هذا الكون تحكمه قوة جدلية ثنائية أُطلق عليها في الديانات القديمة العود الأبدي، وسميت في الحضارة الفرعونية بالبعث أو دورة الحياة (أسطورة إيزيس وأوزوريس)، وقد فسرت في العصر اليوناني باعتبارها عالم الظاهر والباطن (أفلاطون المُثل والظواهر). والأشياء في عالم المثل تختلف عما هي عليه في الحقيقة (أرسطو)، فجميع مناحي الحياة تتضمن السالب والموجب لتوفير الحركة والخروج من الثبات، ويتضح ذلك في: الدورة الدموية - التيار الكهربي - المركزية الطاردة وفي حركة الكواكب، ونظرية الديالكتيك تفسر الحركة التي تنتج بسبب تناقض المواد أو العناصر فتحرك وتحول الكائنات من عالم ثابت إلى عالم متغير.
ولكن، غالباً ما يكون التعامل مع الأشياء بوصفها ثابتة ومستقرة، في حين أن الأشياء في الأساس في حركة وتفاعل مستمر مع محيطها الخارجي، وهكذا الإنسان ذاته الذي تتحول داخله بلايين الخلايا، وفكرة الموقف الثابت من أنفسنا ومن العالم سببها النظرة ذات البعد الواحد التي تسيطر علينا دائماً، على الرغم من أن هناك مفهوماً للجدل أو التفكير الجدلي (الديالكتيك) منذ أكثر من عشرين قرناً وحتى وقتنا الراهن. وكلمة الديالكتيك تعني الحوار والتفكير من خلال وحدة المتناقضات أي الموضوع ونقيضه.
الأساس في التعرف على أية ظاهرة محاولة خلق حالة حوار وتفاعل مع محيطها، مما ينتج عنه التغير الجذري للظاهرة نحو وضع جديد أكثر ملاءمة للمتغيرات في الواقع الفني، لكن المشكلة أن كثيراً من المتغيرات في هذا الواقع الفني في مصر والعالم العربي لم تكن تتحقق بتفاعل الظواهر الجدلية على صعيد المؤثرات المحلية، بل كانت تتم في أغلب الأحيان كانعكاس ميكانيكي لظواهر الفن والإبداع في المجتمعات الغربية باعتبارها مركز التقدم الحضاري في العالم المعاصر.
وقد نتج عن ذلك أن أصبحت هذه المتغيرات حالات مصطنعة وليست نابعة من صميم ظواهر الإبداع في علاقتها بالمؤثرات المحلية والحضارية، وهو ما جعلها أيضاً تقف معزولة عن سياق الحركة الاجتماعية والثقافية، غير أنه حدث في المقابل نجاح لبعض التجارب الفنية استطاعت أن تحقق نقلتها الثورية في الفن من خلال علاقة جدلية مع متغيرات الواقع ومعطياته.
وكذلك متغيرات العالم ومعطياته الحديثة، فأصبح الشكل الحداثي في أعمال شباب التشكيليين يمثل كياناً عضوياً مع طبيعة المجتمع المصري، وهو ما تبدو نتائجه في العديد من الأعمال المجهزة في الفراغ وفنون الفيديو، الفن المفاهيمي، والبيرفورمانس وبقية أشكال التعبير الحداثية.
التفكير الجدلي والممارسة الفنية
يعد التفكير في حد ذاته عنصراً رئيساً في مراحل الممارسة الفنية، ويمثل التفكير الجدلي مرحلة خاصة لها دوافعها ونتائجها من حيث الإدراك والتأثر بنتاج موجود بالفعل، والتطلع إلى نتاج مغاير، يرسخ لوجود الفنان ذاته بملامح دالة عليه.
(مبدأ الديالكتيك هو تحكم الكل في الأجزاء، وميل الفكرة إلى الاكتمال والإثراء، وأن الارتقاء لا يسير في خط مستقيم - مثل ارتقاء العلة إلى المعلول - وإنما في تركيب متعدد الأبعاد، تضم فيه كل فكرة في ذاتها جملة الأفكار السابقة عليها، ولا تبدو فيه بنية التصور تراكماً لعناصر ثابتة يمكن عند الضرورة أن ترتبط بعناصر أخرى، لتوالد مركبات جديدة).
والمقصود بالمركب الموضوع المستجد الذي يَخلِق من العدم نقيضه، ويتحد به في مركب جديد (موضوع جديد)، وهكذا ينشأ العالم المتغير، والديالكتيك شكل من المصالحة التي تنشأ بين كل الأضداد في الطبيعة، بما فيها الإنسان، لأنه أيضاً له نقيضه، شأنه في ذلك شأن سائر الأشياء، فهو في صراع دائم مع الطبيعة، والإنسان بفطرته لديه غريزة ونوازع خاصة لتجاوز معطيات عالمه الخارجي، حيث يحاول دائماً أن يخلق لنفسه مثلاً عليا لإعادة خلق ذاته وتصويرها من جديد.
