تنتمي لوحات الفنانة «سوزانا هافونا» Susan Hefuna إلى نمط من التجارب المشحونة بمفارقات الألوان عبر بساطتها الشكلية وانغلاقها اللوني، إذ تحجب عنا أي سرد بصري مباشر، لكنها تفتح أمامنا في المقابل باباً عريضاً للتأمل. لنتساءل بعدها ما معنى الكثافة؟ ما معنى الفراغ؟ وكيف يمكن للون أن يتحوّل إلى نص فلسفي عن الوجود؟
يقول الفيلسوف موريس ميرلو-بونتي: إنّ اللوحة ليست مجرد سطح ملوّن، بل هي «نافذة على الرؤية ذاتها»، أي على فعل النظر بوصفه انكشافاً للوجود. حين نقف أمام لوحة تجريدية، لا نرى ما يشبه الواقع، بل نصطدم بوجود صامت يتحدث بلغة اللون والخط. إذ يصبح الفن اختباراً وجودياً قبل أن يكون جمالياً، فهو لا يصف العالم بل يضعنا داخله. فهل البنية البصرية في أعمالها عبارة عن إيقاع الامتلاء والغياب. إذ تبدو اللوحة، من النظرة الأولى، ككتلة شبه مستطيلة تسيطر عليها حمرة كثيفة تميل إلى العتمة. لكن هذه الكتلة ليست متماسكة تماماً. إذ تتخللها فراغات بيضاء متفاوتة الأحجام، كشقوق غير منتظمة أو نوافذ مفتوحة في جدار مكتظ.
إن العين، حين تواجه هذه التشكيلات، تدخل في حركة لا تنقطع تنجذب بقوة إلى اللون الأحمر المهيمن أو حتى الأسود في أعمالها، ثم تتسرب فجأة إلى البياض الفاتح. لا تستقر الرؤية في موضع واحد، بل تتأرجح بين الامتلاء والفراغ. فيتجلى ما يمكن أن نسميه (الإيقاع البصري) من توتر مستمر بين الحضور والغياب، بين التماسك والتشظي. هذا الإيقاع يجعل اللوحة أقرب إلى النسيج أو القماش المثقوب، أو حتى إلى جدار ينهكه الزمن، حيث يظل الامتلاء قائماً، لكنه مثقوب بالمحو. ومن هنا يمكن أن نقول إن البنية البصرية للعمل لا تقوم على الانسجام، بل على الصراع أي صراع اللون الكثيف مع الفراغ الذي يقطّعه. فهل مفارقات اللون بوصفه كثافة الحياة في أعمالها هو أيضا عنواناً مثيراً عن الامتلاء والفراغ الذي لا نشعر به في الكينونات المختلفة من حولنا؟
الأحمر، في تاريخ الفن، ليس لوناً عادياً. إنه لون الدم والحرارة والنار، كما هو لون الحب والعنف في آن واحد. في الأيقونات المسيحية القديمة كان الأحمر رمز الفداء، وفي حضارات أخرى كان لون السلطة والملوك، فيما ارتبط في المخيلة المعاصرة بالشهوة، بالخطر، وبالإلحاح. في لوحتها التي يسيطر عليها الأحمر لا يظهر كزينة أو سطح زخرفي، بل كجوهر طاغ. إنه يشبه كتلة من الدم أو من العاطفة المشبوبة، كتلة لا يمكن الفكاك منها. لكن هذا الأحمر ليس صافياً؛ إنه مشوب بعتمة، وكأن الحياة التي يمثلها ليست ناصعة بل مثقلة بالتجربة، بالجرح، وبالزمن.
