مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

كاريزما السموم في أدب الغموض

على مدار التاريخ البشري، كانت السموم من بين وسائل القتل سواء كان عمداً أو عرضاً، والسموم من أشر الجوانب وأكثرها وحشية بأعمال القتل، وتاريخياً كانت السموم من بين الأسلحة المفضلة لأصحاب السلطة والنفوذ والعائلات المالكة والأرستقراطيين، ممن يسعون للقضاء على معارضيهم، دون لفت الانتباه أو ترك أية شكوك، وقد ارتبطت العديد من الشخصيات التاريخية كـ(كليوباترا وآل بورجيا ونابليون) بالتسمم، ما أضفى على تلك الممارسات نوعاً من الغموض والتعقيد، وذلك الارتباط التاريخي البارز لعب أهم الأدوار بروايات الغموض.
والسموم احتلت مكانة مهمة بالأدب عامة وروايات الغموض خاصة، إذ تكمن أهميتها في دقتها وقدرتها على إضفاء طبقات من التعقيد على عملية السرد، وعلى العكس من الآثار الدرامية والمباشرة للعنف أو الصراعات الجسدية، أتاحت السموم صورة بطيئة وماكرة للقتل، لتبدو حالة الوفاة وكأنها حادث عادي أو انتحار، ما جعلها أداة مثالية لمؤلفي روايات الغموض، ممن يعتمدون على الحبكات المعقدة والعمق النفسي، وخبايا سلوكيات البشر وتفاصيلها الدقيقة.
تشويق وأدلة كاذبة وتملص
طالما كان يتم اختيار السموم بأدب الغموض كأداة للقتل، لغموضها وخطرها التدريجي غير المرئي، الذي يمكن أن تحدثه، فهي لا تترك أي آثار مادية فورية، ما يعني أن الضحية لا يظهر عليها أي علامات ضيق إلا بعد فوات الأوان، ولأن الضحية والقارئ يجهلان معاً حقيقة التهديد حتى يتضح أمره، فقد أتاح ذلك شعوراً بالتشويق المتزايد، فنرى بروايات الغموض التقليدية أن البطل الذي يكون بأغلب الأحيان محققاً، يتعين عليه التغلب على سيل من الحيل والأكاذيب والتضليل لكشف الجريمة.
كما مثلت السموم القدرة على محاكاة الأمراض الشائعة والأسباب الطبيعية للوفاة، كأسلوب مثالي لذلك النوع من السرد الروائي، ويمكن أن تكون أعراض الضحية غامضة أو مضللة لحد بعيد، ما يخلف وراءه سلسلة من الأدلة الكاذبة، التي قد تشكل تحدياً أمام صبر المحقق ومهارته، لذا يجب على المحقق حل طلاسم القضية، عبر الاستنتاجات الدقيقة والبحث عن الأدلة الخفية، كما أن القتل بالسموم شكل من أشكال القتل البارد والدقيق، إذ يجب على القاتل القيام بالتخطيط لجريمته بعناية شديدة، واختيار أنسب السموم وتحديد أنسب الأوقات.
إضافة إلى أن السموم أتاحت مجالاً آسراً لاستكشاف الدوافع، فالطبيعة المنهجية والخفية للتسمم، تشير دوماً لضغائن عميقة أو رغبات سلطوية، ففي العديد من روايات الغموض استخدمت عدة شخصيات السموم، كوسيلة لإحكام السيطرة على الآخرين، أو للانتقام البطيء والمؤلم، وكثيراً ما يتم تسليط الأضواء على ذلك بالروايات التي يسعى فيها القاتل للحفاظ على وهم البراءة، أو التملص من أية شكوك.
استكشاف أعمق للدوافع والشخصيات
استخدمت الكاتبة الإنجليزية أجاثا كريستي بالكثير من أعمالها السموم، كأسلوب أساسي للقتل، لتعكس في أحيان كثيرة تداعياته التاريخية والمجتمعية، وروايات كريستي غاصت بعمق في مفهوم القتلة الخفيين، كرواية (الحصان الشاحب)، حيث مثلت السموم فيها الوسيلة المثالية لمؤامرتها المعقدة، التي طالما حملت طابعاً نفسياً، وكان من أهم أسباب بقاء السموم محوراً أساسياً بروايات الغموض لكريستي، قدرة السموم على الاندماج بسهولة في إطار أدب الجريمة البوليسية، وذلك المفهوم أظهرته كريستي بوضوح بمعظم أعمالها، فالسم بروايتها يكون هو السلاح المفضل للقتل، ويمكن للمحقق القيام بحل لغز لا يعتمد فقط على الأدلة، بل يعتمد على نفسية وسلوك الشخصيات المعنية بالجريمة.
