شكل الخطاب النثري جزءاً من تركيبة مدونة الكتابة العربية إلى جانب الشعر الذي عد ديوانها وناقل أيامها وأخبارها وسجلها ولسانها الناطق بهويتها وثقافتها، غير أن الخطاب النثري سيشكل الوجه الآخر للمدونة الكتابية العربية، فكانت الخطب والمناظرات والرسائل والسرود تراجمها وسيرها الشعبية والذاتية والموضوعية والسرود الخرافية التي امتصت المنتج الثقافي الوافد من الهند والفرس وغيرهما والمقامات التي ابتدعت بشكل فني وجمالي في القرن الرابع مع الهمذاني، من أهم الضروب النثرية التي راجت في المحضن الثقافي العربي، وكانت المصنفات العلمية جارية على قدم وساق مستفيدة من حركة الترجمة التي أسهمت إيجاباً في إغناء المحضن الثقافي العربي تحت إشراف السلطة الحاكمة التي دعمت مادياً ومعنوياً العلماء في سبيل إنتاج المعرفة التي انتعشت في شتى الحواضر العربية خصوصاً البصرة وبغداد والكوفة والموصل، فكثر النساخون والوراقات وغزرت التآليف التي بلغت العشرات لدى العالم الواحد الذي اتسم بالموسوعية، إذ كان العالم المسلم ملماً بشتى ضروب المعرفة التي كان يؤلف فيها متنقلاً بين الفلك والطب والرياضة واللغة والشعر والفلسفة والتاريخ والأخبار وغيرها من الفنون التي برع فيها العالم الموسوعي، غير أن الموسوعية لم تقف عند تعدد المعارف وإنما انداحت إلى الداخل النصي لتتعدد الأصوات التي أبانت عن صناعة حقيقية لفعل الكتابة في الثقافة العربية.
من الرواية إلى الكتابة
لقد كان انتقال المحضن العربي من النسق الشفهي الذي غلبت فيه الرواية إلى فعل الكتابة التي كانت مذمومة مثلماً كان الكتاب مذمومين كما أعلن عن ذلك الجاحظ، أثر كبير في نقل الثقافة العربية من السمعي إلى البصري ما تطلب من المؤلف نوعاً من التبصر في منهج الكتابة وأنساقها وأنظمتها. يقول الجاحظ: (لو كانت الكتابة شريفة والخط فضيلة، كان أحق الخلق بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أولى الناس بها ببلوغ العناية فيها ساداتهم وذوو القدر فيهم، ولكن الله منع نبيه ذلك وجعل الخط فيه دنية وصد العلم به عن النبوة). ولابد أن هذه الرؤية التي نزعت نحو ذم الكتابة كانت مدفوعة بطبيعة المحضن العربي الذي تأسست فيه الشفهية منذ الجاهلية وزكاها الوحي. يقول الدكتور عبدالله إبراهيم: (لقد توافرت للجاحظ العلل والأسباب الني جعلته يذم الكتاب والكتابة استناداً إلى المأثور الديني والاجتماعي الذي كان موجهاً أساسياً لرؤيته ورؤية غيره حول هذا الأمر)، فكان نقل المتلقي العربي من السمعي القائم على الأداء المباشر وما يحويه من تعبيرات صوتية تعتمل داخلها النبرات والتنغيمات حسب المقامات سواء تعلق الأمر بالشعر أو السرود المحكية في المجالس والأندية وغيرها من الفضاءات، إلى المشهدية والبصرية عبر الخطية سواء في اتجاهيها الأفقي والعمودي نقلاً غير مسبوق للنسق المألوف في التلقي العربي ما استوجب من المؤلف تنويع الأصوات داخل الكتابة الواحدة دفعاً للرتابة التي قد يجدها القارئ على امتداد النص، لذا لم تسر المصنفات العربية على وتيرة واحدة أثناء التأليف وإنما عددت أصواتها مستنطقة روافد متعددة تسهم في حمل القارئ رغم طول النفس على متابعة القراءة، هذا التعدد الذي نبع من موسوعية العالم وازدحام الأفكار في رأسه نظراً لتداخل الحقول المعرفية التي شكلت ثقافته الواسعة وفي نفس الوقت يظل تبنياً ممنهجاً غاية في الدهاء من المؤلف العربي مراعاة للتلقي وما يجده القارئ من عناء القراءة إذا ما استمرت المادة المعرفية على نفس الوتيرة ممتدة دونما تكسير للإيقاعات القرائية، فقد وعى المؤلف العربي قيمة المتلقي وأدرك ما له من دور في تشييد عالم القراءة حينما يحس بالنشاط الذي ينبع من المتعة التي يخلقها النص خصوصاً إذا ما تخللته نوادر وطرائف ومحكيات من هنا وهناك تقوم بدور الفواصل المشهدية التي تريح عقل القارئ وتمتع وجدانه، مثلما تسهم الانتقالات بين المعارف والروافد المختلفة في تأثيث مشهدية النص وإضفاء تلوينات معرفية زاهية على المساحة البصرية للنص.