الأحمر يجعلنا نتساءل عن معنى الكثافة الميتافيزيقية إذ يختصر معنى الوجود المتدفق، لكنه في الوقت ذاته يحاصر العين في انغلاق خانق، فلا مجال للتنفس إلا عبر تلك الفراغات البيضاء الموزعة داخل الكتلة ليست سلبية. على العكس، إنها العنصر الذي يمنح اللوحة ديناميتها. فهي أشبه بفتحات ضوء داخل كتلة مظلمة، أو منافذ هواء في جدار خانق. البياض هنا لا يُختزل إلى العدم، بل هو إمكان. يمكن أن يُقرأ كرمز للتنفس، كعلامة على الأمل، أو حتى كإشارة إلى هشاشة الكثافة ذاتها. فكل امتلاء، مهما بلغ يظل ناقصاً، مثقوباً بما يسمح للعين بأن ترى وللجسد أن يتنفس. إننا أمام معادلة بصرية دقيقة الأحمر لا يكتمل إلا بالبياض، والبياض وضده السواد الذي لا يكتسب معنى إلا باختراقه للحمرة. إنها جدلية فلسفية في صميمها الحضور مشروط بالغياب، والامتلاء قائم بالفراغ.
يمكن ترجمة أعمالها خاصة اللوحة الحمراء إن صح لي تسميتها كذلك استعارياً بوصفها تمثيلاً للجسد الإنساني. الأحمر هو الجسد، الدم، المادة الحية التي تعطي للوجود كثافته الملموسة. أما الأبيض فهو الروح أو الهواء أو حتى الموت كإمكان دائم. الإنسان، في هذا المعنى، ليس مجرد امتلاء حيوي، بل كائن متناقض. كل جسد يحمل داخله احتمالية الزوال، وكل حياة تنطوي على موت مقيم. هذه اللوحة تجسد تلك المفارقة أي نحن كثافة، نعم، لكننا كثافة هشّة، فارغة، لا تكتمل إلا بما ينقصها. في هذا المستوى، يتحول العمل الفني إلى مرآة وجودية. إنه لا يعكس الواقع كما هو، بل يكشف بنيته الخفية، وكأن كل حياة هي جدار مليء بالشقوق، وأن كل امتلاء هو في حقيقته ناقص. فهل الفلسفة بين الشرق والغرب في أعمالها هي بمعنى الفراغ كشرط للامتلاء؟
في البوذية، هناك مفهوم سونياتا الذي يُترجم غالباً إلى الفراغ. لكنه ليس عدماً، بل انفتاحاً، إمكانية للتشكّل والتحول. الأشياء لا تكتمل إلا بفراغها، والوجود لا يثبت إلا بغيابه الجزئي. أما في الفلسفة الغربية، فقد طرح هيغل فكرة التناقض بوصفه محرّك الوجود، حيث كل كينونة تحمل في ذاتها نفيها. عند هايدغر، يصبح العدم شرطاً أساسياً لفهم الكائن، فالوجود يتجلّى على خلفية من اللاوجود.
هذه الجدلية نجدها متجسدة بصرياً فالأحمر هو الكينونة، الأبيض هو العدم، لكنهما ليسا ضدين منفصلين، بل متكاملين. الأحمر يكتسب معناه بفضل الأبيض، كما أن الأبيض يكتسب فعاليته بفضل الأحمر. فالفن التجريدي، منذ بدايات القرن العشرين، كان ثورة على المحاكاة. لم يعد اللون وسيلة لرسم الأشجار والوجوه، بل أصبح موضوعاً قائماً بذاته.
