علـــى الرغــــم مـــن أن فيلــــــم La vita è bella (الحياة جميلة) تدور أحداثه أيام الحرب العالمية الثانية، وتتخلله أحداث الهولوكوست النازي، إلا أن القصة والحكاية يمكن نزعهما تماماً من هذه الفترة التاريخية ووضعهما في أي فترة زمنية أخرى، المهم أن يكون هناك سجن يحتوي الأب والابن والأم معاً.
فالفيلم إنساني بالدرجة الأولى، وقضيته عامة، يمكن الاستعانة بها في أي مكان من العالم، ونزع جنسية البطل، ووضع أي جنسية أخرى مكانه لن تؤثر كثيراً في مدار أحداث الفيلم، وهو ما يعطي للفيلم طابعاً عاماً بعيداً عن خصوصية القضية كنوع من التعزيز لها، أو التعاطف معها، لكن في النهاية تبقى حالة هذا الأب المتفرد، أب من أي جنسية، يمكن أن يفعل ذلك من أجل جمال الحياة، ومن أجل أن يكون ابنه سعيداً.
نحن نشاهد فيلماً يفعل الكثير بالكوميديا، وعلى الرغم من أن اسمه (الحياة جميلة) يشعرنا بالرومانسية والرفاهية، إلا أن تجاوزنا لعتبة الفيلم تجعلنا نشاهد الأمور بصورة مغايرة، فنحن نرى شخصاً يُحوِّل كل أمور الحياة المعقدة إلى نكتة، شخص قصته مليئة بالعجائب والسعادات، من واقع خياله الخصب، الذي لا تقف أمامه أي عوائق.
بلا فرامل
من خلال بداية ممتعة لصديقين ينطلقان بالسيارة يرددان الشعر: «لن أستطيع المقاومة أكثر، سأرحل إلى باخوس، ليأخذوني، الفرامل انقطعت، الفرامل انقطعت» ونظن أنه ما يزال يردد الشعر، إلا أننا نفاجئ بأن السيارة الآن منطلقة بلا فرامل، ويبدأ الفيلم بلا فرامل توقف الضحك والسعادات والخيالات والرقي النفسي التي يحققها للمشاهد، وتبدأ جموع الناس في استقباله بالزهور على أنه الملك، وهو لا يستطيع أن يُوقِف السيارة، ويأتي الملك خَلْفَه ويستقبله الناس استقبالاً فاتراً، هل هذه دلالة بأن هذه الشخصية على المستوى الإنساني والتي تمنحنا السعادة الرائقة أهم من ملك يمر ولا يمنحنا سوى نظرة جانبية بعظمة زائفة؟ ربما.
مفاجآت مدهشة
يدور الفيلم مع مجموعة من المفاجآت التي يستخدمها (جيدو) بمهارة، وتربط القصة بين الأحداث ببراعة، فالدبابة التي يلعب بها الطفل لها دور أساسي، وللطبيب الذي يأكل في المطعم بالمصادفة، والعَلَم الذي يحمله المفتش، والبيض الذي أخذه (جيدو) من المزرعة، القبعة التي سرقها، المفتاح الذي تلقيه ماريا، كل تفصيلة في الفيلم لا تترك لك مجرد التساؤل عن سبب وجودها، فسوف يتم استخدامها لا محالة، حتى الحصان الذي تم دهنه بالأخضر وكان يمكن أن يمر دون سبب، كل شيء موضوع مكانه بعناية، جاء الفيلم غاية في الإحكام السردي، ونجح المخرج في توصيل هذه الترابطات بين الأشياء ولم تفلت منه، بل جعلها مشوِّقة، فاستحق بجدارة أن يحصل على جائزة أوسكار لأفضل فيلم باللغة الأجنبية، إلى جانب أنه حصد جائزة سيزر لأفضل فيلم أجنبي، وجائزة مهرجان كان.
في مفاجأة حميمة تسقط ل(جيدو) الفتاة (دورا) من غرفة علوية، يبدأ معها (جيدو) حكايته، فهو يسميها الأميرة، ويصر طوال الفيلم أن يفاجئها في مواقف سعيدة ويظهر لها فجأة وهو يردد: «صباح الخير أيتها الأميرة» هذه الجملة تتكرَّر مرات عديدة في الفيلم على فترات تطوُّر العلاقة بين (جيدو) وزوجته وحبيبته (دورا)، فعلها حتى ليلة خطبتها من شخص آخر، فكتب على (التورته) نفس العبارة، وفاجأها بها مرات عديدة، وحفظها طفلهما، فصار يفاجئ أمه من آن لآخر وهو مختبئ لها: «صباح الخير أيتها الأميرة» حدثت بينهما مصادفات عديدة بما يوحي بأن القَدَر تدخَّل لجمع شمل هذا الإنسان المَرِح، والذي لديه خيال واسع وابتسامة رائقة، حتى إنه يرى الحياة جميلة في كل الأحوال، يردد: «إن هذا المكان جميل جداً، إنه ساحر تماماً، الحمامات تطير، والنساء تسقط من السماء، كيف لي أن أغادر غداً».
