تفاخر مدينة سانت- بيتربورغ الروسية بمتاحفها التي يزيد عددها على المئة، وتضمن لزائرها، أيّاً كانت ميوله واتجاهاته، أن يجد متحفاً يتناغم معه، وينسجم مع اهتماماته.
وكما أن زيارة واحدة لا تتسع للإحاطة ولو بجزء يسير، من كنوز متحف الآرميتاج الشهير؛ فإن متحفاً آخر لا يبعد أكثر من دقائق عن الآرميتاج، يستحق هو الآخر أن يخصّه زائر المدينة بأكثر من زيارة، ليتجول بهدوء في قاعاته، يتمعّن في مقتنياته الفريدة، ويلاحظ الجهد الاستثنائي الذي بذل من أجل لقاء الإنسان بكل المخلوقات التي تشاركنا الحياة، في مكان واحد.
نقصد بكلامنا هذا متحف علم الحيوان التابع للأكاديمية الروسية للعلوم، الذي يعد ثالث أكبر متحف من هذا النوع في العالم، وواحداً من أفضل وأقدم المتاحف في روسيا.
ومثلما كان لمؤسس المدينة بيتر الأول، الفضل في وضع حجر الأساس للكثير من معالمها المميزة؛ فإن هذا المتحف يدخل في تلك القائمة، إذ بدأ مع العينات التي قام بجمعها بيتر الأول، وفي عام 1724 أصبح المتحف جزءاً من الأكاديمية الروسية للعلوم، وصدرت الكاتالوغات المطبوعة لمحتوياته في عام 1742، لكنه لم يفتح أبوابه للزوار حتى عام 1901.
تفوق معروضات المتحف ثلاثين ألف معروض، وهو رقم لا يكاد يذكر مقارنة بما يمتلكه المتحف من مقتنيات تزيد على خمسة عشر مليون قطعة، متضمنة كل ما يسبح، يطير أو يدبّ على أرض كوكبنا.
بمجرد دخولك المتحف، ستستقبلك كوكبة من الكائنات المحنطة والهياكل العظمية، مع مجسمات بالحجم الطبيعي لبعض الحيوانات، إضافة إلى أجزاء من حيوانات عثر عليها غير مكتملة، كأنياب ماموث وغيرها.
ومع التفاتتك الثانية، سيدهشك تنوع زائري المكان، ابتداء من الأطفال الذين يسكنهم الفضول لرؤية كل ذلك العدد من الكائنات في مكان واحد، إلى طلاب المدارس الذين حضروا برفقة معلمي مادة العلوم الطبيعية، كي يروا على أرض الواقع ما يقومون بدراسته نظرياً في مدارسهم، إضافة إلى هواة عالم الطيور والحيوانات، وعشاق البحار والمحيطات بأسرارها وخفاياها، دون أن ننسى العلماء والباحثين من شتى أصقاع الأرض.
إحدى معلمات مادة العلوم استجابت بسرعة لفضولنا، وحكت لنا قصتها مع المتحف: (زرت هذا المكان أول مرة، عندما كنت في الثامنة من عمري برفقة والديّ، ويبدو أن تلك الزيارة التي لن أنساها ما حييت، حددت مساري العلمي، ودفعتني للاهتمام بالعلوم الطبيعية، ومن ثم دراستها في الجامعة الكبيرة الملاصقة للمتحف، مع زيارات متكررة لمكاني المفضل).
وعن الأسلوب الذي تتبعه في تدريس طلابها، والغاية من اصطحابهم للمتحف، قالت إنها تحرص على أن يزور طلابها المتحف مرة كل ثلاثة أسابيع، وفي كل زيارة يتوجب على كل منهم التركيز على معروض معين أو أكثر، ومن ثم الحديث عنه أمام بقية الطلاب في الصف.
أما طلابها المتفوقون فتكون مكافأتهم عبارة عن زيارة مطولة للمتحف في وقت العطلة.
أحد طلابها قال إنه اختار الحديث عن الأسماك التي يحبها كثيراً، وبخاصة السمكة الزرقاء الغريبة. وأضاف إن أجمل مكانين في مدينته هما حديقة الحيوانات وهذا المتحف، ففي الحديقة ترى كل الكائنات حيّة، تسمع أصواتها وتلمس بعضها، أما هنا فيمكنك تفحّصها بعناية، ومع ذلك تشعر أنها قد تتحرك في أي لحظة!
بعد ذلك الخيال الطفولي الجميل، وقفنا بشيء من الخوف أمام العديد من فيلة الماموث الشهيرة، التي حفظت سليمة إلى حد كبير، بجسدها وشعرها، ويعود السبب في ذلك إلى دفن رفاتها في الأراضي الدائمة التجمد.
