مجلة شهرية - العدد (592)  | يناير 2026 م- رجب 1447 هـ

دوستويفسكي: أحبّوا الحياة أكثر من حبِّكم لمعناها

كانت رواية الكاتب النرويجي كارل أوفه كناوسغارد (خارج العالم) أول رواية على الإطلاق تفوز بجائزة النُّقّاد النرويجيين، ووصلت روايته الثّانية (وقت لكل شيء) إلى القائمة الطويلة لجائزة دبلن الأدبيّة العالميّة في العام 2010م. أمّا سُداسيته الأشهر (كفاحي) فلقيت ترحيباً واسعاً أينما حلّت واُعتبرت تُحفة أدبيّة. تُرجمت أعماله إلى خمس وثلاثين لُغة، وستصدر آخر رواياته (مدرسة الليل) باللغة الإنجليزيّة عن دار بنجوين برس في يناير العام 2026م. ما يلي ترجمة التقديم الّذي نشرته النيويوركر وكتبه الروائي النرويجي لطبعة جديدة من رائعة فيدور دوستويفسكي الشهيرة (الإخوة كارامازوف) تصدر في نوفمبر العام 2025م عن دار بيكادور.
بدأ فيدور دوستويفسكي كتابة ما ستُصبح روايته الأخيرة (الإخوة كارامازوف) في العام 1878م، ونُشرت في حلقات مُسلسلة بمجلّة (روسكي فستنيك) بدءاً من يناير العام 1879م حتّى نوفمبر العام 1880م. كان على دوستويفسكي الانتهاء من كتابة كل حلقة في موعِد مُحدد كل شهر، وقد اشتكت لاحقاً زوجته آنا من الضغوط التي كان يتعرّض لها، إذْ على خلاف أغلب مُجايليه من الكُتّاب الآخرين -مثل تولستوي وتورجنيف- الموسرين، عاش دوستويفسكي على كتاباته وكافح طيلة حياته لكسب ما يكفي لكي يعيش. وقد كشفت آنا في مذكّراتها التي كتبتها بعد وفاة دوستويفسكي، عن أنّه لولا هذا: «لكان أولى عناية أكبر (بكتابات) وصقلها، قبل أن يدفع بها إلى المطبعة. ولنا أن نتخيّل مدى جمالها وحلاوتها وقتئذٍ. والواقع أنّ فيدور ميخائيلوفيتش لم يكتب حتّى آخر لحظة في عمره رواية واحدة تُرضيه، ومردّ هذا هو ديوننا»!
لا أحد يستطيع أن يزعم أنّ (الإخوة كارامازوف) رواية مصقولة، أو حتّى أنّها تتميّز بطلاوة الكتابة، ذلك أنّ كل الأشياء وفق أسلوب دوستويفسكي شديدة الإلحاح وتوشك أن تفيض، والتفاصيل غير ذات أهمية تُذكر. ومِن ثمّ نتقدّم بكل قوّة لا نلوي على شيء إلى صميم الموضوع مُباشرة، فلا وقت يُهدر. على أنّ هذا الاستعجال، وهذا الاحتدام والعتو، الّذي يتّسم به أسلوب دوستويفسكي والّذي تتردد أصداؤه في أغلب التصاريف والانعطافات المُفاجئة بنهايات الفصول، لكي يُضطر القارئ للانتظار في حال من الترقّب والحيرة حتّى الحلقة التّالية، يتعارض مع خصيصة أخرى أجزل وأكثر تمهّلاً، وهي تساؤل متأنٍ وضاغط يتعلّق بكل ما نقرأه من أحداث، وهو: ما هي الغاية من حياتنا؟
كان أليوشا، ابنه، قد توفي عقب نوبة صرع لم تستمر سوى ساعات في السّادس عشر من مايو العام 1878م، وذلك قبل شهورٍ قليلة مِن مُباشرة دوستويفسكي كتابة (الإخوة كارامازوف) غير هازل. كان سيبلغ عامه الثالث ذلك الصيف، وكان دوستويفسكي -مثلما كتبت آنا في وقتٍ لاحق-: «يُحبّ أليوشا على نحو بالغ الخصوصيّة يكاد يُصبح هوساً، وكأنّما أحسّ أنّه لن يعيش طويلاً». وهكذا حين لفظ الابن أنفاسه الأخيرة: «قبّله (دوستويفسكي)، ورسم علامة الصليب فوق جثمانه ثلاث مرّات». ثمّ انفجر باكياً. هدّه الحُزن والإحساس بالذّنب لأنّ ابنه ورث منه مرض الصّرع. على أنّه سرعان ما استعاد رباط جأشه وهدوءه ظاهريّاً في حين لم تكفّ آنا عن البكاء، وشيئاً يئاً ساورها قلق أن يؤذي كبته وخنقه الحُزن صحّته المعطوبة بالأساس، فاقترحت عليه زيارة دير (أوبتينا بوستين) بصحبة صديقٍ شاب هو اللاهوتي الموهوب (فلاديمير سولوفيوف)، وهُناك التقيا رئيس الدير -المُرشد الرّوحي- آمبروز الّذي نصحه قائلاً: «ابك ولا تتعزّى، بل ابك».
