هل يمكن تسليع الثقافة؟
هشام بن الشاوي: المغرب
يعرف د.عبدالواحد الحميد (الاقتصاد الثقافي) بأنه فرع من علم الاقتصاد، يركز بشكل أساسي على مجمل عمليات إنتاج وتوزيع واستهلاك المنتجات الثقافية من سلع وخدمات مختلفة، وبالتالي فإن المفاهيم والمبادئ التي يُبنى عليها علم الاقتصاد، وكذلك الأدوات التحليلية المستخدمة في علم الاقتصاد بشكل عام؛ يتم توظيفها للتعامل مع الجوانب الاقتصادية في القطاع الثقافي، وبما يتناسب مع طبيعة الثقافة وتعريفها.
قد يبدو أن هناك تنافراً بين مفردة (صناعة) ومفردة (ثقافة)، ركزت عليه الأدبيات التي طرحت المصطلح للمرة الأولـى في الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين.
ظهر كتاب هوركهايمر وأدورنو (جدل التنوير) في عام 1944، وتضمن فصلاً بعنوان (صناعة الثقافة: التنوير كخداع جماعي)، أو التنوير والخداع الجماعي، وكان أدورنو قد تحدث منذ الثلاثينات عن مصطلح (صناعة الثقافة) في سياق فكر مدرسة فرانكفورت الماركسي منتقداً صناعة الثقافة التي تهيمن عليها الشركات الرأسمالية والتي تمارس التأثير في الجماهير هبوطاً من النخبة المجتمعية والاقتصادية في الأعلى إلى الجماهير في القاع، وهو عكس النظرة الماركسية التي تتطلع إلى أن تبزغ الثقافة من الجماهير في القاع إلى الأعلى. وبالتالي كانت النظرة هي أن صناعة الثقافة تُحَوِّل الثقافة إلى سلعة يجري تسويقها وتوزيعها وتبادلها كأي سلعة أخرى بعيداً عن الخصائص التي تميز الثقافة عن الأنشطة الأخرى، وهو ما يسمى بـ(تسليع الثقافة).
وإذا كان هذا النقاش يثور كثيراً ويحتدم حول مختلف السلع والمنتجات، فإنه أكثر حـدّةٍ عندما يتعلق بـ(المنتجات الثقافية)، فهناك مَن يرى أن تحويل الثقافة إلى منتَج سِلَعي يباع ويشترى، أو ما يسمى بـ(تسليع الثقافة)؛ يجعل الثقافة سلعة خاضعة لاستغلال الشركات التجارية وما تمارسه من تأثير دعائي على المستهلك من خلال الإعلان التشويقي المتكرر، فتتدخل في ذائقته وتحرفها نحو منتجات ثقافية معينة تحقق للشركات أقصى الأرباح، لكنها تهبط بالمستوى الثقافي غير المادي للسلعة، الأمر الذي يمثل ابتذالاً للثقافة وتسطيحاً لها، وذلك لما للثقافة من خصائص تميزها عن غيرها، وبسبب ذلك فإن (تصنيع الثقافة) وإخضاعها للمنطق الاقتصادي المجرد هو برأي البعض استغلال رأسمالي للثقافة على حساب المجتمع.
يشير د.الحميد إلى أن الهاجس الربحي يطغى أحياناً على الإبداع الفني عند بعض المبدعين، وهنا يصبح المنتَج الثقافي مثل أي سلعة أخرى من سلع الاستهلاك التي يتم إنتاجها في المصنع عبر خطوط إنتاجية نمطية تقذف بسلع متماثلة في أشكالها ومكوناتها، وتفتقر إلى الروح الجمالية التي يبدعها الرسام حين يرسم لوحة أو الفنان عندما يلحن أو يعزف مقطوعة أو الأديب حين يكتب رواية أو قصة أو مسرحية أو قصيدة. بهذا المعنى يكون المُنتَج الثقافي المُصَنَّع قد أصبح مجرد بضاعة شعبية كأي سلعة استهلاكية لا علاقة لها بالمضمون الثقافي والجماليات الفنية. وعلى سبيل المثال، فقد حلت اللوحات المستنسخة بدلاً من اللوحات الأصلية، وهذه المستنسخات يتم إنتاج وطباعة ملايين النسخ منها، وتكون بضاعة شعبية مطروحة في الأسواق كأي سلعة استهلاكية أخرى!
وقد تناول أدورنو وهوركهايمر، بحكم توجههما اليساري الماركسي، وانتمائهما إلى مدرسة فرانكفورت التي تنحو إلى اليسار؛ موضوع (تسليع) الثقافة في السياق النقدي لـ(الرأسمالية الجشعة) التي تفتك بالأخضر واليابس وتحوله إلى هشيم، فهما يريان أن الرأسمالية حوَّلت الإنسان إلى كائن جشع يلهث نحو التملك ومراكمة الإنتاج المادي والمال، وتحويل كل شيء في الطبيعة إلى سلع تباع وتشترى في الأسواق، دونما اهتمام بالتدمير الذي يلحق بالطبيعة وبالقيم والذوق العام.
