع الزمن ليس بالضرورة الإيقاع نفسه في هذا المجتمع العربي أو ذاك. وهو ما من شأنه أن يمثل ضرباً من (فارق في التوقيت) بين بعض المجتمعات العربية. والأمر يغدو ملتبساً إلى حد ما عندما يلتقي أفراد من هذه المجتمعات في نفس مؤسسة العمل، إذ يحدث أن يترتب عن ذلك تفاوت في تقدير الوقت. (فارق التوقيت) هذا ليس بالمعنى الفيزيائي الموضوعي كالذي بين هذه العاصمة وتلك، وإنما بالمعنى النفسي المقترن بالمزاج العام للمجتمع، وهذه لا محالة مسألة تفسر بثقافة المجتمع.