ففي روايتها الشهيرة (جريمة قتل روجو أكرويد) شكل تسميم الشخصية الرئيسية، حافزاً لواحدة من أشهر مفاجآت الحبكة بأدب الغموض، وعلى نفس الشاكلة برواية (جريمة في قطار الشرق السريع) يلعب استخدام السم دوراً بارزاً بالحل الذكي غير المتوقع للجريمة، وقد أتاحت الطبيعة البطيئة والمنهجية للقتل بالسموم في الروايتين، استكشافاً أعمق للدوافع والشخصيات، وأتاحت أيضاً للمحقق أفضل الفرص للانخراط بعملية الاستنتاج المعهودة إليه، كما استخدمت كريستي المركبات الكيميائية بدقة شديدة بأعمالها الروائية للاستدلال والاستنتاج.
ويشار إلى أن كريستي عملت خلال الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918م) مساعدة صيدلي، وكان لديها معرفة مباشرة بالأدوية وآثارها القاتلة المحتملة، لذلك استخدمت خبرتها السابقة لصياغة عدد كبير من حالات التسمم، التي يصعب نسيانها بتاريخ الأدب، ودقة كريستي لم تكن مبهرة فقط باستخدام السموم، بل بإنقاذ حياة الكثيرين، لمعرفتها حجم الجرعات الدوائية وتقنيات توزيعها.
وتأكيداً على ذلك تقول كريستي «أعطني زجاجة سم جيدة، وسأصنع جريمة مثالية» وتقول أيضاً «لأنني كنت محاطة بالسموم، فربما كان من الطبيعي أن يكون الموت بالتسمم، هو الطريقة التي اخترتها»، ويقال إنها فكرت ذات مرة بإدراج قائمة أبجدية من (76) صفحة لكل المركبات السامة، بدءاً من الإستركنين إلى الزرنيخ والثاليوم والتاكسين، وكل المواد الكيميائية ذات الصلة المستخدمة بأعمالها.
حبكة الزرنيخ بالروايات
يعد الزرنيخ من أشهر العناصر السامة والمفضلة للقتل، لسهولة الحصول عليه في العشرينات من القرن الماضي، والزرنيخ بطيء المفعول لا طعم له ولا رائحة، ويسمح بإطالة المعاناة والألم، وكان يسمى (مسحوق الميراث) لشيوع استخدامه بين الورثة غير الصبورين، وكان يتم شراؤه بصورة شائعة وتقليدية من معظم الصيدليات، لاستخدامه في صنع مبيدات الأعشاب أو لقتل الفئران، كما كان يستخدم بكل أنواع المنتجات كالأحبار والأصباغ الأنيلينية الخاصة بالملابس، وورق الحائط المطبوع، ومنتجات التجميل كرقائق البشرة الزرنيخية، لجعل البشرة بيضاء، وتكمن سهولة استخدام الزرنيخ في القتل بروايات الجريمة، لتشابه أعراض تناوله مع العديد من الأمراض الأخرى، لذلك لعب الزرنيخ دوراً مهماً بحبكة رواية (4:5 من بادينغتون) لكريستي.
كما ظهر الإستركنين أيضاً كمادة للقتل برواية (القضية الغامضة في ستايلز) أولى روايات كريستي، التي كتبتها عام 1916م، ونشرت لأول مرة من قبل دار نشر (جون لين) بالولايات المتحدة في أكتوبر عام 1920م، ولا تزال حتى الآن من أشهر أعمالها، وبالرواية يستيقظ أحد أعضاء القصر في (إسيكس) ذات ليلة، ليجدوا مالكة القصر السيدة إيميلي كافيندش تتشنج حتى الموت، نتيجة التسمم بمادة الإستركنين، وكانت تشنجاتها عنيفة جداً، إلى الدرجة التي يصعب معها النظر إليها، وقد رفعتها تشنجة أخيرة من السرير، لتبدو وكأنها ترتكز على رأسها وكعبيها، وجسدها مقوس بطريقة مرعبة، ويظهر بالرواية لأول مرة المحقق البلجيكي المتقاعد غريب الأطوار هرقل بوارو.
كما قدمت الرواية صورة جديدة من صور القتل، وحتى وقتها كان يندر استخدام الإستركنين كسلاح قتل في الأدب، وسبق أن تضمنت روايتان بارزتان بالعصر الفيكتوري، مشاهد موت بسبب مادة الإستركنين، وهما رواية (كونت مونت كريستو) لألكسندر دوماس عام 1844م، ورواية (علامة الأربعة) لآرثر كونان دويل عام 1890م، والمعلوم أن الإستركنين قلويد نباتي مثل الأتروبين والكافيين والنيكوتين والكوكايين، وكل تلك المركبات مواد كيميائية ذات مذاق مرير، توجد بالنباتات عموماً وبالأجزاء التي لا تؤكل، وقد استخدم بداية لمكافحة الآفات والقوارض كالفئران.
