لقد شكلت جائحة كورونا نقطة تحوّل كبيرة في مسيرة الحضارة البشرية، على مستويات مختلفة، صحية وسياسية واقتصادية وسيكولوجية وثقافية؛ لكن واحدة من أبرز نقاط التحوّل تلك، هي إحداث تغيير في قواعد علم الاجتماع التي كانت قد قرّت وترسخت لأزمان طويلة، ففجأة وجد الإنسان نفسه معزولاً عن العالَم، حتى عن أقرب الناس إليه. وقد طالت هذه العزلة، من ضمن ما طالت، معارض الكتب التي دأب العالم العربي على تنظيمها منذ منتصف القرن العشرين. فمعارض الكتب، بما هي أداة من أدوات تحصيل المعرفة، لا سيما ما تحمله من عرض كتب كثيرة وجديدة في مكان واحد، وهو ما يمكن أن يختصر وقت الباحث والدارس وطالب العلم بشكل كبير؛ تعرضت هي الأخرى إلى حالة من العُزلة، أو تمّ الحَجْر على إقامتها إبَّان تلك الجائحة. أي أن هذه الأداة تم تعطيلها، لكنها عادت وتعافت بعد أن مرت أزمة العزل التي فرضتها كورونا، وتمت إقامة معارض جديدة للكتب في معظم الدول العربية.
ومع كورونا بدأت عُزلة من نوع آخر، أو رحيل في أزمنة الأمكنة، أي تمّ الرَّحيل من العالَم الواقعي إلى العوالم الافتراضية في كثير من مظاهر الحياة التي اعتاد الناس عليها في الواقع، إذ نشطت كثير من المواقع والتطبيقات التي سهلت لقاء الناس في العوالم الافتراضية، بعد أن تعثَّرت لقاءاتهم في العالم الواقعي، بسبب إجراءات الحجر والعزل. وكان من ضمن تلك اللقاءات الافتراضية الندوات والمؤتمرات والنقاشات المتعلقة بالكتب، أي أن توقُّف معارض الكتب لم يُؤثر، في الظاهر، على تحصيل المعرفة. صحيح أن إحدى أدوات تحصيل المعرفة تعرّضت للتعطيل، وإن بشكلٍ مؤقت، لكن تحصيلها لم يتوقف، بل تعزَّز مع وجود أنماط أخرى من الكتب، كالكتب الرقمية والكتب المسموعة...إلخ.
إنَّ ما أحدثته جائحة كورونا ترافق مع وفرة تكنولوجية كبيرة، طرحت معها إشكالات جديدة، لكنها حملت بين طياتها آمالاً وآفاقاً جديدة أخرى. ففي الوقت الذي تتعرض فيه البنى التقليدية إلى ضغوطات كبيرة تصل إلى حدّ الإلغاء؛ فإنَّ كثيراً منها أعاد إحياء نفسه بطرقٍ مُتعدِّدة، كالراديو والتلفاز. وإذا شئنا حديثاً أكثر خصوصية فيما يتعلق بموضوعنا في هذا المقام؛ فإن الحديث عن الكتاب وصناعته ونشره مثال حيّ على ذلك. فمنذ آلاف السنين والصيغ الورقية أو الصيغ المحسوسة هي السائدة في صناعة الكتاب ونشره، وما زالت هذه الصيغة قائمة حتى الآن، حتى في أكثر الدُّول تقدماً واندماجاً على مستوى التطبيقات التكنولوجية. لكن ذلك لم يمنع صناعة الكتاب من مواكبة هذه التطورات التكنولوجية، وهو ما وفَّر الجهد والوقت، لا سيما لأولئك الذين لا تسمح ظروفهم الجغرافية (بسبب البُعد المكاني)، أو لا تسمح ظروفهم المعيشية أو المالية؛ بالذهاب إلى معارض الكتب التي تُقام عادة في عواصم الدول، الأمر الذي يصبح أكثر صعوبة على سكان الأطراف والمناطق البعيدة. لهذا برزت أسئلة على غرار: هل أثّرت التكنولوجيا الحديثة على معارض الكتب، لناحية طباعة الكتب بالطرق التقليدية من جهة، وعلى حمل الكتب إلى مسافات كبيرة، لغاية إقامة معارض الكتب من جهة ثانية؟