ارتبط مفهوم (تسليع الثقافة) بمرحلة (ما بعد الحداثة) التي جاءت على أنقاض مرحلة (الحداثة)، وتتسم مرحلة ما بعد الحداثة بأنها ترفض الكثير من المفاهيم والمبادئ التي قامت عليها مرحلة الحداثة وما سبقها من المراحل، فمرحلة (ما بعد الحداثة) التي ولدت في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وما نجم عنها من تداعيات كارثية مدمرة؛ رفضت ما يسمى بـ(السرديات الكبرى) ومنها النظريات الشمولية، وعملت على إزالـة الحدود بين الثقافة الجماهيرية وثقافة النخبة ورفع الهالة التي تحيط بالفن التقليدي.
وكان قد حدث في أواسط القرن العشرين ما يشبه الانفجار في ما يسمى بـ(الفن الجماهيري) و(الثقافة الجماهيرية)، وهي تقابل الثقافة العالية أو ثقافة النخبة التي تقوم على أعمال أدباء وموسيقيين ورسامين مثل شكسبير وموزارت ودافنشي وبيكاسو وجيمس جويس، ممن تتذوق النخبة القليلة أعمالهم، وكان من أسباب ذلك الثورة التقنية وانتشار وسائل الإعلام الحديثة كالراديو والتلفزيون التي أقبل عليها عموم الناس.
هذا الانتشار المدوي للثقافة الجماهيرية كان على حساب ثقافة النخبة التي بدأت بالانحسار أمام زحف الثقافة الجماهيرية، واعتبر بعض المفكرين أن ذلك هو (تسليع للثقافة) وابتذال لها وتحويلها إلى صناعة عادية وفق المفاهيم الرأسمالية التي تُعلي من شأن الأرباح تحت شعار (اليد الخفية) التي تقود الاقتصاد إلى تحقيق الكفاءة والاستثمار الاقتصادي الأمثل للموارد في المجتمع بصرف النظر عما يترتب على ذلك من سلبيات على الثقافة والفنون، بل وعلى المجتمع والبيئة.
ولا يمكن فصل الجدل حول تسليع الثقافة عن الأيديولوجيات والتوجهات والتيارات الفكرية والفنية التي يعتنقها المتحاورون، ويؤكد د.الحميد أن فكرة (صناعة الثقافة) وُلِـدت في سياق الطرح الماركسي الذي عُرفت به مدرسة فرانكفورت. وهذا لا يعني بالضرورة أن جميع أولئك الذين ينتقدون تحويل بعض جوانب الثقافة إلى صناعة هم من الماركسيين أو اليساريين، حتى وإن كانت لدى بعضهم تحفظات على بعض الممارسات التجارية في ظل الرأسمالية، فالرأسمالية مرت بأطوار مختلفة، وهي مازالت عرضة للنقد في بعض جوانبها حتى من قِبَل معتنقيها.
كما أن النظرية الاقتصادية النيوكلاسيكية، والتي تمثل التيار العام في علم الاقتصاد، وتفترض أن هدف المستهلك هو تعظيم المنفعة (الإشباع)، وهدف المنشأة هو تعظيم الربح في ظل شيوع معلومات كاملة عن السوق؛ تشوب فرضياتها العديد من العيوب.
ويخلص د.عبدالواحد الحميد إلى أن الصناعات الثقافية والإبداعية أصبحت جزءاً كبيراً ومتزايداً من اقتصادات الـدول الكبرى، وهي مصدر توظيف ودخل لملايين الناس الذي يعملون في القطاع الثقافي وخارجه. ونستطيع أن نرى بوضوح كيف أدى تصنيع المنتجات الثقافية إلى توليد قِيَم مضافة لاقتصادات دول العالم، مع ما صاحب ويصاحب ذلك من سلبيات أيضاً.
وقـد تنبَّه بعض المبدعين، منذ زمن بعيد، إلـى أهمية تأمين معيشتهم من بيع منتجاتهم الإبداعية. ومن هؤلاء، على سبيل المثال، الرسام الهولندي رامبرانت الذي عاش في القرن السابع عشر، وكان قد أقام مشغلاً يبيع فيه إنتاجه وإنتاج غيره من الرسامين. أما الرسام البلجيكي روبينز الذي عاش في القرن السادس عشر والسابع عشر فكان يوظف بعض المساعدين في مرسمه ليقوموا بمزج الألوان ورسم خلفيات لوحاته، وكان يعرض لوحاته ولوحات الآخرين للبيع. والأكثر من ذلك أنه كان يسمح للجمهور بمشاهدة لوحاته في مرسمه لقاء دفع مبالغ مالية، حسب د.الحميد!
كما برزت في زمننا الحاضر ظاهرة ما يسمى بـ(كاتب الظل) أو (الكاتب الشبح) الذي يبيع خدماته لمن يدفع له المال، وفي زمن الذكاء الاصطناعي صار من الممكن أن تقوم الآلة بدور الكاتب الشبح وتقوم بأعمال إبداعية ومنتجات ثقافية تطرح في الأسواق فيتولد عنها دخل وقيمة اقتصادية مضافة!