مجلة شهرية - العدد (592)  | يناير 2026 م- رجب 1447 هـ

وقفات مع فن الكوميكس

يُعد الكوميكس الفن التاسع، وهو مزيج ابتكره الفنانون ما بين السرد القصصي والصورة. ويهدف إلى تقديم قصة متكاملة من حبكة وشخصيات وتطور صراع وصولاً للحل، ولكن من خلال عدد من الصور المتتالية التي تتخللها فقاعات تخرج من فم الشخصية لتخبرنا بشيء. لا يخبرنا الحوار وحده بما يجري، بل تقع على عاتق الصورة المهمة الأكبر في إيصال الفكرة، إلى حد أنه يوجد كوميكس صامت لا نستخدم فيه حواراً على الإطلاق، إذ تقوم الصورة وحدها بمهمة سرد القصة كاملةً.
وإن عدنا للمعنى الكلامي للمصطلح، فكلمة كوميكس تُقسَّم إلى جزءين: كوميك (Comic) وإستريبس (Strips)، أي الشرائط أو الصور المضحكة، ذلك لأن غايتها كانت في بداياتها الضحك والنقد اللاذع والسخرية، لا سيما في المجالين السياسي والفني.
يعود فن الكوميكس الحديث المتعارف عليه حالياً إلى القرن التاسع عشر، ومن بعده صدرت المجلات في بدايات القرن العشرين بعد الحرب العالمية الثانية، واتخذت من قصص الكوميكس وسيلة للتعبير عن الأفكار السياسية. ثم اتخذت قصص الكوميكس منحى ترفيهياً مع ظهور تيمة الأبطال الخارقين، مثل شخصية سوبر مان عام 1938، ومن بعدها الكثير غيرها. أما في العالم العربي، فكانت مجلة (روضة المدارس) في مصر من أوائل المجلات التي نشرت قصص الكوميكس، وذلك عام 1870. وإن أردنا العودة بالماضي أكثر، فسنجد أن الكوميكس كان موجوداً منذ بداية التاريخ، فنرى الصور على جدران الكهوف تسرد لنا حكايات شعبية أو سياسية أو حتى طبية، ولعل أبرزها رسوم الحضارة الفرعونية. ففي البدء كانت الصورة، ومن بعدها ظهر الكلام، ليأتي فن الكوميكس ليمزج بين الاثنين على شكل فن تصويري سردي محكم يقدم قصة متكاملة. ولم تبخل علينا اليابان بتقديم رؤيتها للفن التاسع، فقدمت قصص المانغا التي تعود لما قبل القرن الثاني عشر وما زالت مستمرة حتى يومنا هذا.
الكوميكس المترجم
كانت مجلة (سندباد) أول من ترجم الكوميكس الغربي للغة العربية، ومعها مجلة سمير، وذلك في الخمسينات. ومن الاختلافات التي نجدها بين الكوميكس الغربي ونظيره العربي، الاختلاف على مستوى الفكرة، فعند الغرب ترتكز فكرة الكوميكس في أغلب الأحيان على الكوميديا والسخرية، أما عند العرب، فالكوميكس يحوي غالباً عبرة أخلاقية، لا سيما في أدب الطفل.
وثمة اختلاف ثانٍ بين الكوميكس الأجنبي والعربي، وهو أن الجمل والحوارات عند الغرب طويلة، بينما يلجأ المؤلفون العرب لاختصار الجمل والاعتماد على الصور أكثر. أما الكادرات عند الغرب فهي كثيفة، بينما هي عند العرب قليلة. وطبعاً الكادرات عند الغرب تبدأ من اليسار، وعند العرب تبدأ من اليمين.
أمثلة عن كوميكس غربي
ميكي وأستيريكس، تان تان، سوبر مان وباتمان ومارفل وكل الشخصيات الخارقة، إضافةً للمانغا الياباني.
ومن المؤسف أن حركة الترجمة في مجال الكوميكس ما تزال تخطو خطاها الأولى، وذلك بسبب تردد الناشرين في تكليف المترجمين بأعمال الكوميكس الحديثة بعيداً عن الكلاسيكيات التي ترجمت منذ زمن بعيد. فالساحة العالمية تفيض بأعمال غربية جميلة تستحق أن تُنقل إلى العالم العربي على أيدي مترجمين أكفاء، وذلك بعد حصول دور النشر على حقوق الترجمة من الكاتب الأصلي للنص. ومن المرجو أن تكون حركة ترجمة الكوميكس في الاتجاه المعاكس أيضاً، أي أن تُترجم قصص الكوميكس العربية للغات أجنبية كي يطلع الغرب على الفكر والرؤية العربية للفن التاسع.
خصوصيات الكوميكس
من الأمور التي ينفرد بها الكوميكس تقسيم المشاهد والتسلسل المنطقي للحدث. من الضروري أن نعرف من البداية المساحة المتاحة لنا أثناء كتابة الكوميكس، فنحدد عدد الكادرات التي سنكتب داخلها.