أغنية في السجن
من أجل حبيبته صنع أمراً ساحراً، فقط كي يسعد فؤادها، لقد فَرَدَ السجادة الحمراء التي تخص الملوك والرؤساء للسير عليها، في قسوة المطر، كان يستخدم معها المعلومات البسيطة التي يعرفها ليقنعها بغاية الظرف أنه متصل بالسماء، وأن السماء تستجيب لدعواته، كان يحاول أن يجعل كل فعل إنساني يتسم بالمحبَّة والشوق إلى الضحكة.
في لقطة شاعرية داخل السجن، قام بتشغيل الجرامفون على أغنية تحبها زوجته، لقد جعلنا المخرج نستشعر حالة العشق والتَّحنان بين الزوج وزوجته، وكأنهما الآن أمام بعضهما يسمعان نفس اللحن، لقد برع كل من روبيرتو بينيني ونيكوليتا براشي في توصيل حالة الحب عن بعد، فهما يسمعان نفس الأغنية في الوقت ذاته، لقد أخرجتنا هذه اللحظة الفارقة من جو السجن الرهيب، وأعطتنا لحظة نتنفَّس فيها بعمق المحبة.
انظري لي
استطاع الممثل روبيرتو بينيني والذي قام بدور (جيدو) أن يشعرنا بمدى عشق (جيدو) للمرأة (دورا) التي يحبها في لقطة في غاية الظرف داخل المسرح، كان يعطي لخشبة المسرح جانب وجهه، وينظر لأعلى حيث تجلس حبيبته (دورا)، وحين انتبهت المرأة التي بجانبه لغرابة ما يفعل، والتي ظهرت هذا الظهور الوحيد في الفيلم، أخبرها بأنه لا يسمع سوى بأذنه التي يوجهها للمسرح، كان مشهداً كوميدياً خالصاً، تحوَّل فجأة لمشهد غاية في الرومانسية الشفَّافة، لقد ظل (جيدو) يردد بكل هدوء وهو يهمس بكامل حواسه: «انظري لي يا أميرتي».
استديري، استديري
كان وجه (جيدو) الضاحك دائماً ممتلئاً بالحب والعاطفة، ولمَّا انتقلت الكاميرا إلى وجه محبوبته (دورا)، كدنا نصرخ كمشاهدين: انظري له، إنه يريدك وكأنَّ همسه تسرَّب عبر الهواء ودخل قلبها مباشرة وكأنها سمعت، وإذا به يستخدم حركات يده كمشعوذ يريدها أن تنظر إليه بأي وسيلة، في فرح رائع مع تقاطع شاعرية وجهه، أنت كمشاهد تصيبك الربكة، هل تضحك من حركات يده المشعوذة؟ أم تتفاعل مع أحاسيسه؟ لقطة رائعة في مشهد مميز: «استديري، استديري» وتلتقي العينان في لحظة فارقة من حب صامت، في الوقت نفسه تستدير له المرأة التي بجانبه وكأنها استشعرت همس الحب منه، وتعود الوجوه متجهة لخشبة المسرح لنشاهد عرضاً آخر على خشبة المسرح وقد امتلأنا نشوة وسحراً.
صوت روبيرتو بينيني مليء بالفرح، وجهه لا تغادره الابتسامة، كأنَّ النور يخرج من داخله البهجة للعالم، مجرد وجوده وطلته على الشاشة يشع البهجة، وفي الفيلم يشع البهجة على من حوله، إنه طاقة فرح، يمنح الضحكة والبسمة الرائقة، يشع نور السعادة، إنه يصرخ: «كل شيء جميل هنا».
حصان أخضر
يتحدَّث (جيدو) بسرعة، ويتحرَّك بسرعة، جسده لا يحوي أي شحوم، ربما تتوقَّع أنه ضعيف البنية، لنحافته، لكن روحه المرحة تجعلك تظن أن بإمكانه أن يتحمَّل ما لا يستطيع تحمُّله غيره، حركته تنم عن السعادة المفرطة، سعادة داخلية. هو نفسه كان يفخر بجسده أمام مجموع التلاميذ، يقول: «أين يمكنكم أن تجدوا شخصاً وسيماً أكثر مني، فأنا شخص كمثال للجنس الإيطالي» فعل ذلك وهو ليس وسيماً بالمرَّة، لكنه في النهاية يشع طاقة.