شقّ كل هذا طريقه إلى (الإخوة كارامازوف)، إذْ يحمل بطلها اسم أليوشا ابن دوستويفسكي وأغلب سِمات سولوفيوف. والدّير في مركز الرّواية، ورئيسه -الّذي يحمل اسم زوسيما- يُعزّي امرأة فقدت طفلها الّذي مات عن عمرٍ بلغ عامين وتسعة أشهر بكلمات تُحاكي ما قاله آمبروز. على أنّ الأبرز بالنسبة للقِصّة والّذي يتجاوز تفصيلات السيرة الذّاتية التي تبتلعها دوّامة الحكاية على أي حال، هو الخسارة الفتّاكة للمعنى التي تُلازم وفاة أحد الأطفال، والّتي تجري كأنّها تيار تحتي عبر الكتاب، والّتي أفكِّر بكل مرّة أقرأ فيها (الإخوة كارامازوف) أنّ الرواية كُتبت لتحدّي خسارة المعنى هذه، وأنّ الهاوية التي تُحملق فيها هي الليل الّذي تسعى لملئه بالنّور.
هي الأصوات إذاً. (الأخوة كارامازوف) رواية أصوات: رجال ونساء، شباب وعجائز، أثرياء وفقراء، حمقى وحُكماء. ولديهم جميعاً فرصة للتعبير عمّا بدواخلهم، وكل منهم يتكلّم بصوته الخاص. وفي كل صوت منهم تتردد أصداء الأصوات الأخرى، المُعاصرة والماضية، المكتوبة أو الشفاهيّة، السياسيّة أو الفلسفيّة، مِن الكُتب المُقدّسة أو من مقالات الصّحف، شائعات عن البلدة، أو ذكريات عن شخصٍ مات منذُ زمن طويل. كل من في الرّواية يُعبِّر عن نفسه، وينطلق من موقعه المعلوم والفريد، وبعضهم حاضر في الذّهن دوماً بكل ما تعنيه الكلمة بسبب تفرّده الرّائع والمهيب على الرّغم من أنّهم يستعملون جميعاً اللغة نفسها. كذلك لا تزال (الإخوة كارامازوف)، مع أنّ بعض شخصياتها ترتقي إلى إبداعات شكسبير، ليست رواية يُهيمن عليها بطل واحد مثلما هي (هاملت) مسرحية عن هاملت، ومثلما هي (عُطيل) مسرحية عن عُطيل. بل على النقيض، حيثُ (الإخوة كارامازوف) رواية جمعيّة عن غزارة الأصوات، وكيف تشابكت وانضفرت على الرّغم من عجز الشخصيات عن رؤية هذا التشابك والتضافر، وكيف يؤلِّفون سويّاً جوقة وآصرة وصِلة واحدة.
هذه السِّمة الأسلوبيّة الرئيسة تجدُ صدىً ساطعاً في صوتين اثنين، هما صوتا زوسيما رئيس الدّير وأليوشا، واللذين يؤمنان معاً بأنّنا جميعاً مسؤولون عن بعضنا البعض، وآثمون ومذنبون في حقّ بعضنا البعض، وهو الإيمان الّذي يتخلل الرواية بأكملها مثل ترنيمة. هذا هو رجاء الرواية ومدينتها الفّاضلة، لكن ليس واقعها. يقول شقيق زوسيما الصغير وهو على فِراش الموت: «أمّاه لا تبكِ. الحياة فردوس، وجميعنا نعيش في الفردوس لكن نعزف عن تبيّنها، ولو شئنا أن نُبصر هذا الفردوس لصار العالم غداً بأكمله فردوساً». وفي فقرة أخرى يُصارح أحد القتلة زوسيما قائلاً: «أمّا بالنسبة لمسألة أنّ كل البشر آثمون ومذنبون في حقّ بعضهم البعض بالأساس، إضافة إلى خطايا كل إنسان بشكلٍ خاص، فحجّتك سليمة مئة بالمئة، ولشدّ ما هو مُدهش أن تتبنّى هذه الأفكار بغتة وبشكلٍ كامل. والحقّ أنّ ملكوت السماوات سيغشى النّاس، لا في الحلم بل في الواقع، حين يعون هذه الفكرة».
