يعد الفن المسرحي من الفنون الجامعة لأنماط متعددة من الفنون التي تسردها شخصيات المسرحية على شكل قصة أو رواية، وأجمل ما كان يميز المسرح منذ نشأته الأولى هو الشعر الغنائي الذي يطرب مسامع الحضور، وتعرض أحداث المسرحية بأسلوب ساخر تارة، وتراجيدي تارة أخرى، ومن أبرز الكتاب المسرحيين المشهورين في المسرح الإنجليزي والذي أضفى سمة خاصة له هو الكاتب المسرحي والشاعر والناقد الإنجليزي الشهير بن جونسون، ذلك الكاتب الذي لمع اسمه إلى جانب أشهر الكتاب في عصره، وكان ركناً أساسياً في تأسيس المسرح الإنجليزي والنهوض به إلى القمة، ونذكر أشهرهم وأكثرهم تأثيراً آنذاك وليام شكسبير، وكريستوفر مارلو.
ولد بن جونسون بعد شهرين من وفاة والده، وكان زوج أمه عامل بناء، ورغم التحديات التي واجهته استطاع الالتحاق بالمدرسة، وهنا تظهر أولى معاناته من فقدان والده وصعوبات العيش التي مر بها منذ الصغر، ولعل ذلك جعل طابع التراجيديا يغلب على مسرحياته حتى الكوميدية منها، وفي بداية مسيرته الفنية عمل ممثلاً متجولاً، وكان أول أعماله في مجال التمثيل المسرحي حين لعب الدور الرئيس لهيرونيمو في مسرحية توماس كيد (المأساة الإسبانية)، وخلافاً لما اعتاده الناس في زمنه، فقد كتب جونسون أشهر مسرحياته بالنثر وتميزت باحتوائها على شخصيات حيوية، إذ كان يتلاعب بالحبكات ببراعة، فتتطور الأحداث بسلاسة من حادثة لأخرى بناءً على السبب والنتيجة، كما تميزت كوميديا جونسون بالذكاء وتنوع المواقف المضحكة، ومثال على ذلك مسرحيته الشهيرة (فولبوني) التي أخرجها عام 1605م، وتعني الثعلب، حيث وجه فيها سهام نقده إلى مجتمعه، وأراد إظهار غياب الأخلاق والفضيلة في عالم طغت عليه المادة، كما جعل كل شخصية تجسد بدقة ما كان موجوداً فعلاً في المجتمع من طمع وجشع.
وفي عام 1610م عرضت لأول مرة ثاني أشهر مسرحياته (الخيميائي)، التي سلطت الضوء أيضاً على الجشع والاحتيال والميل إلى التصديق الأعمى، كما انتقد فيها السعي وراء الثراء السريع، وبالإضافة إلى ذلك أخرج مسرحيات هزلية مفعمة بالحياة، ونذكر منها مسرحيته التي حملت عنوان (الراعي الحزين)، إذ تمرد فيها على واقعيته الخشنة وأطلق لخياله العنان ليسرح دون مبالاة ويقول فيها:
إن وطء أقدامها لا يثني ورقة عشب
أو يهز الطائر الأزغب في عشه
ولكنها مثل الرياح الغربية الخفيفة انطلقت مسرعة
وحيثما ذهبت تعمقت جذور الأزهار
وكأنما زرعتها بأقدامها العطرة.
