مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

بين السوق والتجربة الثقافية

معرض الكتاب، بصيغته التقليدية، قام على فكرة بسيطة مركزها الكتاب الورقي؛ القارئ يزوره، والناشر يعرض إنتاجه في مساحة مؤقتة. هذا النموذج كان منطقياً في زمن كانت فيه المعارض إحدى القنوات القليلة للوصول إلى الكتب والكتّاب. اليوم لم يعد السؤال إن كان معرض الكتاب سيستمر، بل بأي معنى وبأي دور. في عالم لم تعد فيه المعرفة حبيسة الورق، ولا اللقاءات مقيدة بالزمان والمكان، تغيّر العالم جذرياً، ولم يعد القارئ ينتظر المعرض ليشتري كتاباً أو يسمع باسم كاتب. هنا تبرز أمامنا ضرورة الإجابة عن سؤال مدى صلاحية معرض الكتاب.
الإجابة الأقرب للواقع هي أن النموذج الكلاسيكي لم يعد كافياً وحده؛ وعليه أن يتخذ شكلاً جديداً. المعرض الذي يصرّ على كونه (سوق بيع كتب فقط) سيفقد معناه تدريجياً، خصوصاً مع صعود المتاجر الرقمية، والنشر الإلكتروني، والكتب الصوتية. أما المعرض الذي يعيد تعريف نفسه بوصفه فضاءً ثقافياً حياً، فيظل ضرورياً، وربما أكثر من أي وقت مضى.
التحوّل الحقيقي هنا ليس تقنياً بقدر ما هو ثقافي. عندما تُطرح الأسباب حول زيارة القارئ اليوم للمعرض، وهو الذي يستطيع تحميل كتاب خلال ثوانٍ، لكنه لا يستطيع تحميل تجربة اللقاء، أو الحوار الحي، أو الإحساس الجماعي بالانتماء الثقافي؛ فهذا ما يجب أن يراهن عليه المعرض بوصفه مساحة حيّة للمعرفة والحوار والانتماء الثقافي.
التحوّل الرقمي فرض واقعاً جديداً. الكتاب الورقي لم يختفِ، لكنه صار محتوى أصيلاً لأشكال متعددة من المحتوى. فقد احتكاره للمشهد، وشاركه مساحة الاهتمام الكتاب السمعي الذي يخاطب أنماط حياة متسارعة، والنشر الرقمي الذي فتح الباب لأصوات كانت بعيدة يتم تجاهلها لتعقيدات كثيرة مرتبطة بالأوساط الثقافية نفسها. في هذا الواقع كان من الممكن أن يخرج المعرض خارج الزمن، كما أن الذوبان الكامل في التكنولوجيا يحوّله إلى نسخة باهتة من منصات الإنترنت.
المعادلة الدقيقة التي يجب أن يبحث عنها الفاعلون الثقافيون اليوم تقوم على إخضاع التكنولوجيا لخدمة الكتاب وفاعليته. يمكن للمعارض أن تستخدم التكنولوجيا لتوسيع الأثر لا لاستبدال الجوهر. جلسات تتعدد فيها وسائل الوصول، تجمع الحضور الفعلي بالبث المباشر، أرشفة النقاشات بدل ضياعها، منصات رقمية مرافقة للمعرض تتيح استمرار الحوار بعد انتهائه، ومساحات للكتاب الصوتي والرقمي تُقدَّم بوصفها امتداداً للقراءة لا نقيضاً لها.
الهوية الثقافية للمعرض لا تُفقد بسبب التكنولوجيا، إنما تُفقد حين يتحول المعرض إلى حدث بلا معنى، أو إلى احتفال شكلي لا يلامس أسئلة المجتمع. الهوية تُحفظ حين يكون للمعرض موقف من حرية التعبير، من تنوّع الأصوات، من علاقة الثقافة بالواقع الاجتماعي والسياسي. الآن في هذه اللحظة الحرجة من تاريخ المعرفة، نجد أن التحوّل الرقمي لم يعد خياراً أمام معارض الكتاب؛ هو واقع يفرض نفسه على كل حلقة في سلسلة الإنتاج الثقافي. المبدعون والفاعلون الثقافيون في سياقات مختلفة يدركون أن الفرضية أصبحت عن كيفية خدمة التكنولوجيا للكتاب والمعرفة وأهدافهما من منظورهم. الخطر الحقيقي لا يكمن في صعود النشر الرقمي أو السمعي، وإنما في سوء فهم دور المعرض داخل هذا التحوّل. حين يُختزل المعرض في كونه سوقاً للكتاب الورقي، يصبح في منافسة خاسرة مع المنصات الإلكترونية، أما حين يُعاد تعريفه كمساحة تجربة ثقافية، فإن الرقمنة تتحول من تهديد إلى فرصة.
الكتاب الورقي، رغم كل التحولات، ما زال يحتفظ بقيمة رمزية وجسدية لا يمكن استنساخها رقمياً، لكنه لم يعد الشكل الوحيد للمعرفة. القارئ اليوم يتنقل بين الورقي، والرقمي، والسمعي بحسب ظرفه اليومي، لا بحسب ولاء أيديولوجي لشكل معين. الفاعلون الثقافيون الأكثر وعياً يرون أن معارض الكتاب يجب أن تعكس هذا التنوع، لا أن تقاومه.
الاستفادة الذكية من التكنولوجيا تبدأ من توسيع دائرة الوصول. المعارض التي تبقى حبيسة الجغرافيا تخسر جمهوراً واسعاً، خصوصاً في بلدان تعاني من صعوبات السفر أو الهجرة أو النزاعات. البث المباشر، الجلسات ثنائية الوصول الرقمي والفعلي، والمنصات الرقمية المرافقة للمعرض لا تُلغي الحضور الواقعي، بل تمنحه امتداداً زمنياً ومكانياً. هكذا يتحول المعرض من حدث أيام معدودة إلى عملية ثقافية ممتدة.
الفاعلون الثقافيون يرون أن الحفاظ على هوية المعرض يتطلب وضوحاً أخلاقياً وثقافياً قبل أي قرار تقني، وذلك لضمان الحفاظ على التنوع، وحرية التعبير، والحوار العابر للأجيال، كمعرفة حقيقية وليست مجرد أرقام. التكنولوجيا هنا أداة اختبار؛ إمّا أن تعزز هذه القيم، أو تُفرغ المعرض من روحه.
الخلاصة التي تتكرر في هذه الرؤية أن المستقبل ليس صراعاً بين الورقي والرقمي، بل هو بحث عن صيغة تُمكّن المعرض من أن يكون نقطة التقاء بين أشكال المعرفة المختلفة، دون أن يفقد وظيفته الأساسية: خلق لحظة إنسانية مشتركة حول الكتاب والفكرة والسؤال.
المعرض الذي ينجح في هذا التوازن يجمع الضدين: أصالة المحتوى والرسالة، وحداثة الشكل والمبنى. ففي النهاية، لا تُقاس قيمة معرض الكتاب بعدد العناوين المعروضة ولا بحجم المبيعات، بل بقدرته على خلق معنى حيّ ومتجدد للمعرفة. حين ينجح المعرض في أن يكون مساحة لقاء وسؤال وحوار، تصبح الأدوات مهما تنوّعت مجرد وسائط، ويبقى الجوهر هو الإنسان وقدرته على التفكير المشترك وصناعة المعرفة.

ذو صلة