تعددية الأصوات في الكتابة النثرية العربية القديمة
إن تصفح الكتب النثرية القديمة سواء كانت مصنفات أصول أو شروحاً لها سيؤكد أن تعددية الأصوات كانت سمة ظاهرة على نمط الكتابة ومنهجها في التأليف العربي القديم، فتداخلت في المتن الواحد مجموعة من الروافد الثقافية والمعرفية لتمنح النص فسيفساءه الجمالي والموضوعي الذي يغذيه ويمنحه حيوات متعددة بتعدد الأصوات الناطقة بداخله، فإلقاء نظرة فاحصة على البيان والتبيين للجاحظ سيؤكد أنه كان من المؤلفين الذين انتهجوا هذا التعدد في كتاباته خصوصاً في الحيوان والبيان حيث انتقالات الجاحظ بين الفنون بينة للقارئ، لطول النفس الذي تنحوه هذه الكتب، فالبيان والتبيين واقع في ثلاثة أجزاء، والحيوان واقع في خمسة عشر جزءاً وربما زاد على ذلك بحسب الطبعات، ما جعل المادة فيها تتنقل بين المواضيع ولا تستقر عند فن أو ضرب، فالبيان والتبيين أطباق ملونة ضمت عيوب البيان من مشكلات الصوت عند المتكلم كالفأفأة واللثغة والحبسة وغيرها، وباب في البلاغة عند سهل بن هارون والهند والعرب وتراجم للبلغاء وعيون المعاني وفيه باب ذكر المعلمين وباب في الخطب القصار والنساك الزهاد، ويجد فيه القارئ خطباً تاريخية ودينية مأثورة وأحاديث طريفة، وفيه ردود على الشعوبية ومذهبها وباب في السمات والأزياء كالقلائد والثياب والنعال ومقتطفات من هنا وهناك في الشعر والنادرة والحديث وأخبار الخلفاء وفي بلاغة النبي عليه السلام وهلم جرا مما يجد فيه القارئ تنوعاً وتعدداً لا يشعره بالملل والكلل من قراءة الجاحظ وكذلك صنع في الحيوان في كل أجزائه.
