مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

معارض الكتاب العربية الواقع والمطلوب والمأمول

لم تعد معارض الكتاب العربية تقف في المكان نفسه الذي وقفت فيه لعقود طويلة. فالعالم من حولها تغيّر بسرعة، وأنماط القراءة تبدّلت، وعلاقة القارئ بالكتاب لم تعد محكومة بالزمان والمكان، كما كانت في السابق. المعرض الذي كان يُنظر إليه بوصفه حدثاً موسمياً ينتظره القراء لاقتناء الكتب الجديدة أو النادرة، بات اليوم مطالباً بأن يجيب عن أسئلة أكثر تعقيداً تتعلق بوظيفته ودوره ومستقبله.
لطالما طُرح السؤال بصيغة متشائمة: هل ستختفي معارض الكتب؟ لكن هذا السؤال، في جوهره، لا يلامس لبّ المشكلة. فالتاريخ الثقافي لا يُدار بمنطق الاختفاء أو البقاء فقط، بل بمنطق التحوّل أيضاً. والسؤال الأكثر واقعية هو: كيف يمكن لمعارض الكتب أن تعيد تعريف نفسها، وأن تجد لنفسها مكاناً في مشهد ثقافي يتغير باستمرار؟
على مدى سنوات طويلة، اعتمدت معارض الكتب على نموذج شبه ثابت: مساحات واسعة تصطف فيها الأجنحة، أرفف مكتظة بالعناوين، ممرات تضيق بالزوار، وبرنامج فعاليات غالباً ما يكرر نفسه من دورة إلى أخرى. في تلك المرحلة، كان لهذا النموذج مبرّره، فالمعرض كان نافذة حقيقية تطل منها المكتبات العربية على ما يُنشر في بلدان أخرى، وكان القارئ يجد فيه ما لا يجده بسهولة في مدينته أو بلده.
غير أن هذا الدور بدأ يتراجع مع اتساع رقعة التجارة الإلكترونية، وسهولة الوصول إلى الكتب عبر المنصات الرقمية، وتراجع الحواجز الجغرافية التي كانت تفصل القارئ عن الكتاب. لم يعد المعرض يحتكر الوصول إلى العناوين الجديدة أو الأجنبية، ولم تعد فكرة (التجميع المكاني) للكتب وحدها سبباً كافياً لجذب الجمهور.
ومع تآكل هذا الاحتكار، بات من الواضح أن النموذج التقليدي لمعرض الكتاب لم يعد قادراً على الصمود طويلاً إن لم يتغير. فالمعرض الذي يكتفي بدور البائع، ويتجاهل التحولات الثقافية والاجتماعية المحيطة به؛ يتحول تدريجياً إلى عبء اقتصادي على الناشرين والمنظمين، بدلاً من أن يكون مساحة دعم وحيوية لصناعة النشر.
ما تحتاجه المعارض اليوم هو أن تقدم قيمة تتجاوز البيع والشراء، قيمة تجعل الزيارة تجربة متكاملة، لا مجرد جولة بين الأرفف. حين يذهب الزائر إلى معرض كتاب، ينبغي أن يشعر أنه يدخل فضاءً ثقافياً حياً: يستمع، يناقش، يلتقي، ويشارك. تجربة لا يمكن استنساخها بالكامل عبر شاشة الهاتف أو الحاسوب، مهما تطورت الوسائط الرقمية.
هذا التحول يفرض إعادة نظر شاملة في تصميم المعارض وبرامجها، فالمساحات المغلقة والممرات الضيقة لم تعد مناسبة لجمهور يبحث عن التفاعل والراحة. والفعاليات التقليدية لم تعد كافية لجذب فئات جديدة من القراء. المطلوب هو التفكير في المعرض بوصفه مكاناً للحوار، لا مجرد (مخزن كبير) للكتب.
في هذا السياق، يبرز الجدل الدائم حول الكتاب الرقمي والصوتي، وغالباً ما يُقدَّم بوصفه خصماً للكتاب الورقي، وبالتالي تهديداً مباشراً لمعارض الكتب. لكن هذا الطرح يقوم على تصور مبسّط للعلاقة بين الصيغ المختلفة للكتاب. فالورقي والرقمي لا يتنافسان بالضرورة، بل يكمل أحدهما الآخر. لكل صيغة سياقها ووظيفتها وجمهورها.
