مجلة شهرية - العدد (598)  | يوليو 2026 م- محرم 1448 هـ

الغريب

مضى جمال نافع في جادة إسطنبول وهو يشعر بلهفة خفية تدفعه إلى الإسراع، مع أنه لم يكن على عجلة من أمره. كان ما يزال يملك وقتاً كافياً قبل انطلاق مباراة المنتخب البرازيلي، فريقه المفضّل منذ أيام صباه في العراق، ضد منتخب أوروبي لم تهمه معرفة هويته.
في حزيران- يونيو، ترتفع درجات الحرارة في مدينة يلوا التي عاش فيها سنواته الأخيرة، حتى صار يعرف طباع طقسها المتقلّب. وكانت الرطوبة تزحف من جهة بحر مرمرة، لذلك فضّل أن يخفّف من سرعة مشيه وألا يرهق نفسه.
كان يشعر أن جسده، وقد تجاوز الخمسين، يبادله المودّة، يطيعه ويحتمل سنواته بقليل من المشاكل، كما يثق البحّارة بقبطانهم، فقد جنّبه التوتر والإجهاد ما استطاع. وفي النوم، كان جسده يكافئه أحياناً بأحلام خفيفة وسعيدة، وببعض الذكريات الطيّبة.
من صور الذكريات التي تلمع أحياناً في خياله، مقهى قديم في منطقة العشّار، مقابل بناية البريد، كان موئلاً لمشجعي كرة القدم في تسعينات القرن الماضي، تزيّن جدرانه صور نجوم المنتخب وأندية العالم وأشرطة ملونة. وكانت تُدار رهانات اللوتو للدوري المحلي، وتعلو الهتافات وسحب دخان السجائر والناركيلات مع كل مباراة. لاحقاً، خلال سفره، أدرك أن مقاهي المشجعين لا تعدو ظاهرة منتشرة في كل أنحاء العالم، تحمل دائماً التعصّب الجنوني نفسه.
لكنه، في مرحلة من حياته، أشاح عن ولعه القديم بكرة القدم. انقطع عن الذهاب إلى الملاعب في البصرة وبغداد، وعن استنزاف أعصابه وحنجرته وراء قارعي الطبول وهتافات المشجعين، ولم يعد يسهر ليتابع المباريات. أصغى، بهدوء، إلى شكوى جسده، عينيه، وقولونه المضطرب، تاركاً أمر مشاهدة المباريات للمصادفات، مستسلماً لمشاغل الحياة اليومية.
لكنه ظل، مع مرور السنوات، يتابع بدهشة ظهور الفرق والأندية، وتدفّق الأموال الطائلة، وتعاقب أجيال جديدة من المشجعين، دون أن ينجح شيء من ذلك في إيقاظ الحماس القديم الكامن في أعماقه.
قبل مغادرته العراق، وجد بعض التبرير لعزوفه في كلام صديق أرمني من البصرة، رجل أصلع يميل إلى الشقرة، تخفي ضخامته قلب طفل، وكان معتاداً أن يتحدث بنبرة هادئة لا تخلو من التهكّم.
قال له مرة:
- اللعبة صارت صاخبة وسريعة جداً.. لا تناسب ذائقتنا ولا قدرتنا على الاستيعاب!
لكن الذكرى، بدل أن تمنحه الطمأنينة، أيقظت في داخله ومضة بعيدة. في تلك الليلة، لم يظهر صديقه الراحل في حلمه، مع أن خبر وفاته كان ما يزال ينبض في داخله منذ أن قرأه على الفيسبوك. هبّت عليه وجوه لاعبي البرازيل، مبتسمين، ينتشرون على النجيل اللامع.
شعر، وهو يستيقظ ببطء، أن جسده نفسه كان يدعوه للتمرّد، مستعيداً، ولو لوقت قصير، شيئاً من انفعالاته القديمة.
في اليوم التالي، كان يقف خلف كدس من المواعين المتّسخة عند حوض الغسيل في مطعم «كوفتجي قبلان»، مستعداً لرقصة يوم عمل طويل، ارتضى به بعد فترة من البطالة كادت تهدّد حياته، بينما كانت المياه الدافئة تنساب فوق يديه.
كانت أذنه معلّقة بتلفزيون المطعم وبأحاديث الأتراك عن مباريات المونديال، التي لم يكن يلتقط منها سوى ألفاظ متناثرة. وقد سمح لنفسه بالاهتمام بكرة القدم لوقت محدود، لا يتجاوز مباراة منتخب السامبا، كما وعد نفسه.
سأل فتى يعمل في الصالة:
- ابني.. في أي مقهى تتابع المباريات؟
قال الفتى وهو يرمي الصحون:
- نتابع التصفيات في مقهى فنر بخشه! نحن كروب النادي! لكن هناك مقاه كثيرة.
كان فتى من أصول قرغيزية، نحيفاً، ملامحه حادّة، كنبّال في حرب قديمة.
أضاف:
- اليوم نسحقهم!
لم يستشف من حديثه أيّ الفريقين سيتعرّض للسحق، ولا أيهما يشجّع. في عيني الفتى ومضت شرارة تعصّب واضحة. فكر جمال أنه لم يكن متعصباً يوماً، كلّ ما في الأمر أنه أحبّ رقصة السامبا. ثم حكَّ رأسه بشعور من عدم اليقين، وهو ينظر وراء الفتى.
صعب عليه أن يعرف موقع المقهى على وجه الدقة، لذلك راحت عيناه، في المساء، تبحثان عن قيصرية تختصر له الطريق إلى شارع الاستقلال، في محلة سليماني بيه، حيث تنتشر بضعة مقاه يرتادها مشجعو الأندية المحلية.