مارك روثكو، مثلاً، رسم لوحات تعتمد على كتل لونية ضخمة، أراد لها أن تكون تجربة روحية للمشاهد. بييت موندريان استخدم الخطوط والألوان الأساسية ليعبر عن نظام كوني يقوم على التوازن. أما فرانسيس بيكون، فكان يشتغل على اللون والصورة ليفضح العنف والخراب في الوجود الإنساني. هذه اللوحة، وإن اختلفت في تفاصيلها، تشترك مع هؤلاء في الجوهر كتحويل اللون إلى معنى وجودي. لكنها تتمايز في بنيتها. إذ ليست مجرد كتلة لونية متجانسة، بل شبكة مخرّمة إن صح لي قول ذلك، أشبه بجدار متآكل أو جلد مشدود. إنها تعبير بصري عن التوتر بين الصلابة والهشاشة، بين الكثافة والشقوق. فالجمالية التي تقترحها هذه اللوحة ليست جمالية الانسجام الكلاسيكي، بل جمالية التوتر. فالعين لا ترتاح، بل تبقى معلقة بين الأحمر والأبيض، بين الامتلاء والفراغ. فهل نحن أمام لوحات فنانة تواجه زمننا؟
في زمننا المعاصر، حيث تتكثف الحياة بالضوضاء والتوتر والعنف، تبدو هذه اللوحة صدى صادقاً لواقعنا. الأحمر يرمز إلى كثافة التجربة الإنسانية، بكل ما فيها من دماء وأزمات وصراعات. أما الأبيض، فهو التذكير الدائم بأن كل كثافة قابلة للاختراق، وأن كل امتلاء هو مؤقت. هذا التوتر يولّد نوعاً من القلق الجمالي. لكنه قلق منتج، لأنه يدفع المشاهد إلى التفكير لا إلى الاستسلام. اللوحة، في هذا المعنى، ليست موضوعاً للمتعة البصرية فقط، بل تجربة فكرية ـ وجودية. إنها تدفعنا إلى إعادة النظر في مفاهيمنا عن الكمال، عن الوحدة، عن الامتلاء. فهل الامتلاء الناقص كحقيقة للوجود هو تعبير عن هشاشتنا؟ وهل النقص ليس ضعفاً بل شرطاً للحياة؟ وما معنى الامتلاء؟ وهل يمكن أن يكون الامتلاء كاملاً دون فراغ؟ وهل الكثافة والفراغ ليسا ضدين، بل هما وجهان لحقيقة واحدة؟
إن الفن، كما قال بول كلي، «يجعل ما هو غير مرئي مرئياً». وهذه اللوحة تفعل ذلك تماماً، تجعل من اللون نصاً عن الوجود، وتجعل من الشكل تأملاً في هشاشة الإنسان وكثافته في آن. هكذا تتحول اللوحة من مجرد مساحة حمراء مثقوبة بالبياض، إلى بيان فلسفي شعر. نحن كثافة، نعم، لكننا لا نكتمل إلا بفراغنا. نحن امتلاء، نعم، لكننا لا نكون إلا بما ينقصنا. وقد يستغرب البعض أن لوحات سوزانا هافونا أعادتني إلى الشاعر شوقي بزيع وديوانه فراشات لابتسامة بوذا.
ليست هذه اللوحة التجريدية مجرّد مساحة حمراء مثقوبة ببياض عابر، بل هي نص بصري عميق يتأرجح بين الكثافة والفراغ، بين الحضور والغياب. الأحمر ليس لوناً زخرفياً، بل كتلة مشحونة بالدم والعاطفة والتاريخ، كتلة تحاصر العين وتشدّها إلى عمقها. غير أن هذه الكتلة، مهما بلغت صلابتها، ليست مطلقة. إذ تخترقها فراغات بيضاء، أشبه بثقوب ضوء أو نوافذ هواء، تمنحها هشاشتها وشرط وجودها في آن.
بهذا المعنى، تصبح اللوحة تجسيداً لجدلية الوجود الإنساني. الامتلاء لا يكتمل إلا بالنقص، والحضور لا يظهر إلا عبر الغياب. إننا كائنات متقلبة نميل للحضور والغياب، أجسادنا دم كثيف، لكن أرواحنا لا تتنفس إلا من خلال شقوقها. هنا، يتجاوز اللون حدوده البصرية ليتحول إلى استعارة فلسفية، تُذكّرنا أن النقص ليس ضعفاً بل ضرورة، وأن هشاشتنا ليست عيباً بل إمكاناً للحرية.
في زمننا المكدّس بالتوتر والعنف، تقف هذه اللوحة كتأمل في مصير كثافة العالم التي لا يمكن احتمالها بلا منافذ، وفراغاته الصغيرة هي التي تمنحنا القدرة على النظر، على البقاء، على الحلم. إنها ليست مجرد تجربة جمالية، بل درساً شعرياً في الفلسفة. فهل نحن امتلاء ناقص وحياة لا تكتمل إلا بما ينقصها؟