المشكلة الحقيقية ليست في انتشار الكتاب الرقمي، بل في الإصرار على تجاهل الواقع. فالمعارض التي تتعامل مع الرقمنة بوصفها عدواً، تخسر فرصة ثمينة للاستفادة منها. المطلوب ليس التخلي عن الكتاب الورقي، بل دمجه ضمن تجربة أوسع تستخدم التكنولوجيا أداة، لا بديلاً.
يمكن للتقنيات الحديثة أن تفتح آفاقاً جديدة أمام معارض الكتب، من حيث التعريف بالعناوين، وتسهيل وصول القارئ إلى ما يناسب اهتماماته، وتقديم محتوى إضافي يثري تجربة القراءة. كما أن حلولاً مثل الطباعة عند الطلب يمكن أن تقلل من أعباء الشحن والتخزين، وتمنح القارئ إحساساً مختلفاً بقيمة الكتاب، حين يراه يُنتَج أمامه.
في المقابل، يخطئ من يعتقد أن الأجيال الشابة فقدت علاقتها بالقراءة. ما تغيّر ليس فعل القراءة بحد ذاته، بل شكله وأدواته. القارئ الشاب اليوم يتعامل مع النصوص بطريقة مختلفة: يفضّل المحتوى السريع، المرئي، والتفاعلي، ويتنقل بين المنصات بسهولة. وإذا كانت معارض الكتب لا تجذبه، فذلك لا يعني أنه لا يقرأ، بل يعني أن الخطاب الموجه إليه لم يعد مناسباً.
هذا الواقع يفرض على المعارض أن تعيد التفكير في جمهورها المستهدف، بإشراك صناع المحتوى الثقافي، وإتاحة مساحات للبث المباشر، وتنظيم أنشطة تفاعلية ومسابقات رقمية؛ كلها أدوات يمكن أن تسهم في بناء جسور جديدة مع القراء الشباب. كما أن الاهتمام بالتصميم الجمالي، والإضاءة، ومساحات الجلوس والعمل، لم يعد ترفاً، بل هو جزء من إيجاد بيئة يشعر فيها الزائر بالراحة والانتماء.
ولا يمكن الحديث عن مستقبل معارض الكتب من دون التوقف عند وضع الناشر العربي، الذي يواجه تحديات متراكمة في السنوات الأخيرة: ارتفاع أسعار الورق، وتكاليف الشحن، ورسوم المشاركة في المعارض، كلها عوامل تضغط على صناعة النشر وتحدّ من قدرتها على الاستمرار. في هذا السياق، تبرز أهمية الشراكات والتكتلات المهنية التي تسمح بتقاسم التكاليف، والطباعة المشتركة، وتوسيع شبكات التوزيع.
أما مسألة الرقابة، فهي واحدة من أكثر القضايا حساسية في عالم النشر العربي. الواقع الحالي يشير بوضوح إلى أن تشديد الرقابة لم يعد فعالاً في عصر الإنترنت، بل إنه كثيراً ما يؤدي إلى نتائج عكسية، أبرزها انتشار القرصنة وإضعاف صناعة النشر. من هنا، تبدو الحاجة ملحّة إلى مقاربة جديدة توازن بين حرية تداول الأفكار وحماية حقوق الناشرين.
إذا كان لا بد من استشراف ملامح المستقبل، فيمكن القول إن معارض الكتاب العربية تقف أمام مفترق طرق حقيقي. إما أن تبقى أسيرة نموذج لم يعد صالحاً، أو أن تتحول إلى منصات ثقافية شاملة تجمع بين البيع والتجربة، بين الورقي والرقمي، وبين المعرفة والترفيه. المعرض الذي سينجح في المستقبل هو ذاك الذي يفهم جمهوره، ويحترم وقته، ويقدّم له سبباً حقيقياً للزيارة، يتجاوز فكرة شراء الكتاب إلى عيش الثقافة نفسها.

ذو صلة