وفي الحديث عن شعره الذي كانت تردده شخصيات مسرحياته، ذلك الشعر الذي اتسم بتأثره بالكلاسيكية، وذلك باعتماده على النماذج اليونانية والرومانية القديمة في الأسلوب والبناء، كما عرف بشعره الغنائي المصقول وقصائده الوجيزة ذات الطابع الحكمي، ولابد لنا أن نذكر في هذا المجال قصيدته الغنائية الأكثر شهرة، التي عبر فيها عن الحب الرومانسي بأسلوب كلاسيكي رقيق، وحملت عنوان (إلى سيليا)، تلك القصيدة التي اقتبسها عن اليونانية، وحولها إلى أغنية بعد أن أضاف إليها أروع السطور وأسمى مشاعر الحب، ونذكر أجمل ما جاء فيها:
تعالي يا سيليا لنختبر
ما استطعنا ألعاب الحب،
فالوقت لن يكون لنا للأبد
وسوف يفرقنا في النهاية
فلا تضيعي هداياه هباءً،
الشمس التي تغيب قد تشرق مجدداً
ولكن إذا فقدنا هذا الضوء مرةً
فسيكون علينا ليلٌ أبدي
ولعل أكثر مرحلة في حياته مر فيها بأحداث تراجيدية واقعية تمثلت في الفترة التي فقد فيها طفلته ماري ذات الستة أشهر، وكان لهذا الفقد أثر كبير، تجلى في أعماله التي غلب عليها طابع الحزن والمعاناة، كما نلاحظ محاولاته الحثيثة لتهدئة نفسه ومواساتها علها تجد طريقها إلى الصبر وتقبل الفقد، فكتب حينها قصيدة قصيرة في رثائها، حملت عنوان (عن ابنتي الأولى)، كما عبر فيها عن براءة ابنته ومكانتها في السماء.
ولم تنته معاناته هنا، ففي عام 1603م توفي ابنه ذو السبع سنوات بسبب مرض الطاعون، فكتب قصيدة مرثية تحت عنوان (عن ابني الأول)، نعى فيها ابنه بعبارات مؤثرة ومشاعر صادقة نابعة من الألم ومرارة الفقد، كما تساءل فيها إذا كان من الممكن له التعافي من مثل هذه الفاجعة الكبيرة.
وكغيره من الكتاب المشهورين، فقد كتب جونسون العديد من الأقوال عن مواضيع كثيرة ونذكر منها قوله عن اللغة:
(اللغة هي أكثر ما يظهر المرء، فلتتكلم حتى أراك).
كما قال عن السعادة:
(ليست السعادة الحقة في تعدد الأصدقاء، بل في قيمتهم واختيارهم).
برزت شهرة جونسون ولمع اسمه أكثر بعد موت وليام شكسبير، فأصبح جونسون الرئيس المعترف به لجماعة الشعراء وشاعراً للدولة في إنجلترا بعد أن شارك بانتظام في مسرحيات لبلاط الملك جيمس الأول والملك تشارلز الأول، كما أثرت أشعاره في جماعة من الشعراء عرفوا باسم (أبناء بن) الذين اتبعوا أسلوبه، كما اعتبر أستاذاً في بناء الحبكات وتطوير الشخصيات وتمتع بثقافة عصر النهضة الإنكليزية.
وفي مجال النقد فقد اعتبر من أبرز نقاد المسرح الإليزابيثي، حيث دمج بين الثقافة الكلاسيكية اللاتينية وحيوية المسرح الإنجليزي، كما تميز نقده بالالتزام بقواعد الفن وإحكام الحبكة والتركيز على الكوميديا لإظهار آفات المجتمع من طمع وجشع، مستخدماً السخرية اللاذعة والتهكم لتقديم كاريكاتور لشخصيات عظيمة مبالغ فيها بهدف التعليم والتصحيح الاجتماعي، ويعد كتابه (الاكتشافات) من أهم أعماله النقدية، كما أصدر مجلداً يضم مسرحياته، وقد حمل اسم (أعمال بن جونسون) وجاء تكريماً لمسيرته الزاخرة بالعطاء، ولم يسبق أن حصل على مثل هذا التكريم أي مسرحي آخر منذ العصور الإغريقية.
وكما لكل بداية نهاية، ولكل شهرة ونجاح مرحلة ربما تدوم وربما تنتهي برحيل الشخص، فقد شكل رحيل بن جونسون عن عالمنا في السادس من أغسطس عام 1637م مرحلة أوسع من شهرته، وذلك بعد أن عانى لسنوات من مشاكل صحية جعلته طريح الفراش في غرفته، كما أن شهرة أعماله التي تركها ازدهرت أضعافاً بعد رحيله، ولمع اسمه في كل المحافل ولايزال إلى يومنا هذا يعتبر فنه المسرحي ركناً أساسياً في عالم المسرح قديماً وحديثاً، ولاتزال مسرحياته تدرس في الجامعات في كل أنحاء العالم لتحكي للجميع قصة الكاتب المحترف، والشاعر الحساس، بعد أن لعب دور البطولة بجدارة على مسرح الحياة.