لغز شيق لعشاق السرديات
قبل أن يصبح السير آرثر كونان دويل أديباً، كان طبيباً بكلية الطب، ودرس علم النبات العملي، وكان مفتوناً جداً بالنباتات السامة، وتكشف روايات (شيرلوك هولمز) الشخصية التي ابتكرها دويل، عن الانبهار والقلق اللذين يثيرهما نقل النباتات السامة حول العالم، ولم يكن هولمز المحقق المثالي غريباً على عملية القتل بالسموم، فنراه برواية (علامة الأربعة) يكشف لغز التسمم، ونراه برواية (مغامرة المحقق المحتضر) يقع هو نفسه ضحية التسمم، مستخدماً في ذلك معرفته بالسموم للتغلب على قاتله المحتمل، وبهذه القصص لم يستخدم السم كسلاح قتل فقط، بل أيضا كاستعارة لشبكة الخداع المعقدة والحقائق الخفية، التي يجب على المحقق الحاذق اكتشافها.
وكان لكاريزما السموم بروايات الغموض عدة جوانب، أهمها إظهارها تحدياً فكرياً غنياً لكل من المحقق والقارئ على حد سواء، كما شكلت عملية تحديد نوع السم المستخدم وطريقة إعطائه وفك طلاسم الجريمة، لغزاً شيقاً لعشاق السرديات المعقدة، ليصبح السم نفسه مفتاحاً لفك طلاسم القصة، طالما مثل اكتشافه نقطة تحول بالحبكة، وعلى جانب آخر أتاح السم وسيلة مثلى للاستكشاف النفسي، فهو يقدم بعداً أخلاقياً، حيث تكون الشخصيات مضطرة لمواجهة عواقب أفعالها.
ودوماً ما يسلط استخدام السم الضوء على الجانب المظلم للطبيعة البشرية، لتطلبه مستوى من التخطيط المسبق وإجراء الحسابات الدقيقة، التي تكشف عن أعماق دوافع الشخصية ونواياها، كما أن الترابطات الثقافية للسموم تضفي عمقاً تاريخياً وإثارة على روايات الغموض، فمن خلال الاستناد للتاريخ الغني للسم كأداة للتلاعب والقتل والمؤامرات السياسية، يتمكن أدباء الغموض من خلق أجواء من التشويق والإثارة، ما يعزز عملية السرد، وبذلك المعنى لا تعد السموم مجرد مواد مادية، بل باتت رمزاً للمكر البشري، والرغبة الجامحة والخيانة.
دفع القارئ للملاحظة والاستنتاج
عند قراءة رواية جريمة، من المهم إبقاء القارئ منجذبا للأحداث والمنعطفات المتلاحقة، فالقارئ يحتاج للانغماس بأحداث الرواية والانضمام لفريق التحقيق، لمحاولة حل جريمة القتل، ولأن استخدام السم كسلاح عُد من الموضوعات المعقدة، فذلك يكاد يضمن للقارئ التركيز التام على القصة لفهم ما يحدث، وتعد رواية (جريمة قتل في المتاهة) عام 1927م لجيه جيه كونينجتون أروع الأمثلة على ذلك التوجه، تدور أحداثها حول مقتل شقيقين بسهام مسمومة بمتاهة محاطة بالأشجار، ورغم أن مسألة مرتكب الجريمة لا تبدو مقنعة بالقدر الكافي، لكن التحقيق كان ممتعاً، وخاتمة الرواية كانت أكثر إمتاعاً.
وباتت الرواية من أكثر جوانب جرائم القتل بالتسمم إثارة للاهتمام، لإتاحتها إمكانية وقوع جريمة متأخرة أو جريمة قتل عن بعد، كما قدمت رواية (النوايا الحسنة) مثالاً ممتازاً على ذلك، حيث ينتهي الأمر بالضحية باستنشاق السم بنفسه باستخدام (سعوط) ممزوج بالسم، ومن المزايا غير التقليدية لرواية النوايا الحسنة، أنها تبدأ بمحاكمة القاتل بتهمة القتل، مع إخفاء هويته عن القارئ، ما يدفع القارئ للاستعانة بمهاراته في الملاحظة والاستنتاج، لمعرفة أي من شخصيات الرواية هي التي ستحاكم، وذلك يعد نهجاً جديداً ويشكل قراءة ممتعة، خصوصاً مع وجود عدد من الشخصيات بالمجموعة المشتبه بها.
ولطالما ارتبطت السموم بالقاتلات في روايات الجريمة، لمكانة المرأة التاريخية وسيطرتها على مكونات المطبخ، ما يسهل إضافتها بمهارة إلى طعام أو شراب الضحية، وعدم تطلب السموم قوة بدنية كبيرة أو حيازة أسلحة غير مشروعة، فيمكن صنعها من مواد طبيعية تتعامل معها يومياً، لذا ينطوي القتل بالسموم على قدر كبير من عدم الكشف عن الهوية، ما يخفي هوية القاتل، ويطيل أمد البحث عن الحقيقة، وكل تلك العوامل تجعل السموم سلاح القتل الأمثل للاستخدام بروايات الجريمة، فهي تتيح فرصة للغموض، وتهيئ المجال للعديد من النظريات كلما تطور التحقيق.

ذو صلة