مجلة شهرية - العدد (598)  | يوليو 2026 م- محرم 1448 هـ

تلفزيون في عشتار

من بين شق غائر في الجدار الطيني يخرج سرب متتابع من النمل، كان قطاراً طويلاً ممتداً كأيام العمر، يسير في رتابة وحزم ونشاط، لا تعرف هدفه من تلك الحركة الدؤوبة المتصلة النشطة، لا يتعب ولا يمل ولا يكل، تُرى ما الدافع القوي الذي يجعل مثل هذه الحشرات الصغيرة تمتلك كل هذا الشغف بالحياة؟
وبينما يتابع النمل سعيه المستمر الدؤوب، كانت هناك حركة جانبية أخرى موازية في حياة البشر من ساكني هذه الجزيرة، حيث تلتف مجموعة من النساء الشغوفات أيضاً بالحياة حول شاشة التلفزيون وهن يتوارين بالغطاء عن الرجال، ويبصقن على النساء الأخريات الكاشفات عن شعورهن وجزء من أجسادهن، وهو ما كان يدفعنا دفعاً للاستلقاء على ظهورنا من شدة الضحك.
كنا نجلس صفاً صفاً، الرجال في الصف الأول، ثم الشباب، ثم النساء، وخلفهن الفتيات، هكذا كان نظام الجلوس حول ذلك الصندوق السحري الصغير الذي جاء ضيفاً على العالم وأخيراً وصل إلى جزيرتنا تاروت عشتار.
إنه التلفزيون، ذلك الجهاز العجيب، هو عبارة عن صندوق أسود تتقدمه زجاجة بيضاء وعلى اليمين حبَّات، عند الضغط عليها تعرض لنا صور بشر وحيوانات وأفلام كرتون تتحرك وتضحك وتبتسم وتتحدث، أو تعرض لنا مسلسلاً، أو فيلماً، أو بعض الحيوانات. كان في الجزيرة تلفزيون في البقالة الوحيدة وتلفزيون آخر في بيت خالتي.
نجتمع بعد صلاة المغرب ونلتف حول التلفزيون كسرب كثيف من النمل يجتمع حول صرصور ضخم، كنا نجتمع رجالاً ونساءً وشباباً وفتياتٍ. كان الرجال والشباب يجلسون في الأمام، والنساء والفتيات يجلسن في الخلف، وكان من يتحكم في تغيير المحطات هو صاحب التلفزيون فقط أو ابنه أو زوجته، وعندما نبحث عن محطة يقوم الشخص الطويل والقوي بصعود السطح لتحريك (العمود الطويل) يميناً وشمالاً، جنوباً وشرقاً حتى يستقر استقبال القناة التي نبحث عنها بوضوح مثل الكويت، وقطر، والبحرين، وبعض الأحيان عمان، وبشكل غير متوقع قد تظهر لنا قنوات بعيدة ولا أحد يعرف السبب.
كنا نستمتع بمشاهدة ما يعرضه هذا الصندوق السحري الذي يجذبك جذباً فيبهر عينيك بإضاءته الفسفورية الناعمة فتغوص في شاشته كالمنوم مغناطيسيّاً، حيث يحملك حملاً على جناحيه كطائر أسطوري، ويذهب بك بعيداً بعيداً في بلاد لم تخطر لك على بال، فتشاهد الكثير من المناظر والمشاهد، وعيناك تبرقان دون أن يهتزَّ لهما جفن من فرط الدهشة والتعجب، مستمتعاً بما يتم عرضه من مسلسلات جميلة وأفلام كارتون مدبلجة كـ(عدنان ولينا، وغرانديزر، والليث الأبيض، وكابتن ماجد)، ومسلسلات تعليمية للأطفال، منها (افتح يا سمسم، والمناهل)، ومسلسل (بابا فرحان)، وفوازير رمضان.
كانت المسلسلات المصرية مسيطرة عليّ، كنا نجتمع مع الكثير من أهل القرية لنشاهد المسلسلات المصرية، وكنا وقتها نستغرب من الزواج والتفكير في شقة والعمل بعد الظهر، وتكرار المشاهد في أكثر من مسلسل، حيث يجلس البطل والبطلة على طاولة يشربان الشاي، ثم يلمس يدها ويقول لها (أحبك). أتذكر أنه كان هناك مسلسل بدوي متميز، هذا المسلسل كنا ننتظره كل مساء، وهو مسلسل (فارس ونجود)، وفيه سميرة توفيق صاحبة الصوت الجبلي الساحر، وذلك الوجه الفاتن، خصوصاً تلك الحبة السوداء التي تزيدها جمالاً (حبة خال). كنا نكره شدَّاد ونحب فارس، ونتعاطف مع نجود. كنا نرى نظرات الرجال المتزوجين وهي بالطبع تختلف عن نظراتنا نحن الأطفال والشباب.
في وقت المباريات تكون البقالة مزدحمة، وغير مسموح لك أن تشاهد المباراة بدون طلب شيء تشربه أو تأكله، فلا بد من شراء شيء كشراب أو حب، عندها كنا نجلس بالساعة والساعتين حتى نحجز مكاناً قريباً من التلفزيون، ودائماً ما كان يعرض في ذلك التوقيت وقبل المباراة مباشرةً برنامج الشيخ علي الطنطاوي الذي كنا نشاهده ونستمع إلى إجاباته عن الأسئلة الدينية التي يتم طرحها في ذلك البرنامج، وكان الشيخ سلساً في إجاباته بشوش الوجه يحدث المشاهد مع ابتسامة خفيفة جميلة، ساعتها كنا ننتظر انتهاء البرامج وضغطه على جهاز التسجيل الذي أمامه ليعرض كلمته (والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته).
كنت أحرص وقتها على مشاهدة المباريات مع الشباب، ولكن الغريب في الموضوع أن الكثير كان يشجع منتخب الكويت، وهو شيء لم أستسغْه أبداً، فمن الواجب علينا أن نشجع المنتخب السعودي، منتخب بلدنا، لا منتخب الكويت، كما أن علينا أن نشجع الأندية السعودية، لا الأندية الكويتية.
أذكر أنني في مرة من المرات واجهت البعض فقالوا لي: (أنت صغير ولا تفهم شيئاً)، لم أقتنع حينها بالإجابة. وبعد عدة أشهر انتشرت الكهرباء والأجهزة الكهربائية في القرية، فكان هناك التلفزيون، والغسالة، والمكواة، والمولد الكهربائي، زحفت السيارات. وكان الاسم الخيالي لكل شاب هو شركة (أرامكو)، التي من خلالها يتحقق الحلم، حلم الزواج والسيارة والبيت الكبير. لقد صرنا نعيش في عالم متخم بالروبوتات والآلات الميكانيكية التي أصبحت تزاحم البشر أنفسهم في احتلال هذا الكوكب الذي يئن بحمولته الثقيلة، ومن يدري لعل المستقبل يحمل المعجزات.

ذو صلة