سار فوق الشريط الأصفر المخصّص للعميان. كانت نتوءاته الصغيرة تدلك باطن قدميه، فيتصاعد امتنان خفيف منهما مع دفء الدم. ومع اقترابه، بدأت هتافات متقطعة تتناهى إلى سمعه.
عبر جادة الاستقلال نحو المكان الذي كان ينتصب فيه تمثالا قارئ الجريدة وبائع السميط، تحت ظلال شجرة زيتون. لكنه تفاجأ باختفاء التمثالين البرونزيين.
تذكر أنه التقط لنفسه، ذات مرة، صورة وهو يجلس على المصطبة إلى جانب قارئ الجريدة، مع أنه لا يحب تصوير نفسه عادة. لكنه أحب ذلك الرجل البرونزي الهادئ، المنحني على جريدته بتركيز.
لو كان صديقه الأرمني معه الآن، حياً أو ميتاً، لأطلق تفسيراً سياسياً ساخراً للمشهد: بائع السميط الجوال، المتعب والمكدود، يتّجه بصينيته نحو البرجوازي المثقف، الجالس مطمئناً خلف جريدته، من دون أن يرفع رأسه أو يعبأ بمن حوله! لكن، حمد الله أنه وحده ولا شأن له بأفكار صديقه الخطيرة!
كانت ظلال شجرة الزيتون ترتسم على المسطبة.
ثم تفاجأ، وهو يقترب من المقهى الذي احتلت مقدمته الكرفانية جزءاً من الرصيف، بوجود تمثال قارئ الجريدة هناك، يحتل مسطبة من دون رفيقه المسكين! وفي الحال خطرت له فكرة أرمنية شيطانية، ربما كان صديقه محقاً وقد تعمدوا تفريقهما عن بعض، دفعاً للأفكار المريبة!
إلا أن هياج الأتراك داخل المقهى عصف بأفكاره، كان المكان مزدحماً ومشحوناً وبالكاد وجد له مقعداً. لقد تأخر إذ كانت اللعبة في مستهل شوطها الأول والفريق الأوروبي متقدم بهدف. خطر له أن جمهور المقهى يشجع لاعبي فريقه الكناري، وعيونه معلقة بشاشة التلفاز الكبيرة، بينما تنطلق أصوات تركية غليظة بين حين وآخر وتصفق أكف، فشعر بسعادة تملأ جوانحه.
أتحفه صاحب المقهى باستكان شاي وهو يتحرّى وجهه، كأنه يحاول أن يعرف هويته. شكره جمال بهزة خفيفة من رأسه، ثم عدّل وضع جسده على الكرسي محاولاً أن يجد زاوية الجلوس المريحة. لكنه لم يرتح لذلك الخليط الثقيل من الدخان والرطوبة والأنفاس العالقة في المكان.
تداخل هياجٌ ببعضه: صخب التلفاز وجمهور الملعب والمعلّق التركي، مع أصوات روّاد المقهى. طاف جمال بنظره بين الوجوه، عسى أن يلمح الفتى القرغيزي، ثم نسي الفكرة وانجذب إلى المباراة، مترقباً انطلاق الرقصة التي يؤديها لاعبو البرازيل بعد كل هدف، عند زوايا الملعب وخطوطه الخضراء.
كانت أقدامهم تتخاطف فوق العشب الندي بخفّة.
منذ شبابه، كان يراقب حركة أقدامهم الرشيقة وتمايل أجسادهم بانتباه مشدود، حتى إنه كان ينتظر فوزهم بلهفة، لا حبّاً بالنتيجة وحدها، إنما ليشاهد الرقصة القصيرة التي تعقبها. كان يتأمل خطواتهم بتركيز، ويتمنى أن يتقن شيئاً، ولو يسيراً، من مرونة أجسامهم الحرة.
ربما تعلّم منهم شيئاً سرعان ما فقده مع السنين. أما ذاكرته فاحتفظت، من دون أن يدري، بدبكات أهل بلده في العراق، لكنها لم تكن تستميله. كان يشعر أنها مثقلة بالقوة والانفعال، تخلو من الخفّة الفرحة التي أحبها في رقص لاعبي السامبا. لذلك كان يشيح بوجهه عن أي رقصة محلية صاخبة، كأنها تشدّه إلى الأرض بقوة، بينما كان هو يميل دائماً إلى ما يمنح الجسد حرية عابرة، ولو للحظات قليلة.
انفجر المكان مرة أخرى بالتصفيق والهتاف حين سجّل الفريق الأوروبي هدفه الثاني، وعندها فقط أدرك جمال أنه يجلس بين خصوم!
شعر بقلق وغرابة مباغتين، كأنه دخل المكان الخطأ.
تفاجأ تماماً. ففي زمنه القديم، كان صديقه الأرمني من أشد مشجعي البرازيل حماسة، وكل من عرفهم في البصرة وبغداد كانوا ينحازون، بصورة تكاد تكون تلقائية، إلى لاعبي الكناري ورقصتهم الكروية. أما هنا، فلم يكن أحد يبالي برقصة السامبا. كانت الوجوه حوله تشتعل ضيقاً كلما عبثوا بالكرة بين أقدامهم.
وعندما دفع الحساب، رمقه صاحب المقهى بنظرة منتشية. كانت المباراة تلفظ أنفاسها الأخيرة من دون أن يرى جمال الرقصة الحلوة، ففضّل المغادرة وهو يشعر بخيبة وألم في أسفل ظهره.
تعالت خلفه هتافات الأتراك، وظلت تطارده حتى خرج إلى الجادة. وعندما مرّ بتمثال قارئ الجريدة، مدّ يده ولمس كتفه المعدني البارد.

ذو صلة