مجلة شهرية - العدد (598)  | يوليو 2026 م- محرم 1448 هـ

الصحافة الاستقصائية.. عمق المهنة وضمير المجتمع

حين يحتفي العالم بأسره بالصحافة الاستقصائية، فإن ذلك يعكس استعادة هيبة الصحافة ومكانتها، بوصفها مهنة إنسانية ورسالة معرفية، ويؤكد الدور المحوري الذي تضطلع به، فهي ليست مجرد نقل للأخبار، بل تسهم في تعزيز الشفافية، والقيم الأخلاقية، وتساعد في نشر المعرفة والثقافة.
ومع التحولات المتسارعة في وسائل الاتصال والتنامي التقني المذهل، تراجعت الصحف الورقية في الوقت الراهن أمام زخم الإعلام الرقمي، حتى توقف أكثرها عن الصدور الورقي، متجهة إلى المنصات الإلكترونية. ولم يكن هذا التوقف خياراً إرادياً بقدر ما كان نتيجة لأسباب متعددة، في مقدمتها ضعف الموارد المالية، لقلة المواد الإعلامية، وارتفاع تكاليف الطباعة والتوزيع، إلى جانب التغير التكنولوجي السريع الذي فرض واقعاً إعلامياً جديداً.
وحين يحتفي العالم بالصحافة الاستقصائية، فإنه يهدف إلى إبراز قيمة هذا الأسلوب من العمل الصحفي الاحترافي، والتأكيد على أن التحديات التي أحاطت بالصحافة لم تُضعف جوهرها ولا رسالتها في خدمة المجتمع. فالعمل الصحفي الاستقصائي يُعد أعمق أشكال العمل الصحفي، إذ يتخذ المنهج العلمي سبيلاً للوصول إلى ما يغيب عن أعين الناس، انطلاقاً من الإحساس بالمشكلة وتحديدها، مروراً بجمع البيانات وتحليلها، وطرح الفرضيات واختبارها، وصولاً إلى نتائج دقيقة تخدم المصلحة العامة وتنهض بالمجتمع.
ولذلك كثيراً ما يُشبَّه العمل الاستقصائي بالبحث العلمي، بل ويتجاوز الصحافة التقليدية في إجابته عن سؤال (كيف؟) لا الاكتفاء بـ(ماذا؟)، الأمر الذي جعله يُوصَف أحياناً بـ(الصحافة الكيفية). وخضوع هذا النوع من الصحافة لضوابط صارمة ومنهجيات دقيقة لإثبات الحقائق يمنحه دوراً حيوياً في كشف المشكلات، ورفع مستوى الوعي المجتمعي، وحماية حقوق الأفراد، وتعزيز الشفافية والمساءلة.
غير أن الصحافة الاستقصائية، بما تتطلبه من وقت طويل وجهد مضن في البحث عن الوثائق، وجمع الأدلة، وفحص البيانات، والتحقق من المصادر، دفعت كثيراً من الصحفيين إلى تفضيل العمل الصحفي السريع القائم على نقل الأخبار والتصريحات والبيانات، في ظل متطلبات السوق الإعلامي.
ولعل اللافت أن الصحافة الاستقصائية تتقاطع في كثير من ملامحها مع الرواية، ولاسيما الرواية البوليسية، التي تقوم على تفكيك لغز غامض عبر تتبع الخيوط السردية والأحداث المتشابكة، وصولاً إلى نهاية قد تكون مفتوحة أو مغلقة. كما تشترك القصة القصيرة مع العمل الاستقصائي في هذه السمة، من خلال ربط الأحداث السريعة وتفكيكها داخل نسيج سردي مكثف. غير أن الفارق الجوهري يكمن في أن الصحافة الاستقصائية تبحث عن الحقيقة عبر الوثائق والمقابلات والتحقق الصارم، بينما تكشف القصة أو الرواية عن الحقيقة بأسلوب رمزي يتكئ على المزج بين الواقع والخيال.
وقد برز في هذا المضمار أسماء لامعة في السرد العربي، سواء في الرواية أو القصة، حيث تقاطعت أعمالهم مع هموم المجتمع وكشفت الكثير من المسكوت عنه بأساليب فنية مختلفة.
وهنا تتجلى قيمة الصحافة الاستقصائية في قدرتها على كشف الحقائق المخفية، سواء بإثباتها أو نفيها، عبر التنقيب في السجلات، وإجراء المقابلات، وجمع الأدلة، والتحقق منها، وبناء الفرضيات واختبارها بمنهجية دقيقة. وانطلاقاً من هذا العمق، تبرز الحاجة الماسّة إلى أن تضطلع كليات الإعلام في جامعاتنا بدور أكثر فاعلية، من خلال تنظيم دورات تدريبية وورش عمل متخصصة لإتقان أدوات وإجراءات الصحافة الاستقصائية، وتمكين الطلاب والمهتمين من مهاراتها، بوصفها صحافة تنبش في العمق، وتسبر أغوار الظواهر المجتمعية وتكشف المسكوت عنه، وتفضح السلوك غير الأخلاقي وغير القانوني، وتُحدث أثراً إيجابياً مستداماً يعود بالنفع على المجتمع بأسره. ‏

ذو صلة