مجلة شهرية - العدد (598)  | يوليو 2026 م- محرم 1448 هـ

رهان

رِهَانُ الحَقِّ والمَالِ ابْتِلَاءُ            بِمَنْزِلَةِ الرَّجَاءِ ولَا رَجَاءُ
***
يَقُولُ (الجَاهِلِيُّ): أَمُوْتُ أَشْوَى        مِنَ الأَغْلَالِ، فَالحَبْسُ الفَنَاءُ
لِأَنَّ المَوْتَ وَمْضٌ في سَحَابٍ        وحَبْسُ المَرْءِ مَضْغٌ وارْتِغَاءُ
فأَيُّ القَاتِلَيْنِ أَمَضُّ فَتْكاً؟            وأَنْكَى في ذَوِيْ القَتْلَى، تَشَاءُ؟
وإِطْفَاءُ الحَيَاةِ بِغَيْرِ حَقٍّ            لِحَقِّ الحَيِّ في الحَقِّ انْطِفَاءُ
ولكِنْ أَهْوَنُ النَّارَيْنِ نَارٌ            تَمُرُّ بِهَا، وأَهْوَلُهَا الثَّوَاءُ!
***
ورَاهَنَهُ (مُحَامِيْ الحَبْسِ)، صَبْراً        عَلَى حَبْسٍ، وإِنْ طَالَ العَنَاءُ:
-حَيَاةٌ في جَحِيْمٍ لِيْ حَيَاةٌ،        ومَوْتٌ في النَّعِيْمِ لِيَ امِّحَاءُ!
***
-فصَاحَ (الجَاهِلِيُّ): عَدِمْتُ مَالِي،    فَلَا، وأَبِيْكَ... رُحْ، هٰذا افْتِرَاءُ!
أَمَوْتُ الفَرْدِ، مَوْفُوْراً عَزِيْزاً،            ودَعْسُ الجَمْعِ في فَرْدٍ، سَوَاءُ؟!
ومَا الأَغْلَالُ إلَّا كَاغْتِيَالٍ،            وإِنْ يُرْجَى بِغَيْهَبِهَا الفِدَاءُ؟
فخُذْ قَصْرِي، ومَا مَلَكَتْ يَمِيْنِي،        ثَكِلْتُكَ، إِنْ تُطِقْهَا، يَا لَفَاءُ!
***
فتَمَّتْ صَفْقَةُ المَغْبُوْنِ عَصْراً        وأَعْلَنَ عَنْ رِهَانِهِمَا العِشَاءُ
وأُوْدِعَ مُجْتَبَى الأَغْلَالِ سِجْناً،        وبَاتَ (الجَاهِلِيُّ) لَهُ رُغَاءُ:
أَهَنْتَ العُمْرَ، يَا مَغْرُوْرُ، فَاهْنَأْ        بِمَا غَزَلَتْ يَدَاكَ، ولا عَزَاءُ!
***
وبَيْنَا (الجَاهِلِيُّ) يَدُوْرُ عُجْباً        بِصَفْقَتِهِ، يَطِيْرُ بِهِ انْتِشَاءُ
تَرَدَّى مِنْ أَعَالِيْ القَصْرِ مَيْتاً،        وصَاحِبُهُ تَرَدَّاهُ الثَّرَاءُ!
***
وغَادَرَ مُوْدَعُ الأَغْلَالِ سِجْناً        وبَاتَ قَرِيْرَ عَيْنٍ لَا يُسَاءُ
وأَجْرَى إِرْثَ مَا اسْتَثْرَى رِهَاناً        عَلَى مَنْ كَانَ مَسْجُوْناً، فَبَاؤُوا
إِلَى أَهْلِيْهِمُ صُبْحاً صِبَاحاً            كَأَنْ لَمْ يُسْجَنُوا يَوْماً، وفَاؤُوا
إِلَى الحَقِّ القَرَاحِ، وصَفْوِ حُبٍّ،        إِذَا مَا أَظْلَمَ المَسْرَى أَضَاؤُوا!
***
ورُبَّ غَدٍ أَتَى مِنْ غَيْرِ وَعْدٍ            بِمَا لَا يُشْتَهَى فِيْهِ الغَدَاءُ
ورُبَّ غَدٍ أَتَى مِنْ غَيْرِ وَعْدٍ            بِمَا لَا يُشْتَهَىٰ فِيْهِ المَسَاءُ!
***
فَلَا تَعْجَلْ، فَإِنَّ اللهَ أَدْرَى            بِمَا رَسَمَتْ يَدَاهُ لِمَنْ يَشَاءُ!


*مستوحاة من قِصَّة (الرِّهان)، للكاتب الروسي (أنطون بافلوفيتش تشيخـوف، - 1904)

ذو صلة