مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

الكتاب.. بين الورق والرقمنة

ما إن يُذكر الكتاب وأهميته، في كل المحافل، إلا يتمثل أمام المتحدثين قول المتنبي:
أَعَزُّ مَكانٍ في الدُنى سَرجُ سابِحٍ
وَخَيرُ جَليسٍ في الزَمانِ كِتابُ

ولست أعلم هل خطر ببال أحدنا أن يسطو على بيت المتنبي ويحيل الجليس إلى متصفِّح أو مقطع (ريلز) يظهر على استعجال بين الفينة والأخرى؟!
لا أحد، منا، ينكر هذا القدر الكبير من السهولة والتوفير في الوقت والجهد الذي وفرته لنا التكنولوجيا وتطوراتها، خدمة للباحثين والدارسين على امتداد هذه البسيطة، ولا مجال لإنكار هذا الكم الهائل من الأبحاث والرسائل والدراسات الناتجة عن هذا التطور، كما لا مجال للتشكيك في هذا التراجع في الإبداع الحقيقي، والدراسات البحثيَّة القائمة على امتلاك الأدوات الحقيقية للنقد والبحث، وكل هذه التناقضات وجدت بوجود الطفرة التكنولوجيَّة، ولو قُيِّض لأحدهم أن يرسم تحوُّلاً لهذه الحالة لظهرت كمخطط القلب، بين علو وانحدار!!
من هنا، ومن قبل، حرصت الدول العربية، كما هو العالم، على الكتاب، وربما أُنيط الأمر بوزارات الثقافة لتوجيه البوصلة، وبدور النشر لتبني الفكرة كشريك إستراتيجي أساسي، فكانت معارض الكتاب العربية واحدة من أهم الشراكات العربية في نشر الكتاب، والحفاظ عليه، بل إنَّها (معارض الكتب) أصبحت محافل ثقافية يأتي إليها الأدباء، والكُتَّاب، والمفكرون، والسياسيون، والنقاد، والعائلات.
ولأننا لا نستطيع أن نقف في وجه تيار التكنولوجيا، كان لزاماً على العالم أن ينجرف وراء الرقمنة، تسهيلاً وتيسيراً، غير أن هذه الرقمنة حيَّدت الكتاب ورقياً بعيداً نوعاً ما، وقد لا نبالغ إن قلنا بأنَّ النسبة تراجعت إلى ما يزيد على النصف، فالإنسان بطبيعته ميَّال إلى اليُسر والسهولة والسرعة، وقد وجد ضالته في هذه التكنولوجيا الحديثة، فنأى بالكتاب جانباً. غير أنَّ هذا الأمر أخذ يعود إلى مجراه، حيث برز في الآونة الأخيرة استمرار الدول العربية في تقديم الكتاب ورقياً، رغم تراجع الطلب عليه، وقد شرعت الدول بتقديم الكتاب من خلال معارضها بأسعار رمزية، كما لم يعد هناك من بين الكتب ما هو مسموح وغير مسموح، فالكل متاح للقراءة والبحث والدَّرس، لأن خيار الرقمنة أتاح ذلك.
في الدول العربية، بشكل عام، تشكل معارض الكتب حالة ثقافية فريدة، ينتظرها المجتمع كفعل ثقافي متميز، تباع فيه الكتب، وتقام فيه الأمسيات، وتُنقد فيه القصائد، والروايات، والقصص، ويلتقي فيه الأدباء والمثقفون بعضهم ببعض، وفيها أيضاً تخرج الأفكار من مستودعاتها، سياسية واقتصادية واجتماعية، وحتى تتمكن الدول العربية من إيصال رسالتها، وإضفاء عناية أكبر على معارضها فإنها تختار ضيف شرف للمعرض، على أن يكون خارج إطار الدولة، لإحداث التأثر والتأثير، وتبادل الخبرات، وتقديم الإرث التاريخي والحضاري للعالم.
في المملكة العربية السعودية، أطلقت المملكة، من خلال معرض الرياض الدولي للكتاب 2025، شعاراً كان له أثره في المشاركات العربية والدولية، فحمل الشعار (الرياض تقرأ)، انطلاقاً من إيمانها بأهمية الكتاب، وأهمية أن يكون المجتمع قارئاً مثقفاً. وفي الكويت، وخلال مشاركتي في معرض الكويت الدولي للكتاب في دورته السابعة والأربعين للعام 2024، حيث كان الأردن ضيف شرف المعرض آنذاك، كان المعرض يشكل أيقونة ثقافية حقيقية، ومساحة كبيرة للثقافة، فعلى سبيل الذكر لا الحصر، لم ألحظ خلال زياراتي المتواضعة لمعارض الكتاب في الدول العربية، أن العائلة تقف بمجملها تنتظر دورها لدى دور النشر كما في الكويت، وهذه حالة إيجابية، بالرغم من توفر كافة السبل للحصول على الكتاب إلكترونياً، وفي زمن لا يُنظر إليه إلا بأنه قمة في الطفرات التكنولوجيَّة.
وفي المملكة الأردنيَّة الهاشميَّة، تأخذ معارض الكتب اهتماماً كبيراً جداً لدى الحكومة، من خلال إقامتها سنوياً، كما هي باقي الدول العربية، غير أنَّ الأردن، ومن خلال وزارة الثَّقافة الأردنيَّة، استطاعت أن تؤسس لمشروع ثقافي وطني كبير، حافظ على استمراره وبقائه، رغم الرقمنة وتطورات التكنولوجيا، وقد تمثل ذلك من خلال مشروع مكتبة الأسرة الأردنيَّة، وهو واحد من أهم المشاريع التي تقوم عليها وزارة الثقافة الأردنية، مشروع وطني كبير يقوم على تقديم الكتب للأفراد بأسعار رمزية جداً، الأمر الذي ساعد كثيراً، بصورة مباشرة، في تحقيق الهدف الذي جاء من أجله المشروع، والمتمثل في إيجاد مكتبة في كل بيت، مما أوجد، عبر دورات المعرض السابقة، غير المنقطعة، جيلاً مثقفاً واعياً، وعلى دراية جيدة بالفعل الثقافي الوطني، والعربي، والعالمي.
إنَّ مخاوف العالم مقرونة بهذه الطفرة التكنولوجية، وما الرقمنة إلا غيض من فيض، وليس بمستغرب، في ظل ما يشهده العالم من صراعات ونزاعات وحروب وويلات وعداءات، أن يصحو العالم، ذات يوم، على انقطاع يعيد البشرية إلى عصر التدوين وما قبله، وتبقى الإحاطة والإلمام بأساسيات البناء البشري، هي الركيزة التي ينظر إليها العالم بعين الحقيقة المطلقة.

ذو صلة