كانت (الويجر) تختال في عرض البحر، مُكتسية لباس البوارج الحربية، كان قبطانها قد ألحَّ قبل الإبحار على طلاء هيكلها بطبقة من الورنيش، ليحجب بذلك البريق حقيقتها السالفة كسفينة شحن. قرأت الوصف في كتاب ديفيد جران، فبان لي أن التنصُّل من الماضي ليس خصيصة بشرية وحسب؛ هو غواية تسري في الأخشاب والمدافع.
(الطلاء) مأزقنا في عالمنا العربي حين نتصدى لكتابة السير الغيرية. نمارس دور الدهّانين على الدوام. نطلي رموزنا بالمثالية، ونخشى غسيل الشراع، نتفادى نتوءات الضعف لنُخرج للقارئ أصناماً من شمع. ننسى ما أشار إليه جوزيف كونراد في (الشريك الخفي) عن قدرة الإنسان على «إثبات وفائه وإخلاصه لذلك التصوّر الأمثل لجوهر شخصيته، الذي يبنيه كل إنسان لنفسه في الخفاء».
وهذا (التصوّر الأمثل) لا يكون مجداً متحققاً على الدوام؛ يتخفّى غالباً في هيئة طموحٍ مجهض، ويتحوّل إلى وقود خفيّ، فيُوجّه المبدع طاقاته نحو مسار آخر للتعويض. ثمة فجوة رمادية بين ما يطمح إليه الإنسان وما يصل إليه، ومنها تُولد أعماله الحقيقية. وقد عرف كونراد هذه الفجوة من داخلها قبل أن يكتبها، فهو البحّار البولندي الذي كتب رواياته بلغة لم تكن لغته الأولى ولا حتى الثانية.
تتقاطع هذه الحالة مع اعترافات عبدالفتاح كيليطو في (جو من الندم الفكري). تاق في بداياته لإتقان اللسانيات وكتابة دراسات رصينة متراصة البناء، لكنه أدرك عجزه عن التنظير الأكاديمي، فحوّل العجز ذاته إلى موضوع رئيس لمؤلفاته. كيليطو فتح خزانته بنفسه، جران يفتح خزائن طمستها القرون، ينبش فيها الطموحات المجهضة والتعويضات الخفية، ويبحث عن الفجوة بين التصوّر الذي بناه كل رجل لنفسه في الخفاء وبين ما كشفه الحطام. يستهلُّ حكايته بأن «كل فرد في السرب يحمل إلى جانب خزانة أمتعته الشخصية حكايته المؤلمة»؛ إذ تنبثق الحكاية في السيرة الغيرية من جوف الخزائن.
***
صببت لأبي سعد، محمد بن عتيق، القهوة السعودية. عبقت رائحة البن أرجاء سيارته (اليوكن). كنا نناقش (الرهان) الذي تعرّفت عليه من ابن أخته الدكتور عبدالرحمن العتيق قبل سنتين. هممت بذكر ما قاله سهيل، ابن الراحل غازي القصيبي، في بودكاست (امش مع)، حيث ذكر أن والده كان متسامحاً مع الناس، صارماً في التربية المنزلية، مشيراً إلى استخدام الضرب، وأن علاقته به قامت على مزيج من الاحترام والخوف. طالبه غيورون بحذف الحلقة لـ(تشويه الرمز).
انتبهت لحزام الأمان يعيق يديَّ الشارحتين. سحبتُه للأمام لآخذ نفساً. تساءلت في سرّي: هل أشعر بالرهبة لأني سأتكلم عن عَلَم؟ تجسّدت لي في تلك الحركة حقيقة: هذا الحزام المادي يطابق القيد المعنوي للكاتب العربي. احتفظت بحديث القصيبي لنفسي وانتقلت لموقف آخر. حين صدر (كتاب السعودية.. سيرة دولة ومجتمع) لعبدالعزيز الخضر، حاورت شيخاً في بعض ما ورد فيه عن بعض علماء الشريعة، فصدّني برأيٍ حاسمٍ، واصفاً المؤلف بالمريض، وأمرني بقراءة (العبودية) لابن تيمية. لم أقل له إني قرأتُه مرتين، وإنه عندي من كتب التخلية قبل التحلية؛ في منزلة (الداء والدواء) لابن القيم، ولا تعارض بين فهم المجتمع وتزكية النفس. شكرتُه وأغلقت الخط.
ثقافتنا تُعلي قيمة (الستر) وترفض (اعتراف) الكنيسة الغربية، وهذا حقها المشروع. لكن لا شيء في (الستر) يُلزمنا بتحويل السيرة إلى مدوّنة ملائكية.
***
في مرحلة، وزّع مشهدنا صكوك براءة من الخيال، تُشهر في وجه كل عمل روائي.