لا شكّ، فيما يتعلق بالشق الأول من السؤال، أنَّ التكنولوجيات الحديثة والتطبيقات أثّرت على صناعة الكتب التقليدية، لكن معظم الكتب الإلكترونية لها أصول ورقية، أي أن السطوة الإيجابية للكتاب الورقي ما زالت قائمة حتى اللحظة، لكن إلى أي حدّ يمكن أن يستمر هذا الوضع، لا سيما مع توافر تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي أصبحت تشكّل هاجساً قوياً ليس في عالم النشر فحسب، بل وفي عالم التأليف أيضاً. وهذا ما يضعنا أمام الشق الثاني من السؤال، أعني عن أثر التكنولوجيات الحديثة على معارض الكتب التي تُقام بالصيغ التقليدية، لناحية الاستمرار في إقامة معارض الكتب بالكتب الورقية، مع ما يستلزم نقلها من بلد إلى بلد، مرهون هو الآخر بعملية نشر الكتاب، هل سيستمر نشر الكتب بالصيغ الورقية، أم سيطغى النشر الإلكتروني على عمليات النشر، إلى حد إلغاء النشر الورقي؟ أم أن الأمر سيذهب إلى نوع من التوازن بين النشر الورقي من جهة والإلكتروني من جهة ثانية؟ أم سيبقى النشر الورقي هو السائد والمسيطر؟
باعتقادي أن كل إجابة من الإجابات السابقة، هي إجابة صحيحة من زاوية ما، لكن مع عدم إقرارها بشكلٍ كامل، وذلك لسببين:
الأول: لعدم التوافر على كمٍّ كبيرٍ من المعلومات والبيانات والإحصاءات التي يمكن البناء عليها، بطريقة منطقية، من أجل الوصول إلى نتائج مقبولة علمياً. وهذا ناشئ بطبيعة الحال عن ماهية البحث في المادة المدروسة، فالنقاشات والجدالات والحوارات حول طبيعة التكنولوجيات الحديثة وتأثيرها، (سلباً/إيجاباً) على عمليات نشر الكتب؛ لم تنشأ إلا في السنوات الأخيرة، لا سيما بعد جائحة كورونا والحضور القوي والفاعل لكل ما هو افتراضي، على حساب ما هو واقعي وملموس.
الثاني: لتعارض ذلك مع أي منهج علمي، فالمعرفة الحقّة هي التي تبحث وتدرس المُقدمات، بانتظار الوصول إلى نتائج، وحتى لو وصلت إلى نتائج فإنها مؤقتة وغير حتمية؛ إذ يمكن أن يتحصل الباحث أو الدارس على معارف أخرى تُبطل تعميم نتائجه الأولية. وما يزيد هذا الأمر صعوبة هو عدم التوافر على معلومات كافية للخروج بمعرفةٍ أقرب إلى الحقيقة.
وعليه، فإن أسئلة من نوع:
أي مستقبل لمعارض الكتب الورقية، ليس في العالم العربي فحسب، بل في العالَم أيضاً؟
أي مستقبل للكتاب الورقي في ظل سطوة تطبيقات تكنولوجية على درجة عالية من القوة والكفاءة؟
أي مستقبل للحيز المكاني الواقعي وفي أوقات بعينها، في ظل حضور قوي لأمكنة افتراضية معوَّمة الأزمان؟ ...إلخ؛
هي أسئلة في غاية الأهمية، إذا ما تعدَّدت الإجابات عنها، ومن زاوية مختلفة، مثلاً:
نفسية، حول مدى تعلُّق الإنسان، على المستوى الوجداني، بمُنتج ورقي محسوس لكتابه؟
اقتصادية، حول كُلف النشر الورقي، مقابل كُلف النشر الإلكتروني.
اجتماعية، حول مدى توطين الكتاب الإلكتروني في بيئاتنا العربية، لا سيما أن الكتاب الورقي يبدو غريباً إلى حد ما في هذه البيئات، إلا عن بعض الفئات بعينها؟
سياسية، حول سُبل منع كتب بعينها، لا سيما مع إمكانية نشرها خارج المكان الذي يخضع لسلطة سياسية بعينها.
فمثل هذا النقاشات، ستُثري الحالة المعرفية وتُعزِّز مكانتها في المجتمعات العربية، لا سيما أنها تُناقش حدثاً معرفياً بامتياز، يتعلق بأحد أهم مصادر المعرفة عبر التاريخ كله، وآليات إبرازه في الواقع المعيش، سواء بحفلات التوقيع أو المعارض أو المكتبات...إلخ. وسيُرافق هذا الإثراء المعرفي، حالة نضوج في الوعي العام، لناحية سلوك طريق البحث والدرس والتقصي، في مناقشة أي قضية، كبيرة كانت أم صغيرة.