كانت الكلمات المسيئة تأكل من جسده قطعة قطعة. اكتشف هذا المرض في طفولته، عندما وبخه والده لأنه أضاع لعبة أخته الصغيرة.
(أنت أحمق) جملة قيلت لعشرات الأطفال من أقرانه، ولم تؤثر فيهم كثيراً. بعضهم ضحك، ولم يبال، والبعض الآخر بكى قليلاً، ثم عاد لممارسة حياته الطفولية بكل بهجة، متناسياً جُمل وعبارات التوبيخ. أما هو فقد كانت حساسيته الزائدة تجعل الألفاظ القاسية تتغذى بكل إصرار على قضمات صغيرة منه، حتى فقد إبهامه بالكامل.
لم يلاحظ في البداية أن الكلمة الجارحة هي الفاعلة، كان يظنه مرضاً غامضاً لا سبب له، ولا خلاص منه. لكنه أدرك مع تعاقب الأيام والعبارات المهينة التي واجهها في حياته الدراسية والمهنية، وتسببت في فقدانه جزءاً من ذراعه اليسرى، أن للكلمات تأثيراً قوياً عليه.
خمن أحد أصدقائه المهتمين بالقراءة عن الحالات النادرة للجسم البشري، أن خلايا جسمه تتأثر بالكلمات السامة على وجه الخصوص، فتموت ويفقد معها قطع صغيرة من بدنه مع مرور الوقت حتى يختفي، وأن حالته شديدة الندرة ولم يتوصل العلماء لعلاج فعال لها.
حاول تحصين نفسه قدر الإمكان، من خلال التمتع بصلابة نفسية تحميه من التآكل، لكن خلاياه كانت هشة، ولا تستطيع الصمود أمام أي كلمة مسيئة تُقال له.
في حفل زفاف أحد أقاربه، اكتشف سراً جديداً متعلقاً بحالته الغريبة التي حيرت عدداً من الأطباء وعلماء النفس واللغة، كان قد مر زمن طويل على اللقاء الذي جمعه بزميلته الحسناء التي أُعجب بها في فترة مراهقته، لكنه خاف من الإفصاح لها عن مكنونات قلبه.
عندما لمحها قادمة نحوه وقف بعيداً، خوفاً من أن تلاحظ ذراعه المفقودة، فيقع أسيراً لنفورها أو شفقتها. لكن محاولاته لم تفلح، فقد كانت الشابة التي زاد حسنها في الأعوام الأخيرة، معجبة به أيضاً، لكن خجلها منعها في السابق من مصارحته، أما الآن فشجاعتها صارت واضحة، مما أكسبها ثقة في مظهرها وطريقة كلامها.
اقتربت منه، متجاهلة محاولات ابتعاده عنها، لم يجد أي مفر من اللقاء، فابتسم لها وصافحها.
(ما زلت وسيماً، لا بل زادت وسامتك أكثر). احمرَّ أنفه خجلاً، وشعر برغبة عارمة في البكاء، لكنه سرعان ما تدارك الأمر، تبادلا أرقام الهواتف، وخلال الحوار السريع الذي دار بينهما خفق قلبه بقوة، ثم شعر بعدها بألم قوي فيما تبقى من ذراعه اليسرى، ظن أنه يستحيل أن يشعر بمثل هذا الألم، في هذه المنطقة. استمر ألمه لأشهر، إلى أن لاحظ نمو قطعة صغيرة من ذراعه مجدداً بعد كل لقاء كان يجمعه بها، مما شجعه على التقرب أكثر منها، إلى أن تحولت صداقتهما البسيطة إلى حب متبادل.
نمت ثقته بنفسه مثلما نمت ذراعه من جديد، ولم تعد الكلمات السلبية تؤثر عليه، وعلى جسده. اعتبر كل معارفه ما حدث له بمثابة معجزة. ومع مضيّ الوقت نسي حالته الغريبة.
لم يُكتب لعلاقته العاطفية بها أن تستمر، وانفصلا قبل عقد القران بأسابيع، لأسباب تتعلق برعبه من قيود الحياة الزوجية التي حتماً ستذكره بحياته مع عائلته. شعر بالقلق بعد الانفصال، خوفاً من ألا يجد من تقول له كلمات معسولة وإيجابية، لكنه كان يجد الكثيرات منهن في طريقه. رغم ذلك عاد الألم القديم يطل عليه من جديد بعد سماعه عبارات فظة من أحد زملائه في مشاجرة عنيفة وقعت بينهما، ليفقد بعدها ذراعه اليسرى بالكامل. ومع مرور السنوات والإهانات، لم يتبق من جسده سوى القلب الذي ظل على حاله نابضاً، وكأنه مازال في جسد صاحبه، ولم يتمكن العلماء حتى الآن من تفسير حالته العجيبة.