يقول مؤلف (الماجريات) معتذراً عن عجز قديم عن قراءة الروايات: «يسيطر عليَّ أثناء قراءة الرواية أن كل ما أمامي إنما هي أحداث اصطنعها خيال المؤلف ذات مساء عليل، فتُشل قدرتي وتخور قواي عن مواصلة القراءة». يُفضِّل المؤلف كتب التراجم والسير بحثاً عن معطيات للتحليل. وهو رأي يُحترم.
ما يلفت النظر حقّاً ليس هذا النفور الفردي من الرواية، بل تحوّله أحياناً إلى ذريعة ثقافية للارتياب من الخيال نفسه؛ كأنَّ التخييل نقيض للمعرفة، لا إحدى طرائقها الممكنة. يتلقّف بعض المجايلين هذا التصوّر درعاً يسترون به قطيعتهم مع المعرفة الأدبية، فيتكرّس مع الوقت ضمور الحسّ التخيّلي، ويتعثّر تشكّل كثير من فنون السرد الحديثة عندنا، خصوصاً تلك التي تقوم على المزج بين الوثيقة والخيال، بين الوقائع وإعادة تخييلها.
مع أنَّ تراثنا السرديّ عرف الخيال قديماً بوصفه أداةً من أدوات المعرفة. حلّقت (رسالة الغفران) في عوالم الغيب، وطوّعت (حي بن يقظان) السرد لتأصيل الفلسفة. كان الخيال عند أسلافنا سبيلاً للاستكشاف، لا تهمةً تحتاج إلى تبرئة.
***
يُعدّ جيمس بوزويل بكتابه (حياة صموئيل جونسون) عام 1791 واضع أسس السيرة الغيرية الحديثة. غير أن (الرهان) يقف أيضاً في تقليد آخر: تقليد السرد التوثيقي الإبداعي الذي بدأ ملامحه جون هرسي في (هيروشيما)، ورسّخه ترومان كابوتي في (بدم بارد)، وحمله من بعدهما نورمان ميلر في (أنشودة الجلاد). التقليدان يتقاطعان في (الرهان): صرامة السيرة الغيرية في الوثيقة، وحيوية السرد الإبداعي في الإحياء.
لم يختلق جران الأحداث؛ واجه الأرشيف واستخدم الخيال لإحياء الحطام فيما يُعرف بـ(الترميم السردي)، استعار أدوات الرواية من حبكة وتصوير وحوار ليسدّ الفجوات ويستنطق المسكوت عنه. يقول: «أعترف أني لم أرَ السفينة.. أمضيت سنوات في التأليف بين الأطلال الأرشيفية». وهنا يكمن إنجازه وسؤاله المضمر في آن: حين يصف ما يجول في صدر (بلكلي) ليلة العاصفة، ما الذي يفصل الترميم عن التخييل؟ أين يقف الكاتب أمام ما لا تُوثّقه الوثيقة؟ جران لا يُجيب صراحةً، وهذا غياب يلاحق القارئ حتى الصفحة الأخيرة. القيد الحقيقي في عمله أن الكاتب لا يملك ترف اختراع المخرج؛ الحقيقة التاريخية سقف، وهذا ما يجعل ما أنجزه مختلفاً. أنبت سردية حية تجري وكأني أشاهدها. الأسطول يحاول مغادرة القنال الإنجليزي نحو الأطلنطي. تتصادم سفنه وتتقلب الرياح بغتةً. يُضطر للعودة إلى نقطة الانطلاق. يبحر مرة ثانية فيرجع، وثالثة فيرجع. تكتب (الديلي بوست) أن الأسطول مازال ينتظر رياحاً مواتية.
فرضت الجزيرة المقفرة ديمقراطية المعاناة والعدم. هدم تحطّم السفينة التسلسل الهرمي الصارم. القبطان الذي طالب بالورنيش قبل الإبحار لا يملك ما يطلي به سلطته المتصدعة أمام جوع رجاله. البنّاء (جون بلكلي) يكشط الطحالب عن الصخور ويستخلص المؤن من الحطام، بينما ينتظر أغلب الرجال الموت والسلام الأبدي. هنا يتضاءل كل شيء أمام الهول، وتتلاشى الرتب العسكرية لصالح صراع الوجود.
تمتد الرحلة لست سنوات، تتبدل فيها الشخصيات المحورية، ينقلب حال الرجال من نقيض إلى نقيض. تسقط الأقنعة، تبرر غريزة البقاء أبشع التجاوزات. تبرز في اليمّ ذخيرة الاعتقاد؛ تُصبح المحرك الأعمق للنفوس، وتُمسي أمضى من شفرات السيوف وضربات الصواعق، يتسلح بها بعض البحارة لمواجهة العدم. يقود اليقين الداخلي خطى التائهين حين تتخبط البوصلة. يُلخّص أحدهم هذا الانكشاف في مذكراته: «لشدَّ ما كنت أعمى طيلة الوقت، إذ أجهل المآل الذي ستنعطف إليه هذه المسألة».
