للمدن معالمها وللشوارع أسرارها!
لعلّ هذا ما ستفكر فيه وأنت ترسم أول خطواتك في شارع ليتيني، المتفرع عن شارع نيفسكي، أشهر شوارع مدينة سانت- بيتربورغ الروسية. مغموراً بالكثير من السكينة والطمأنينة، تنصت لإيقاع خطوات العابرين، التي تبدو مألوفة إليك، لكن خطوات شابة تغريك باكتشاف وجه صاحبها.
يطالعك الأمير ميشكين، بطل رواية فيودر دوستويفسكي (الأبله)، غارقاً في تأمل طويل، فتبتسم له معيداً التفكير في أحداث الرواية التي خرج من صفحاتها، ومتخيلاً ملامح هذا الشارع يوم مرّ به قبل أكثر من مئة وخمسين عاماً.
يغيب الأمير، ولكن ليس قبل أن يسلمك إلى صوت آخر، تبدو صاحبته أقرب زماناً ومكاناً، تردّد على مسامع والدها صلاتها السحرية الأولى: سأصبح شاعرة!
تنقاد إلى الصوت المفعم عمقاً وشاعرية، فيوصلك إلى مدخل متماوج بين الضوء والعتمة، تعلن لافتة علّقت على أحد جدرانه أنك في طريقك إلى متحف آنا أخماتوفا (1889 - 1966)، الشاعرة الروسية، التي لُقّبت بـ(روح العصر الفضّي) و(ملكة نهر النيڤا).
يستقبلك مدخل شجري، يزيد في هدوئك ورغبتك في اكتشاف المكان، ويلتقط قلبك قبل عينيك، عزف سيدتين على بيانو قديم، وضِعت على غطائه لوحة، تفيد أنه يصلح للعزف رغم كل آثار السنين، فتردّد في داخلك أنه شبيه الشعر الجيد، الذي لا تفسده الأيام.
تحضر الموسيقى في كل شيء، ابتداء بصورة آخماتوفا المحفورة على الحجر، شامخة بطولها الكامل في وسط الحديقة، مروراً بالجدران الموشّحة بأبيات شعرية لشاعرتنا وغيرها من الشعراء، وبشاشة العرض السينمائي، والمقاعد المبعثرة بألفة، وكأنها تنتظر المحبين.
(لكنني كسابق عهدي، حارة في العناق) تشعر بالصورة الحجرية تقول لك مبتسمة، وهي تدعوك إلى الطابق الثالث، وتحديداً إلى شقة مشتركة تحمل الرقم 44، لتكون في البيت- المتحف، الذي افتتح في الرابع والعشرين من تموز 1989، الذكرى المئوية لميلاد الشاعرة.
شاعرة وناقد فني
في التاسع عشر من تشرين الأول من عام 1922، لبت الشاعرة دعوة الناقد الفني نيكولاي بونين (1888 - 1953)، وزارت الشقة لأول مرة، وفي اليوم ذاته كتب لها بونين، (أي فراغ غريب ومثير للاشمئزاز! قبل ساعة من الآن ملأت الغرف، وغيرتِ أحجام الأشياء كلها!)
في العام نفسه دعاها لمشاركته المكان الذي سكنه منذ مطلع 1920، ولم يكن لها في ذلك الوقت عنوان إقامة دائم، وبعد سنة كان يعترف لزوجته بحب أخماتوفا، وبالسحر الذي يراه في كل ما يخصّها.
ما لبثت الشاعرة الشبيهة بقطار خارج عن سكته، كما وصفت نفسها، أن شاركته السكن هناك منذ عام 1925 وحتى عام 1952.
(مساء يتربورغي ناعم! ملامح وجهك اللطيف يا أخماتوفا تغطي المدينة، تحت كل أضواء الشوارع يتنفسني وجهك. أحب، ولا أريد بدونك، حتى لو استطعت ذلك).
هكذا كتب الزوج الثالث للشاعرة، في مفكرته اليومية.