والفن لم يكن أبداً شاهداً سلبياً في أي عصر بل أثبت أنه بناء خلاق لجميع المجتمعات، ويضع قوانينه الصفوة من أصحاب الفكر الطليعي المستنير، ويشكل مساره واتجاهاته من يملكون المقدرة على التغيير والأداء الثوري وهم الشباب، ويذكر أن كل التحولات الجذرية التي طرأت على حركة الفن العالمي تفجرت خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، وامتدت تلك التحولات إلى مصر والعالم العربي، وانشغل فنانو مصر من الشباب بالبحث والتجريب عن دلالات فنية للتعبير عن رأيهم، وبالتالي نشأت الحركات الفنية والاتجاهات الحديثة في الفن على فترات مختلفة من التاريخ المصري.
فإذا كان الفن - مثلما هو شائع - محاولة للقبض على المطلق (أو الإبحار في عالم غامض) فكيف يمكن إمساك هذا المطلق وتقديمه للعين؟ وما هي الصيغ التي يستخدمها الفنان في توصيف العالم؟ هناك مجازفة حقيقية في الإقرار بهذه الجدلية القائمة بين سؤال الفكر وسؤال الفن المحكوم بمطاردة لـ(الظاهر والباطن - المدرك والغامض - العابر والأبدي - الممكن والمستحيل)، وعلى الرغم من تلك الجدلية التي نادى بها هيجل، إلا أنه يقرر: أن الجمال الفني يستمد تفوقه من كونه يصدر عن الروح، (للتعرف أكثر على هذه النقطة يمكن الرجوع للدكتور حسن حنفي في مقالته بمجلة فصول: عالم الأشياء أم عالم الصور).
ويمكننا أن نرصد جدلية العلاقة بين الفكر والحدث، بحيث نستخلص نتائج المعادلة من تأثير أحد الطرفين في الآخر باستمرار الحياة، فعلى سبيل المثال نرى أن الانقلاب الصناعي في إنجلترا مهَّد الطريق لطبقة من المفكرين لمعوا خلال القرن التاسع عشر بظهور الاستقطاب بين طبقتي العمال والرأسماليين، وقد أدى ظهور التناقض بينهما إلى التفكير في قيم تقدمية جديدة تناسب فكر الاشتراكيين، وتناهض القيم المادية الجديدة، لتبرز ضرورة إيجاد ثقافة مختلفة للشعب الكادح من العمال، وللاتجاه نحو تحقيق نوع من التوازن الفكري يواجه المادية الصناعية، والحقيقة أن هذه المواجهات الفكرية دائمة الجدل، ويستتبعها تغير رئيس في الحياة بنظرة شمولية تطال التغيير في مفهوم الفن والفنانين وموقعهم من المجتمع المحيط أو المجازي كما يصورونه. (ويفسر هذه النقطة بشكل أكبر عبدالفتاح الريدي في كتابه: ينابيع الفكر المصري المعاصر).
والفن أداء متميز تقوده الفطرة مضافاً إليها الوعي والتفكير غير المعتاد في التعامل مع الأشياء أو القضايا، وبذلك تنتقل العملية الإبداعية من الفطرة إلى التركيب، فالفنان لا يكتفي بتأمل الأشياء ومحاكاتها فقط، إنما يتحاور معها ويجادلها ويفسر ما وراءها، ليصبح تعبيره الفني شكلاً من إبداء الرأي حول تلك الرؤية المختلفة، مستخدماً في هذه الرؤية ما يتاح له من خامات تساعده في نقل أفكاره على سطح اللوحة، ومن خلال المنظور الديالكتيكي نجد أن العمل الفني تحكمه علاقات مركبة تجمع بين العناصر - وربما - القيم الفنية المتضادة في وحدة وهمية، وفي استخدام هذا المنظور لتفسير ظاهرة فن الشباب قد نخرج بمركب جديد ذي قيم مغايرة.
(يرى (دون) وهو من أهم الشعراء الميتافيزيقيين في القرن السابع عشر: أن النتيجة الطبيعية للرغبة في التركيز هي الاعتماد على المتناقضات وعنصر المفاجأة، وفتح أعين القراء على الحقيقة، فكان ينادي (بصدام المتناقضات) بمعنى ضرورة الصدام بين العقل الحاس والأفكار الجديدة، بما يعكس ازدياداً للتوتر الذاتي، كما يؤكد بأننا لا نستطيع استبعاد أي قطاع من الحياة باعتباره غير شعري، وأن كل زوايا التجربة وأركانها - جدية كانت أو غير جدية، تافهة أو غير تافهة - تدخل في نطاق التجربة الشعرية أو الفنية، وهذا ما يؤكده معظم النقاد في القرن العشرين، أو على الأقل كل نقاد المدرسة التحليلية الحديثة).
والتناقض ليس أسلوباً في العمل ولكنه منهج في التحليل، فلولا تناقض التضاريس ما نشأ منهج الشكل form والتصوير painting، ليجمع بين القرب والبعد، بين الساخن والبارد في اللون، وبين الظل والنور، والعلاقات الجمالية على سطح اللوحة منظومة تجمع بين تلك المتناقضات، وعلى قدر التناقض تنتج علاقات جمالية جديدة.