التنوع في إيقاع المشاهد ما بين بطيء وسريع وصادم، والتقنيات مثل الفلاش باك والزووم أوت أو الزووم إن، والبار، إضافة لمعرفة منظور المشهد مثل منظور النملة ومنظور عين الصقر، وغيرها من الأمور التي تسهل على الرسام معرفة ما يريد الكاتب. بالنسبة للبار، يمكن اعتباره يتكلم بلسان الراوي. فعندما لا تسعفنا الصورة في إيصال فكرة ولا يمكن أن تقال هذه الفكرة على لسان الشخصيات، نضع بار وهو مربع صغير في أعلى الرسمة ونكتب فيه المطلوب. وغالباً ما تبدأ قصص الكوميكس بكادر عريض يعطي القارئ صورة عامة للزمان والمكان والموقف، الذي يتم شرحه في هذا المربع أو المستطيل المسمى بار.
النكتة
توقيت النكتة مهم، وفي الغالب يكون في نهاية الكوميكس، حيث يتم إيصال الفكرة المطلوبة للقارئ، فتكون النهاية هي ذروة الدعابة. ومن الممكن إدخال أحداث مضحكة أثناء الصراع ومحاولات البطل الوصول لمبتغاه.
ويتراوح حجم قصة الكوميكس ما بين قصة قصيرة لا تتجاوز الكادرين، وصولاً إلى قصة طويلة تحوي ستين كادراً. كما يمكن تقديم قصة كبيرة الحجم من خلال تقسيمها على دفعات وتقديمها على شكل سلسلة تنشر في المجلات المتاحة.
من خصوصيات الكوميكس أنه يختلف عن القصة المصورة من حيث نوعية السرد، إلا أننا نجد دوماً صلة وصل بين خيال الروائي والرؤية البصرية لدى كاتب الكوميكس. وقد ظهرت مبادرات حثيثة تهدف لتحويل الأعمال الروائية الكبرى مثل روايات نجيب محفوظ وجورج أورويل.. وغيرهما إلى قصص كوميكس، لكن الأمر ليس بهذه السهولة بسبب تقنيات الإخراج المعقدة المتعلقة برسومات الكوميكس، ناهيك عن التكلفة العالية التي تجعل الناشر يتردد قبل الخوض في مشروع كهذا.
أما عن علاقة الكوميكس بالسينما، فيمكن اعتبار أن الكوميكس قد مارس لفترة زمنية طويلة دور مصنع الأفكار لدى صناع السينما. فنجد عدداً لا بأس به من الأفلام الخاصة بالأبطال الخارقين، التي تعرض في دور السينما، قد أتت في الأصل من فن الكوميكس.
وقد يخلط البعض بين تقنيات كتابة الكوميكس وتقنيات كتابة الكرتون. فالسيناريست المتخصص في الكتابة للشاشة يمتلك مساحة كبيرة للحركة، لأننا أمام شخصية ثنائية أو ثلاثية الأبعاد، فيمكنه أن يقدم في اللقطة حركات تحدث مباشرة على الشاشة. أما كاتب الكوميكس فهو أمام مهمة تقديم فكرة تنزل على شكل صورة مرسومة ورقياً، وبالتالي فإن مساحة الحركة تكون ضيقة ومحدودة، ولا يمكنه أن يقدم في الكادر الواحد أكثر من حركة واحدة ليجسدها الرسام على الورق. مثال: طفل يرمي كرة ترتطم بجدار ثم تعود إليه. هذه حركات ثلاث: الرمي والارتطام وعودة الكرة للطفل. تُقدَّم هذه اللقطة في الكوميكس على شكل ثلاث كادرات منفصلة، أما في عالم الكرتون فالأمر أسهل بكثير، ويمكن في اللقطة الواحدة تقديم كل هذه الحركات معاً.
مهارات كاتب الكوميكس
من يكتب الكوميكس يجب أولاً أن يكون على دراية بأساسيات كتابة القصة عموماً، وأن يكون مطلعاً على أسس الحبكة السليمة، وتصاعد الحدثـ ووجود صراع مشوقـ ومقولة واضحة ومفيدةـ ونهاية مبتكرة. عند امتلاك هذه الأدوات يمكن للكاتب الانطلاق نحو فن الكوميكس وصياغة قصته الخاصة به، ولكن المعيار الأهم هو امتلاك رؤية بصرية سليمة تمكنه من تخيل الحدث مرسوماً قبل كتابته. عندها يستطيع الكاتب أن يقول في خانة الوصف ما هو مفيد للرسام، وأن يحدد بالضبط الجملة المناسبة في الحوار. كما يجب على كاتب الكوميكس أن يضع شخصيات مدروسة ومقنعة ومميزة في شكلها، إضافةً إلى المكان الذي تجري فيه قصة الكوميكس. فمن المحبب الذهاب بالخيال بعيداً والابتعاد عن الأماكن النمطية، والأمر في النهاية منوط بنوع الفكرة المطروحة والفئة العمرية المستهدفة.