وعلى ذكر اليوميات نذكر أنهما كتبا المحادثات بينهما على دفاتر رقيقة، وكأنما يجريان محادثتهما بشكل مكتوب.
غرف وذكريات
في طريق صعودك نحو الشقة، ستحدّق بك نافذة داخلية صغيرة في أعلى السلّم، قد لا تعني شيئاً للكثيرين، لكن هذا التفصيل الصغير، كان رمزاً للخوف الذي خبرته أخماتوفا، وهي تعيش في هذا العنوان.
من هذه النافذة أطلّ المستأجرون برؤوسهم قبل فتح الباب بكثير من الحذر والتوجس، لأن زيارة ضيف من إحدى المنظمات المختصة بالقمع، يعني غرق ساكن البناء في حياة جديدة.
يبدو واضحاً الجهد المبذول للحفاظ على تقاليد مدينة بيتربورغ القديمة داخل الشقة، ويمكننا تخيّل المهمة الصعبة التي واجهها المصممون لجمع المتعلقات الشخصية، والعثور على الأشخاص المرتبطين بفترة حياة أخماتوفا في المدينة.
عُثِرَ على بعض الأشياء من خلال أحفاد المعاصرين والأصدقاء، وتمت استعادة الديكورات الداخلية، الصور الفوتوغرافية والكتب ذات التوقيعات والحروف.
كما أعيد مظهر مكتب نيكولاي بونين بشكل منفصل، مكان عمله مع أوراقه وهدايا من طلابه في أكاديمية الفنون.
تُترك الأشياء كما لو أنها لا تزال تعيش هنا: معطف على مشجب، حقائب معدّة ومستريحة على الأرض، هاتف على الحائط وموقد من القرميد الأبيض تم تنظيفه حتى يلمع، وكل حميمية الأغراض المنتشرة في الممر.
بعد اللقاء بكل تلك التفاصيل، تدخل الغرفة ذات النافذة المواجهة للحديقة.
هنا عاشت أخماتوفا، هنا بدأت كتابة نصها (قصيدة بلا بطل)، الذي ستطلق عليه فيما بعد سيمفونية لمصير جيلها كله.
في الغرفة الوردية التي شكّلت مركز البيت، استقبلت ضيوفها، الذين ستشعر بهم يلعبون الشطرنج، ويعقدون حوارات طويلة حول الفن والحياة.
يمكنك أنت أيضاً أن تجلس على مقعد يتوسط الغرفة، تستمع إلى تسجيلات لأشعارها، وتقلّب ألبوم الصور.
يبدو المتحف أكثر من مجرد شقة تذكارية، حفظت السجلات العائلية، الصور الشخصية والرسومات المعلّقة على الجدران، بل كل ما فيه ممتلئ بروح القصائد التي كتبتها الشاعرة، موسيقاها المفضلة، وأصوات ذلك الوقت.
خارج المكان داخل الذاكرة
تودّع المكان وصاحبته، ويستيقظ في داخلك كلّ ما سبق وقرأته أو سمعته عن الشاعرة، من حضورها مع الكاتب الشهير فلاديمير نابوكوف، في قائمة أي حديث عن مبدعين من غير القومية الروسية، إلى ما كتبه بعض أصدقائها عنها، مثل صديقتها الممثلة فاينا رانيفسكايا، التي أجابت على سؤال يتعلق بعدم كتابتها أي شيء عن أخماتوفا، رغم صداقتهما العميقة، بالقول: (لا أكتب عنها، لأني أحبها كثيراً).
أما الكاتب الروسي إيفان بونين، فرأى أن المواعيد مع أخماتوفا، تنتهي بالحزن دائماً.
صدقت يا بونين، فها هو الحزن يسير معنا ونحن نفارق بيتها- متحفها، يتخلله صوتها الذي يعانق كل تفاصيل شارع ليتيني والمدينة:
وكان هُناكَ صوتٌ، دعاني مُهدئاً..
قالَ: (تعالي إلى هنا..
دعي تلكَ البلاد الموحشة الخاطئة).