مجلة شهرية - العدد (598)  | يوليو 2026 م- محرم 1448 هـ

وجوه بلا ملامح

حسن رجب الفخراني: مصر
يحاول جاهداً أن يجد لقدمه موطئاً، وأن يدفع برأسه إلى أعلى كي يتمكن من صيد بعض الهواء النقي، فقد أصابه زفير الآخرين بالاختناق، ولم تعد لديه قوة تمكنه من الذود عن جسده المنهك ونظرات عيونه التائهة التي أخفقت حتى في العثور على المجهول كي تحدق فيه.
شباك الظلمة الحديدية تدفعه قهراً إلى منافسة تلك الأجساد البالية، والتي على شاكلته، وجميعهم يتصارعون في مضمار سباق بلا نهاية، وبدخيلة كل منهم أمل في الظفر بموقع يلقي عليه رأسه الذي أثقله الهم، ويغالبه جيش الكرى.
يشعر ببعض الظمأ، يمد يده خلسة إلى حقيبته الصغيرة التي لا تبرح حضنه برهة، ويخرج منها قارورة مياه صغيرة، ويرتشف بعض القطرات سريعاً قبل أن يرجعها في عجالة إلى مخبئها الآمن، ولا يسلم رغم ذلك من صراخ مكتوم تطلقه معدته المنهكة مثل فحيح ثعابين مؤصدة بالأصفاد.
يدعو الله في سريرته أن يرى أين تسكن الشمس عندما تفر مهزومة من سطوة الليل العفي، بعدما أخفق في إحصاء مرات غروبها أو شروقها. لا يملك حين يراها في أوج زينتها كعروس إلا أن يدعو بكلمات تكاد تفر من بين أشداقه الجافة: رضاك يا رب هو ما نبتغيه.
تسري في أذنيه دعوات أخرى لا يعرف مصدرها، وإن كانت جميعها تلتمس من السماء بعض الظلال. يخشى التأرجح الذي يأتيهم بغتة، فيدفعهم في أرجاء شتى لا يعرف لها أول من آخر، يتجلى الهلع فوق قسمات الوجوه المتجمدة جراء البرد العاصف القابع في غلظة في محيط أنفاسهم المتلاحقة.
تتداخل الرؤى الباهتة وتتصارع بلا هوادة، وأنياب المجهول تغرس بلا رأفة في الأجساد التي أكلها النحول والجوع وانتظار حمم القنوط الكفيلة برسم خرائط الإبادة على قارعة الآمال الضالة.
تعاود الهمهمات المبهمة الرقص فوق الشفاه اليابسة: يبدو أنها النهاية.
تليها تمتمات مهزومة: ما فعلناه من أجل البحث عن لقمة خبز.
ولا تزال الطبيعة تنفث غضبها دون أن تكترث بمن يدفع الثمن. الأحلام الوردية حلقت بعيداً وبلا رجعة، وجحافل الظلمة تطاردها في شغف لا يبارى، وجسده المثخن بالقهر يجرفه الحنين إلى تقبيل الثرى الذي فارقه قهراً عنه، مثل بقية الأجساد الملقاة مع بعضها في شكل هلامي يبعث القشعريرة.
لم تعد العيون تستطيع أن تحدق في الآفاق التي اكتست برداء التيه، وهي تودع آخر الطيور التي فرت بأوجاعها صوب الغروب، بعض الأضواء الكالحة الشاردة ترتطم ببقية أجسادهم وترتد بخفقات أفئدتهم، ولا تتركها إلا رفاتاً.
يتساءل في دخيلة نفسه بلوم وزجر: وهل كنت سوف أفعل هذا إن وجدت على صدر الوطن بعض الدفء؟
يضحك في هستيريا انتقلت مثل الوباء إلى باقي من يجالسهم في تلك البقعة الضيقة، وكأنهم جميعاً أصبحوا على قلب رجل واحد. لم تستمر طويلاً إذ أصابها الشحوب والخفوت قبل أن تخر أسفل أقدامهم صريعة.
يتكلم أحدهم وكأنما ينطق بما استقر في مكنون أنفسهم جميعاً: نداء الشباب ولا بد من تلبيتهم، والحاجة هي الكرباج الذي يلسع أحلامهم الفتية.
تلاشت آخر الخيوط الواهنة التي تربطهم بالغد، ولم يعد يطالعهم إلا ظلال قاتمة تبتلع في شراهة جسور العودة إلى حيث المنازل الهرمة من طغيان العلل، وملاحقة السادة لبكارة الفقراء على أرصفة الطمع الإنساني.
ثمة ذكريات ربما هي ما تبقى لهم، وكل منهم يتذكر دوره قبل أن يكون هنا مقامه. هو كان دافعه الرغبة في الاقتران بمن يهوى، ولكن العائق المادي كان الحائل لتحقيق مأربه، وكان لا بد له أن يقترض بعض الأموال ويدفعها تحت جنح الظلمات، مثلهم جميعاً، إلى وجوه بلا ملامح غررت بهم وانتزعتهم من شبابهم، وألقت بهم بلا شفقة فريسة سهلة لصائد الأرواح.
تعاود الأمواج قذفهم من عالمها المتلاطم في عنفوان، وهم بلا حراك في قاربهم المطاطي الأسود قبل أن يختنقوا. والشواطئ لم تعد لها ضفاف.

ذو صلة