قد بلغ العاشرة من عمره.
لكن لم يتجاوز الرغبة في أن تسمعه أمه قصة قبل النوم.
وهذا ما يرفضه الأب ويوبخ زوجته دوماً بسببه.
لذا كان الابن يفطن لخروج أبيه في الحال ويجر أمه بإلحاح لتسمعه ما يريد.
لا تختلف القصص كثيراً التي يسمعها الابن عن القصص التي يسمعها منذ أن كان طفلاً.
لكنها حاجة الشعور بقرب الأم.
وفي إحدى الليالي بينما الأم تحكي القصة على مسامع ابنها وهدير المكيف يرنو مع صوت الأم خالقاً صوت الاطمئنان.
وهم في ظل هذا الصوت، طل عليهم رأس الأب بشكل مفاجئ وعلى غير العادة، ارتبكت الأم وتجمد الابن. رحلت الطمأنينة وحل الوجوم.
ألم أخبرك من قبل ألا تقرئي له قصة؟
ألا ترين شاربه؟
كان لعينيه جذوة تكاد تضيء ظلمة الغرفة.
قامت الأم وجلة، وهرعت نحوه تحاول أن تلجم شره.
كانت صفحات وجهه وكأنها مزقت من كتاب الشيطان.
لن أنام معه مرة أخرى لكن هدئ من غضبك.
الأب لم يستجب وصاح بها: أنت تفسدين علي تربيته.
لقد بلغ العاشرة من عمره وأنت تعاملينه كطفل.
الأم تحاول دفع الأب بلطف من دون أن يشعر خوفاً على مشاعر الابن، الابن الذي ظل متسمراً في فراشه.
دون حراك وعيناه تومضان والرعب يكتنفهما، كان يداري رعبه بفكرة أن أباه غاضب حباً لا كرهاً.
لكن غضب الأب أقوى من كل تهدئات الخيال.
انسل الأبوان وأغلقا باب الغرفة على الابن، سواد عميق، وصخب مرعب، صوت الأب الغاضب، أقسى من رعود السماء بأكملها.
لا يدري ما يفعل، وهو يسمع صراخ أبيه وتوسلات أمه.
كان زعيق الأب لا يقف ويزداد حدة والأم بدأت بالدفاع عن نفسها بعد أن تحول سياق الشجار إلى الشتائم وفي اللحظة التي هم الأب فيها أن يضرب زوجته سمعا طرقاً قوياً من غرفة ابنه.
لوهلة سكنت الأصوات وهبط الشر.
فلا يسمع سوى زفير الصدور.
أنصت الأبوان نحو الباب يترقبون الصوت.
ينظر الأب إلى زوجته بقلق ومحياه يبدي تساؤلاً.
والأم تقابله بسحنات التعجب.
ليسمعا خرفشة من خلف الباب ويقتربان أكثر.
فجأة تطل من كوة الباب السفلى أنامل ابنهم وهي ترتجف.
جثا الأب.
فعادت الأنامل للاختباء.
الأم بدروها تجثو بالقرب من زوجها لثوانٍ لم يعد هناك صوت وكأن الموت حل بالمكان.
تعود أنامل الابن مرة أخرى ولكنها محملة بورقة معجونة.
دفعت من تحت الباب بصعوبة.
أسرع الأب لالتقاطها ورؤية ما فيها والأم ترقب ما يحدث.
لحظات وينفجر الأب من البكاء.
والزوجة لا تعقل ما تراه وتصيح ما بك؟
يثب الأب بسرعة نحو الباب ويدفعه متجهاً نحو ابنه الجاثم على فراشه والأمل يشع من عينيه، انكب الأب على ابنه بشكل هستيري وبدأ بالنشيج وهو يعتصره عناقاً.
لقد تراءى للأب في ذلك العناق كل مشاهد طفولته، وأصبح يهمس بابنه:
سامحني يا ابني سامحني يا ابني.
تكاد الكلمات تختنق من فرط دموعه، فلم يكن وقتها يحضن ابنه بل طفولته المريرة.
أما ابنه المندهش من فعل أبيه لم يسعه جواباً إلا بكفيه الصغيرتين التي غرسها في ظهره المتشنج بشهيق باكٍ.
والأم التي أنهكها كل ما كان وقفت حائرة لا تدري ما تفعل حتى أخبرتها الورقة.
كانت فاتورة قديمة مهملة كتب الابن عليها بخطه المتعرج:
(سعر قصة خمسين ريال)
وقد طواها على ورقات نقدية من ماله الذي يجمعه لأشهر.