مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

معارض الكتاب.. ترف معرفي

معرض الكتاب، بصيغته التقليدية، قام على فكرة بسيطة مركزها الكتاب الورقي؛ القارئ يزوره، والناشر يعرض إنتاجه في مساحة مؤقتة. هذا النموذج كان منطقياً في زمن كانت فيه المعارض إحدى القنوات القليلة للوصول إلى الكتب والكتّاب. اليوم لم يعد السؤال إن كان معرض الكتاب سيستمر، بل بأي معنى وبأي دور. في عالم لم تعد فيه المعرفة حبيسة الورق، ولا اللقاءات مقيدة بالزمان والمكان، تغيّر العالم جذرياً، ولم يعد القارئ ينتظر المعرض ليشتري كتاباً أو يسمع باسم كاتب. هنا تبرز أمامنا ضرورة الإجابة عن سؤال مدى صلاحية معرض الكتاب.
لربما بات من الضروري تفعيل طرق حداثية من أجل الترويج للكتاب الورقي، إذ لا يمكن إنكار تأثيرات الرقمنة وما تعد به من تسهيلات لقارئ كسول في زمن سمته التسارع والتعجل. الكتاب المتخصص بدأت مكانته تتزعزع لدى النخبة، وصرنا نشهد عزوفاً كبيراً عن القراءة بين أعضاء هيئات التدريس وطلبة الجامعات بسبب هذه التغيرات، فما بالك بالقراء العاديين. وهو ما يجعل من استدعاء مصطلح (تعفّن الدماغ) (Brain Rot) أو تآكل الدماغ ممكناً، حيث يدل، حسب قاموس أكسفورد، على تدهور الحالة العقلية أو الفكرية للفرد داخل مجتمع استهلاكي يتابع مواداً تافهة أو غير محفزة فكرياً، وهو ما يؤدي إلى خمول عقلي وعدم القدرة على التركيز والتفكير العميق، ومع هذا الابتلاع الرقمي وجدت بعض المعارض بعض الحلول التي تسهم في التخفيف من حدة هذه الظاهرة، كإنشاء منصات رقمية وتطبيقات تابعة للمعارض من قبل بعض وزارات الثقافة في عدد من الدول العربية، كمنصة سماوي وتطبيق توت في مصر، من أجل تسهيل وصول الإصدارات الورقية الجديدة إلى القراء، وهو ما يمكن عده دعماً كبيراً للمعارض ولدور النشر المختلفة.
إن القارئ الجديد يعاني احتباساً عقلياً، لذلك يسارع إلى ما يتيحه الذكاء الاصطناعي من ملخصات للكتب وما ينجزه من دراسات وقراءات حول مواضيع مختلفة، بل ويمكن القول عنه إنه فاقد للشغف المعرفي، ونظراً لتغير ذائقته القرائية من خلال الاهتمام بالسطحي والتافه واليومي وغير العميق والمبتذل، وكذلك الجاهز والمريح الذي لا يثير قلقاً معرفياً ولا أسئلة عميقة، تم الإعلان عن موت القارئ في عصر النهايات الذي أعلن عن موت كل شيء بما فيها القيم والتقاليد القرائية، لذا صار يُنظر إلى معارض الكتاب على أنها ترف معرفي وليس فرصة لتوسيع المدارك وللإضافة، وهو ما استوجب إعادة النظر في طرق العرض من أجل التحفيز بدل إشاعة خطاب التبخيس بصيغته الاتهامية التي تزيد من الجفوة إزاء كل ما هو مقروء.
يواجه الناشر العربي تحديات كثيرة تسهم في خفض نسبة المقروئية وفي العزوف عن اقتناء الكتب، من بينها ارتفاع تكلفة الكتاب بسبب قلة دعمه من قبل الحكومات ووزارات الثقافة وكذا وزارات التعليم العالي، ناهيك عن عدم وجود موزعين في مختلف الدول العربية، وهو ما يجعل الكتاب حبيس مكتبات قليلة في بلد النشر، ويحبط كل المساعي البحثية والتأليفية حينما يصطدم بالسؤال عن مستقبل الكتاب ولمن نكتب. كما أن الرقابة الثقافية والسياسية تسيء إلى المقروئية في سبيل خلق جيل مدجّن، من خلال تغييب الحوار المعرفي وإقصاء الكثير من الأعمال الفكرية تحت ذريعة مخالفة الذوق العام أو النظام أو الإساءة إلى الشخصيات أو إلى السلطات أو المساس بالأمن وضرب الاستقرار والتشجيع على نشر الاضطراب، فبسبب هذه التهم الجاهزة غابت الكثير من العناوين المهمة عن معارض الكتاب العربية، بل وغابت معها أي فرص للتعاون المعرفي وخلق شراكات دولية يمكن أن تكون وسيلة لتخفيف عزلة الكتاب وتحفيز القارئ.
بعض التجارب العربية نجحت في الدفع بالقارئ نحو مزيد من التفاعل، وذلك بفضل سياسة تنظيمية تسهل عملية الوصول إلى الكتاب، إذ تم اعتماد منصات رقمية وتطبيقات مختلفة في مصر تساعد على الاقتناء وتذلل الصعوبات، أهمها منصة (كتابي جديد) تحت رعاية وزير الثقافة في الدورة 56 من معرض القاهرة الدولي للكتاب، هدفها وصول الإصدارات الحديثة بسهولة إلى القراء وتعزيز القراءة الرقمية في العالم العربي. هذا إضافة إلى منصة (سماوي) التي تدعم النشر الذاتي، وغيرهما من المنصات والتطبيقات التي يمكن أن تكون نموذجاً يُحتذى، وقد شهد صالون الجزائر الدولي للكتاب، الجزائر (سيلا)، حضوراً كبيراً للمنصات الرقمية مثل (المكتبة الرقمية) وEkoteb وONPU (المطبوعات الجامعية) وسيديا، إضافةً إلى منصات أخرى خاصة بالمفكرين والأدباء الجزائريين والعرب، وتركيزاً على التكنولوجيا في عرض الكتب والمحتوى الرقمي، والأمر ذاته ينطبق على معرض الدوحة الدولي للكتاب الذي اعتمد على تطبيقات مثل (سنون) لتوصيل الكتب.
هناك تجربة طريفة وجديدة كذلك تمت في إطار أكاديمي، تمثلت في معرض الكتاب الإلكتروني عن بعد، الذي أقيم العام الماضي في جامعة سطيف بالجزائر، إذ يعد تجربة مهمة، حيث هدف القائمون عليه إلى إثراء مكتبة الجامعة الرقمية بأحدث وأهم الإصدارات العلمية والتقنية، لذلك تم توجيه دعوة مرفقة بنموذج قوائم الكتب المحددة إلى الناشرين ومستوردي الكتب الإلكترونية، وهو ما عده البعض فرصة للناشرين المتخصصين في الكتاب النخبوي من أجل عرض أحدث إصداراتهم أمام هيئة تدريس الجامعة وباحثيها وطلبتها.

ذو صلة