علاقة كاتب الكوميكس بالرسام
إن كان يمكن للناشر أن يقف في المنتصف بين الكاتب والرسام، إلا أنه لا يمكنه فعل هذا في قصة الكوميكس المبنية كلياً على الصور المتتالية. لا يمكن للكاتب أن يقدم قصة كوميكس بمعزل عن الرسام، ويجب أن يكون هناك تواصل بين الطرفين للخروج بقصة جميلة وعلى أكمل وجه. لهذا ارتأى أوائل من وضع طريقة سكريبت الكوميكس أن يخصصوا مكاناً يتيح للكاتب إخبار الرسام بما يريد. وترتكز قصة الكوميكس بشكل كبير على مهارات الرسام في إيضاح الفكرة وإخراجها على نحو مشوق ومحبب لعين القارئ، لا سيما القارئ الصغير. ومن إيجابيات هذا التواصل بين الكاتب والرسام التقدير السليم لعدد الكادرات والرسومات والتقسيم الذي يتيح للقارئ إدراك أهمية كل مشهد. فهناك مشاهد مهمة تحتاج لإطار كبير، وهناك مشاهد قد تتطلب من الرسام أن يقسمها نصفين أو أكثر، أو أن يضيف المؤثرات الصوتية اللازمة على شكل كلمات يعرفها كل من قرأ قصص الكوميكس، مثل: سماش، تراك، طاخ، بوووم، وغيرها الكثير.
ويحضرنا هنا السؤال: هل يمكن للرسام نفسه أن ينفرد بتقديم قصة كوميكس؟ الجواب: نعم، في حال كان هذا الرسام يمتلك أدوات الكاتب، ويدرك خصوصيات القصة على أشكالها، فمهارة الرسم وحدها لا تكفي لتقديم قصة كوميكس جيدة.
التجربة العربية مع الكوميكس
شاركت الأقلام العربية في ركب الفن التاسع، فظهرت مجلات ترفيهية موجهة للأطفال واليافعين، وتقدم لهم محتوى مسلياً ومفيداً، مثل روايات مصرية للجيب التي قدمت فلاش، والمجلات العديدة مثل باسم وجاسم وأسامة والعربي الصغير وتوت.. وغيرها الكثير. وقد لاقت التجربة استحساناً من الجمهور العربي، ولم يكن يخلو بيت من هذه المجلات التي صنعت جيلاً يملك مخيلة خصبة ولغة عربية سليمة وحس دعابة لا نظير له.
ومن الملاحظ مؤخراً ازدياد اهتمام دور النشر بفن الكوميكس، فنجد بعض الدور تخطو خطوات جدية لنشر قصص منفصلة ذات حجم كبير، بعيداً عن المجلات والمساحة الضيقة المتاحة. ومن أسباب تردد الناشرين أمام الكوميكس التكلفة الباهظة التي تتكبدها خطوة كهذه. لكن الحل جاهز، ويمثل أمام أعين الجميع إطلاق منصة كوميكس على مستوى الوطن العربي، تهدف لأمرين: الأول هو جمع الأرشيف العربي وحمايته من الاندثار، والهدف الثاني هو نشر الأعمال الجديدة وتشجيع الكتاب والرسامين على الإبداع دون الخوف من التكلفة الورقية.
ومن ناحية أخرى تقدم بعض الدول العربية، وعلى رأسها مصر، ورشات تأهل المؤلفين لكتابة الكوميكس، أو تستهدف الأطفال واليافعين لتعريفهم بهذا الفن، أو ورشات مخصصة للرسامين، إلى جانب إطلاق مسابقات ومعارض مخصصة لفن الكوميكس. ومن المرجو أن تسارع جميع البلدان العربية للقيام بهذه النشاطات، على أمل أن تتمكن المكتبة العربية من اللحاق بالركب العالمي في هذا المجال.
ومن المقترحات المرجوّة في هذه المقالة أن يتم تعاون ما بين صناع الكوميكس والجهات المسؤولة عن المناهج الدراسية لإدخال هذه القصص في الكتب المدرسية، لما فيها من فائدة تقدم على طبق من المتعة والتسلية، ناهيك عن الدور الذي تقوم به القصة عموماً وقصة الكوميكس على وجه الخصوص في التصويب السلوكي والنفسي للأطفال واليافعين.
تلك كانت بضع وقفات مع واحد من الفنون التي لها دور كبير في بناء جيل يملك خيالاً خصباً، وحس دعابة حاضراً، وقيماً تربوية سليمة.
ذو صلة