والكامل الذي يعد إلى جانب البيان والتبيين من أمهات الكتب قال عنه ابن خلدون: (سمعنا من شيوخنا في مجالس العلم أن أصول فن الأدب وأركانه أربعة دواوين وهي: أدب الكاتب لابن قتيبة، والكامل للمبرد، والبيان والتبيين للجاحظ، وكتاب النوادر لأبي علي القالي، وما سوى هذه الأربعة فتبع لها وفروع عليها). ومعلوم أن الكامل ألفه المبرد إثباتاً لامتلاك العرب لثقافة لا تقل شأناً عن مثيلاتها الفارسية واليونانية والهندية بعدما استشرت كتب هذه الثقافات في المحضن العربي كان موسوعة عربية كبرى ضمت في ثناياها شتى المواضيع التي دلت على موسوعية كاتبها وسعة علمه وغزارة مادته وغنى فكره، فكان كاملاً في كل الفنون التي أحاط بها فتجلت فسيفساءاته بديعة في لوحات تعددت في معرضه من نحو وصرف ولغة وشعر وأخبار ونوادر وبلاغة ونثر وفقه ومثل وما يزخر به من شواهد الشعر والأمثال والحكمة والقرآن عارضاً ومحللاً ومستقرئاً بأسلوب أدبي ماتع يشد إليه قارئه، دون أن يعمل فيه صاحبه منهجاً صارماً ما جعل الكتاب مفتوح النوافذ ينظر من أيها شاء القارئ فيلتقط المادة من هنا وهناك، وفي كتاب (الأغاني) للراغب الأصفهاني الذي يعد تأريخاً للأدب العربي تعددية أصواتية تظهر على امتداد الأجزاء الخمسة والعشرين حيث نقل الأخبار عن الأدب والشعر وعن الملوك والمغنين وعن الحياة الاجتماعية وذكراً للسير والنوادر والطرائف، وفيه نقد للشعر وكلام في الحديث والتفسير والغناء والمسامرات والأنساب بغض النظر عما حمله أهل النقد على الكتاب من محاولات تشويه الإسلام والخلافة وإلصاق تهمة الخلاعة ببيت الخلافة العباسية، فإن الكتاب من الناحية الأدبية كان شديد الاغتناء بالمادة المعرفية التي تعددت وحملت القارئ على التنقل بين الأصوات، وفي (العقد الفريد) لابن عبد ربه الأندلسي تعدد جلي للأصوات في أجزائه الثمانية تمنح الكتاب فسيفساءه البهي، فبين الأخبار ولمحات من التاريخ وومضات ونظرات في البلاغة والعروض والموسيقى وتلميحات في الأخلاق والأعراف قال عنه صاحبه: (ألفت هذا الكتاب وتخيرت جواهره من متخير جواهر الأدب ومحصول جوامع البيان فكان جوهر الجواهر ولباب اللباب وإنما لي فيه تأليف الاختيار وحسن الاختصار وفرش لدور كل كتاب، وما سواه فمأخوذ من أفواه العلماء ومأثور عن الحكماء والأدباء)، وقال عنه ابن خلكان: (وهو من الكتب الممتعة حوى من كل شيء).
إن الكتابة النثرية العربية القديمة بفضل الطابع الموسوعي الذي ماز فكر أصحابها اتخذت لها نسقاً تعددياً في بنيتها الداخلية، واستطاعت أن تحلق في سماوات المواضيع المختلفة فلم توقف نفسها عند تيمة واحدة كما نجد في البخلاء للجاحظ وكليلة ودمنة لابن المقفع أو رسالة الملائكة لأبي العلاء المعري حيث مدار النص يظل ثابتاً مستقراً لكنها استطاعت أن تشد إليها القراء بحكم جدتها وطريقة نسجها وطبيعة موضوعاتها الفريدة التي لم يسبق إليها في الثقافة العربية، لذا لم تكن هذه الكتب من المطولات التي يمكنها أن تشق على القارئ العربي بقدر ما تستطيع أن تمنحه متعة نوعية متميزة لم يجدها في غيرها من الكتب لفرادتها التأليفية، لذا حرص المؤلف العربي أثناء تأليفه للمطولات أن يعدد الأصوات، مانحاً النص فسيفساءات عديدة كي تفسح المجال أمام القارئ وتهبه مساحة أكبر للحرية في اختيار ما شاء من الأصوات فينتقل عبرها دفعاً للرتابة التي قد يستشعرها القارئ لطول نفس النص، إنها إستراتيجية ممنهجة لم تأت من باب المصادفة في تراثنا العربي وإنما كان فعل التلقي يعتمل في مفكرة المؤلف العربي وهو ينتج نصه، فكان القارئ حاضراً في وعي الكاتب أثناء المنجز يسقط منهج الترتيب ويبني منهج التعدد الأصواتي الذي منح التأليف العربي القديم على مستوى اشتغال فعل الكتابة جمالياته التي أرخت بظلالها على فعل القراءة إلى زماننا هذا.