أشهر تلك الفيلة ماموث بيريزوفيان الضخم، وطفلا الماموث ديما وماشا، الذي مات قبل أربعين ألف سنة.
في قسم الثدييات هناك أكثر من سبعمئة نوع منها، لعل أكثرها جاذبية هو الدب القطبي، الذي تشعر في بعض اللحظات أنه على وشك أن يهاجمك، فتهرب إلى ذلك الحصان، الذي امتطاه بيتر الأول في حربه ضد السويديين، قبل أن تتحداك النعامة إن كنت قادراً أن تطال رقبتها بأصابعك!
أما إن كنت من عشاق عالم الأسماك، فأنت على موعد مع كل ما يخطر في بالك من ألوان وأشكال تلك الكائنات الآسرة. وإلى الخلف من قسم الأسماك يخصص قسم صغير للبرمائيات، حيث يمكنك أن ترى أكثر من مئة نوع من هذه المخلوقات.
أما المحار فهو عالم ساحر، طافح باللون، سيجذبك إليه، ويبقيك طويلاً أمام تشعباته الفريدة.
وللطيور التي تشغل جزءاً من القاعة الثانية، حكايتها الخاصة، فلا متحف في العالم يمكنه أن يعرض عليك مجموعة بذلك الغنى والتنوع، أو يتركك مع كل هذا الجمال، الذي جمع عشاقها وصياديها معاً.
أحد أولئك الصيادين قال لنا إن المتحف يشكل مرجعاً له عند اصطياد أي عصفور لم يره من قبل، فالمتحف -على حد قوله- غابة حقيقية تضم كل طيور الأرض.
في القاعة الأولى المخصصة للحشرات، أعداد هائلة بدءاً من تلك التي لا ترى بالعين المجردة وانتهاء بأكبرها حجماً. كما أن هناك مجموعة من الحشرات الحية في الطابق العلوي.
مجموعة رائعة وواسعة جداً من الفراشات، تصل إلى ألف وثلاثمئة وسبعين نوعاً، من مختلف الأحجام والأنواع، تبدو أشبه ما تكون بلوحات فنية.
لفت نظرنا رجل يقارب الثمانين، يقف مطولاً أمام كل لوحة، يقرأ بعناية ما كتب تحتها، ويتفحص الفراشات بنظرة العارف الخبير.
عرفنا أن الرجل عمل لأربعين عاماً في مجال دراسة سلوك تلك المخلوقات التي تعدّ بنظره الأجمل في كوننا بحركتها ولونها وتنوع أشكالها، (أنا زائر دائم لهذا المتحف، فهو يمنحني فرصة اللقاء بمعشوقتي دون الحاجة لبذل جهد، لم أعد قادراً عليه!) - يقول بصوت طيب ومرهق، فنتمنى له الصحة والعافية. ونطير إلى قسم الزواحف، لنكون أمام سبعين نوعاً من السلاحف، أربعة عشر نوعاً من التماسيح، وأكثر من مئة وسبعين نوعاً من السحالي، ومئات الأنواع من الثعابين، مع وصف دقيق لها، وعرض لأصولها ومراحل تطورها.
تجدر الإشارة إلى أن متحف علم الحيوان هو مجرد قسم من أقسام معهد علم الحيوان في الأكاديمية الروسية للعلوم، التي تضم إلى جانب المتحف عدداً من المختبرات والمكاتب منها:
مختبر علم الثدييات، والزواحف، وعلم الطيور.
مختبر علم الأسماك.
مختبر البحوث البحرية.
مختبر المياه العذبة والأحياء المائية التجريبية.
مختبر علم الأحياء من المياه قليلة الملوحة.
مختبر علم الطفيليات، مختبر علم الأوالي.
مختبر لدراسة الديدان الطفيلية.
ينظم المتحف على مدار العام معارض متنوعة، وهناك مجموعات خاصة في المتحف توضح نظرية داروين في التطور، ومعروضات تمثل الحيوانات النادرة أو الأنواع المنقرضة المدرجة في الكتاب الأحمر الدولي، ومجموعات من حيوانات آسيا الوسطى الفريدة من نوعها. فضلاً عن الحشرات والحيوانات والطيور والثعابين، والمرجان والرخويات.
يستقبل المتحف سنوياً أكثر من ثمانمئة ألف زائر، وطبعاً هناك أدلاء لخدمة الزائر وشرح وافٍ عن تاريخ المعروضات.