كما قيّدت الجزيرة بحارتها؛ ثوّر الأرشيف ديفيد جران. الكاتب لا يملك ترف المخرج، الحقيقة التاريخية سقف، وهذا ما يجعل ما أنجزه مقدّراً. القيود تمنح النص هيكلاً، والخيال يمنح الهيكل روحاً. هذا الإحكام هو ما يتقاطع مع يقين الروائية راشيل كاسك بأنَّ «السيرة في طريقها لتكون الشكل الوحيد في الفنون». وهو ذاته الذي منح أدب البوح قدرةً ـكما يرى محمد سعود الحمدـ على أن «يزاحم الأدب الروائي، ويكاد يقضي على مقولة إننا في زمن الرواية».
في مشهدنا العربي استثناءات تُثبت أن الطريق ممكن، كشفت عنها كتب تبني سردياتها من هامش السجل الرسمي. نجد ذلك في كتاب (الطريقي.. صخور النفط ورمال السياسة) لمحمد بن عبدالله السيف، و(السيرة المحرمة) لمحمد شعير، و(فتنة القول) لحسين بافقيه، و(السعي للعدالة) لخالد فهمي. تُحاكي هذه الأعمال صنيع جران في مواجهة الوثيقة.
تمثّل (دفاتر اليوميات البحرية) في الكتاب أمناً قوميّاً ملاحيّاً، تُكتب عادةً بصرامة وتجرد. اشتكى (دانيال ديفو) من جفافها. دفاتر (الويجر) كسرت هذه القاعدة وامتلأت بزخم سردي فاجع، وثّق أهوالاً تتجاوز حسابات الطقس. حين عصف وباء التيفوس بالسرب وحصد أرواح الرجال، لجأت البحرية لتعويض النقص بالاختطاف، وزجّت بجنود متقاعدين من ذوي العاهات في قلب المحيط.
***
تزدان الطبعة العربية لـ(الرهان) بجودة الطباعة، وتُقدم ترجمة متقنة صاغها مجدي عبدالمجيد خاطر. غير أنَّها افتقرت إلى الخرائط والصور الموجودة في نسخته الإنجليزية الأصلية والتي تجعل القارئ شريكاً في الرحلة. اختيار النص المطبوع على الغلاف الخلفي لم يوفّق في الإمساك بروح الكتاب العاصفة. استعرض مفردات من قاموس البحرية، ولم يوازِ قوة الغلاف الأمامي. هذا الغياب لبعض العناصر يُحيلنا إلى أهمية التفاصيل. النشر صناعة متكاملة.
يُدرك جران هذه الحقيقة المؤسسية، يصف تأليف كتابه بقيادة سفينة في رحلة عاصفة، مخصصاً ست صفحات لكواليس النشر. يسرد جيشاً وقف خلفه: مؤرخ بريطاني علّمه بناء السفن، ألوية بحرية قدّمت المشورة، مستكشف أعاصير قاد رحلة ميدانية إلى جزيرة الويجر امتدت ثلاثة أسابيع، أمناء مكتبات، مدققو معلومات، محرر أدبي، قراء تجريبيون، ومصممو خرائط. بهذا الجيش واجه دفاتر الأحوال البالية، فكّك المراسلات الممحوة، وتقصّى مرويات الشهود وتناقضاتهم.
هذا ظهر الكاتب الغربي، تقف خلفه صناعة مكتملة الأركان. كشف مسلسل الكوميديا (The Studio) عن كواليس هوليوود. قد يلزم العقد الممثل بشكر منتج يمقته، أو مخرج أساء إليه. جيش الشكر على أغلفة الكتب الغربية ليس نزاهة أخلاقية أو اعترافاً بالفضل على الدوام. تفرضه التزامات الصناعة وحسابات السوق.
يقف الكاتب العربي على سطح كتابته وحيداً. يواجه عاصفة شكوكه بما تيسّر من أدوات ووقت وعزلة. يستعين أحياناً بعين إضافية (محرر، قارئ، أو حتّى أداة ذكية) للتشذيب والمراجعة. يبحث عن تدقيق لغوي. لا يستكتب الآلة. يجد مع ذلك مشهداً ثقافياً يستكثر عليه حتّى هذه الفزعة. يُطالَب بأن يُبحر أعزل كي يستحق الاعتراف بشرعية نصّه. تُسلب هذه الشرعية لمجرد الاستعانة بمصححٍ ذكائي.
الاستغناء عن كل عين شريكة، بشرية كانت أم آلية، غرق طوعي في المياه الراكدة. ربما لهذا تطفو على مشهدنا أسطح مصقولة تخفي ارتجاف الخشب تحت المطر، تستعيض عن عرض الحقيقة بضجيج الشرح، وتفضح خواءها بكثرة الادعاء. الكتابة لا تصنع بمعجزات فردية. التخفي خلف هذا البريق الآمن خيار الخائفين. مواجهة العاصفة تتطلب التجرد من ادعاء البطولة، والقدرة على عرض الحطام كما هو، ليُرى لا ليُحكى، والعودة منه بصوت أقل زهواً، وأكثر حياة.