اللحظة التي رأيت في عين (جيدو) شيئاً من الحزن والحيرة حين علم أن حبيبته (دورا) سيتم خطبتها، كانت تعبيرات وجهه قوية بما فيه الكفاية بأن يسقط على الأرض، كان حزيناً جداً، حتى إننا أردنا أن يَفْسد الزواج، فلم يحرمنا المخرج من دعواتنا وكان لقاؤهما تحت المنضدة كافياً بغسل الحزن عنا، كانت تريده وكان يريدها، وأخذها على حصان أخضر وسار بها وسط الجمع في مشهد يجمع بين الكوميديا والبطولة، مشهد يبعث راحة نفسية للمشاهد.
الممثل روبيرتو بينيني هو نفسه المخرج والمشارك في كتابة السيناريو، استحق بجدارة أن يحصل على أوسكار أفضل ممثل عن هذا الفيلم.
هدف الحياة... طفل سعيد
في لحظة القبض على (جيدو)، وضع على شفتي طفله ابتسامة، عندما سار بطريقة عسكرية أضحكت طفله ولم تجعله يتساءل لماذا يتم أخذ أبي بهذه الطريقة العنيفة.
ينقسم الفيلم لمرحلة ما قبل زواج (جيدو)، وما بعد زواجه وإنجابه ابنه، في المرحلة الأولى، يحاول أن يجد البهجة الخاصة لنفسه، وسط كل الظروف المحيطة به، والقاسية لدرجة الفكاهة، يحاول أن يُحَوِّل كل ما هو قاسٍ وعنيد إلى ضحكة مرسومة على وجهه، وربما انتقلت للوجوه حوله، يستخدم الابتسامة والضحكة ليحرِّر كل ما يمر بحياته من منغصات.
عندما يتزوج يكون غرضه أن يسعد زوجته وطفله، يتحمَّل كل الضغوطات النفسية من أجل أن يجعل اللحظات القاسية التي يقضيها طفله معه في المعتقل لحظات سعيدة، يحاول أن يزيح عن طفله المعاناة التي هو فيها بزرع ابتسامة داخله، عن طريق إدخاله في لعبة خيالية، لا يراها غيره، فيرى الطفل السجن لعبة، ويرى الجنود الذين يأمرون بشدَّة شركاء في اللعبة، ويرى الحرمان من الطعام داخلاً في اللعبة، يرى كل الأمور من منطقة اللعب، إنه يريد لطفله ألا يكون حزيناً، يريده أن يرى الحياة جميلة، فهي جميلة بالفعل.
رسالة للابن
في عيد ميلاد الطفل، يتحوَّل الأب لروح تعاني، فقد أخذوه هو ووالده وطفله ولحقت بهم زوجته عن رغبة خالصة منها، وحبسوهم داخل سجن، كان كل هَمّ (جيدو) أن يبعد تفكير ومشاعر ابنه عن حقيقة ما يحدث، كان يكتم داخله هذه المعاناة، وتخرج منه ابتسامات ممزوجة بالمرارة الداخلية، حالة مزدوجة بين المعاناة الداخلية وظهور سعادة كاذبة على الملامح تحتاج لممثل بارع كي يوصلها إلينا، حالة قاسية تستلزم ازدواجية المشاعر والتعبير، نجح روبيرتو بينيني في أن يجعلنا نشعر بأن الأب يتفطَّر قلبه وهو يضحك، يخبر ابنه أنهم ذاهبون لمكان عيد ميلاد مفاجأة، وهو لا يدري أين يذهب، يضحك وفي عينيه مشاعر غضب وحسرة وتساؤلات، وفي السجن يقنع طفله بأنهم يلعبون لعبة، ويتجاوب الابن مع لعبة السجن الحقيقية، والأب يعتصر داخله ويستهلك كيانه حتى لا تفلت منه آهة واحدة أمام طفله، كل ذلك من أجل أن تستمر براءة الطفل كما هي، وتستمر ابتسامته العذبة دون جرح من هذا الواقع الحاد، وأعطانا روبيرتو بينيني مشهداً كوميدياً بارعاً استطاع تمثيله بمهارة فائقة، حين قام بترجمة كلام الجندي الألماني، لقد حوَّل الخطاب كاملاً كرسالة لابنه، وأعطانا لحظة معاناة تحريف الترجمة بتعبيرات متقنة.
لقد ربحنا
حين يصل لابنه معلومات عن حرق الناس وتحويلهم إلى أزرار وصابون، بذل مجهوداً خرافياً حتى انتزع ابتسامة من طفله.
و(جيدو) يذهب مع الجندي للموت، كان يعلم أن ابنه داخل الصندوق يراه، فصنع حركة أضحكته، وضحك الطفل فعلاً، حتى سمعنا ضحكته من داخل الصندوق، لقد مات وترك على وجه ابنه ابتسامة وضحكة رائقة، هذا هو كل ما أراده.
وفي النهاية ركب الطفل الدبابة وصرخ لأمه: «لقد حصلنا على دبابة حقيقة، لقد ربحنا»، ربحت الابتسامة، واكتسب العالم طفلاً سليم النفس، بفضل والد ضحَّى بنفسه من أجل ابتسامة طفله.