مجلة شهرية - العدد (601)  | أكتوبر 2026 م- ربيع الثاني 1448 هـ

تحولات الزمن العولمي وقيم العمل المرنة فيه

أعتبر أن اختراع مفهوم ومضامين الزمن/الوقت ووحداتهما الفرعية: سنة، شهر، أسبوع، يوم، ساعة.. إلخ، فكراً وتطبيقات حياتية من أعلى درجات العبقرية التجريدية التي أنتجها الدماغ البشري عبر مسيرة تطوره استناداً إلى أطروحات ما يُعرف بفلسفة الفيزياء.
فالزمن تصنيفان مختلفان هما:
أ- الزمن الديني كما ورد في القرآن الكريم كقوله تعالى: (وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون) (سورة الحج الآية 47).
ب- الزمــن الوضعي (من وضــع البشــر دنيوياً)؛ إذ ترى فلسفة علم الفيزياء كأساس للزمن، أن مُفتتح الزمن هبوطاً أو صعوداً إنما يستند وينطلق من وإلى نقطة الصفر كرقم أساس في كل وحدات القياس، وصولاً إلى أجزاء من الثانية، تعبيراً عن الدقة والموضوعية العلمية كوكبياً (على الأرض وفي الفضاء).
فالصفر بنظرهم وتطبيقاتهم هو نقطة افتراضية ذهنية ابتدعها علماء الفيزياء لتسهيل عمليات الحساب الرقمي المعياري، وقياس الأداء في العمل والإنتاج بالتوازي مع هذا الزمن ووحدته المتنوعة في المحصلة.
إذن، الزمن أعم وأكثر تجريداً وحضوراً في حياة الإنسان من الإنتاج رغم تمايز قيمة كليهما.
وبناء على ظهور وتطور ثورة التكنولوجيا المتطورة بُعيد ظهور العولمة، حيث شكلت عملية اكتشاف وانتشار التطبيقات الاتصالية عبر شبكة الإنترنت كحامل ومحمول، ما أسميه (الأم الثانية) للعلوم بعد أن كانت الفلسفة هي الأم الأولى للعلوم.
وبناء على سبق، يمكننا القول أيضاً: إن ما استُقر على تسميته بـ(ميزانية الوقت) التي كانت تُقسم بحدة اليوم الواحد إلى أربع وعشرين ساعة تتساوى لدى جميع البشر، رقماً وليس إنتاجاً أو استثمارات، ومن هنا تظهر الفروق الفردية في إدارة مورد الوقت النادر الذي يصعب تخزينه أو استرجاعه، فميزانية الوقت في اليوم الواحد كمثال، مقسمة إلى ثلاثة أجزاء مترابطة الامتداد لكنها مختلفة الوظائف من حيث مستوى ونوعية الإنتاجية والترويحية في آن، وهي كالآتي:
أ- ثمــان ساعـــات لقضــــــاء الحاجات الأساسية للإنسان من نظافة وغذاء، وصلوات وتفكر.. إلخ.
ب- ثمـــان ساعـــــات للعمـــل والإنتاج الموقعي في المصانع أو الوزارات كجغرافيا محددة. ومن هنا جاءت تشريعات العمل الدولية السابقة القائلة إن ساعات العمل المأجورة في الوظائف الرسمية هي ثمان ساعات.
ج- ثمان ساعات هي (الوقت الحر، وليس وقت الفراغ كما هو متداول خطأ). والمقصود بالوقت الحر (الاختياري). وهو الوقت الذي لم يخطط الفرد بعد لكيفية استثماره من قِبل الإنسان العامل/ة أو لم يُلزم قانوناً بما يجب عليه عمله أثناءها، كما الحال في وقت العمل مثلاً. ورغم أنه حر إلا أن سلسلة الزمن المستمرة تحسب ساعاته كبقية الساعات الأخرى في حياة الفرد.
- أخيراً، وبالترابط مع كل ما سبق، يمكن القول إن مفهوم العمل المرن كمفهوم ما بعد حداثي للعولمة، إنما عمل فكراً وتطبيقاً ضمنياً بهدف زيادة الإنتاجية ولاسيما بالنسبة للمرأة في المجتمعات النامية بالمجمل، أقول إنما على تجاوز وتوسيع المضامين البيئية والقيم الإنتاجية الواسعة للعمل في عصر الحداثة عبر ما تجسده ثورة الرقمنة والذكاء الاصطناعي. عبر التوسع في تعميم توظيفات التكنولوجيا البسيطة نسبياً، التي كانت سائدة في مرحلة العالمية قبل تسعينات القرن الماضي.
- إن العمل المرن زمنياً عبر التكنولوجيا قد أضعف أهمية جغرافية مكان وأوقات العمل التقليدية، وهو الواقع الذي نقل مفهوم الإنتاج بالتكنولوجيا الهادفة، كمثال نقل تنظيم الشركات المتعددة الجنسيات إلى مضامين وواقع عولمي جديد هو الشركات متعدية الجنسيات وحتى اللغات والجنسيات جراء مرونة وتوقيت العمل باختلاف الزمن بين قارات العالم لصالح المهارات الإنتاجية ذات الربحية الأعلى كأولوية راهنة عولمياً، دون اختلافات زمنية مع ثبات القيمة العليا للإنتاج الكوني، أي التعامل المرن مع الموارد الطبيعية و(رأس المال الاجتماعي) كضرورة ملحة لزيادة الإنتاج والأرباح معاً، عوضاً عما كان يُعرف بـ(الموارد البشرية).

ذو صلة