هذا هو جوهر (الإخوة كارامازوف)، إذْ تنتزع الرواية أفكارها كافّة من فردوس الأفكار المُجرّدة، وتدفع بها إلى دُنيا البشر بناءً على رؤية مُعمّقة مفادها أنّ تلك الأفكار محلّها الوحيد داخل الكائنات البشريّة الّتي خُلقت من لحمٍ ودم، أو مثلما كتب دوستويفسكي ذات مرّة: «البشر لُغز... وإيّاك أن تزعم أنّك -إذا أنفقت حياتك بأكملها تُحاول فهمه- أهدرت وقتك، فها أنا أنكبّ على ذلك اللغز لأنّي أرغب أن أكون إنساناً». فالبشر في عالمه الروائي تحكمهم العواطف والانفعالات، وتسوقهم الرغبات، وتراهم متقلّبي المزاج وناقصين وعُرضة لارتكاب الأخطاء، لكن يتمتعون بقوّة عارمة. وفي (الإخوة كارامازوف) قدّم دوستويفسكي أربعة شباب متبايني الأهواء والخِصال، وجمعهم في منزلٍ واحد تملؤه الكراهية. الأب، فيدور كارامازوف، أرمل بذيء مُخادع مُتهتِّك وبخيل، ودائماً ما يُهمل أبناءه ولا يرعاهم إلا لو أدرّت له هذه الرعاية مكسباً. أبٌ من الجحيم. وكل ابن ينتسب إلى مؤسسة اجتماعيّة، فالأكبر-ديمتري- بالغ العجرفة والتكبّر وحاد الخلق ينتسبُ إلى المؤسسة العسكريّة، والأوسط -إيفان- العقلاني بارد المشاعر تحليلي ينتسب إلى الجامعة، أمّا الأصغر أليوشا المتقِّد القلب والمراعي لمشاعر الآخرين والقانع دائماً فينتسب إلى الكنيسة. وبالإضافة لهم، ثمّة الخادم سمردياكوف الّذي يُفترض أنّه الابن غير الشّرعي لفيدور وليزافيتا المُعاقة ذهنيّاً، والتي تُكنى بـ(ليزافيتا النتنة).
ربّما تتبدّى (الإخوة كارامازوف) مُخَطَّطة (وفق التعبير الكانطي- المُترجم) عندما نصفها -ظاهريّاً- على هذا النحو، حيثُ يُمثِّل كل شقيق شريحة من المُجتمع، لكن قوة دوستويفسكي باعتباره روائيّاً، وجانب لا يُستهان به من أنّ قراءة رواياته لا تزال تُحقق فوائد جمّة بعد قرن ونصف القرن من كتابتها، حتّى في عالم شديد الاختلاف عن العالم الّذي وُلِدت به، يرجع إلى قدرته على إبداع شخصيات مميّزة يصعب فهمها بشكل كامل في الآن نفسه. شخصيات نراها من الدّاخل وفق ما يتصورونه عن أنفسهم، وهو التصوّر الّذي يختلف كُليّاً عمّا يُظهرونه عندما نراهم من الخارج. هذه المساحة الفارقة بالشخصيات غائبة عن أصحابها، وهي أنّ ثمّة قوى مجهولة بالنسبة لهم تُسيّرهم، وتجعل التساؤل عن ماهياتهم حقّاً يتبدّى بلا معنى، ويتعزز هذا من خلال خضوعهم المُستمر للمراقبة والتعليق والفهم وإساءة الفهم من جانب شخصيات أخرى. إنّ إحدى رؤى (الإخوة كارامازوف) العميقة هي أنّ الهوية عبارة عن بناء اجتماعي، وأحد الجوانب التي تتمرّد عليها الرواية هو فكرة أنّ الإنسان مكتف بذاته، إذْ الجحيم هو العزلة، والجنّة في الرفقة والمُخالطة.
نرى تلك الرِّفقة والألفة داخل منزل كارامازوف تتمزّق إلى أشلاء في مطلع الرواية، فديمتري بعد أن خطب كاترينا أحبّ امرأة أخرى لحدّ الجنون هي جروشنكا الشّبقة، التي وقع الأب هو الآخر في غرامها، في حين اِنشغف إيفان بكاترينا. كلا الشقيقين يزدري الأب لأسباب وجيهة، على أنّ الوحيد الّذي نجا من أوحال الرغبة والغيرة والكراهية هذه هو أليوشا الّذي يعيش داخل الدّير باعتباره تلميذاً لدى رئيسه زوسيما، فهو لا يحمل حقداً على أحد، وما من أحد يحقد عليه.
الأحداث التي تتكشّف ملتزّة ومكثّفة زمنيّاً ومكانيّاً، والضغط مهول. وكنتُ في العشرين من عُمري حين قرأت الرواية أول مرّة، أي بنفس عمر أليوشا، وقد أرهقتني الصفحات المئة الأولى مدفوعاً بالإرادة المحضة، إذْ لِم يا تُرى أُضطر إلى قراءة شروحات مطوّلة عن الكنيسة الأرثوذكسيّة الروسيّة، وعن الرهبانيّة في ستينات القرن الثّامن عشر وعلاقتها بالدولة؟ على أنّ شيئاً ما جرى ودبّت فيه النّار. غرقت بغتة في مكانٍ ما، وما اشتهيتُ إلا البقاء حيثُ كُنت، والقراءة عن أولئك البشر: الأشقاء الثلاثة وأبيهم الشنيع ذي اللغد، وكذلك النساء بالطبع، كاترينا المتعجرفة لحدّ الخبل، والشّابة ليزا غير متّزنة العقل وأمّها الفظّة العنيدة، وجروشنكا الفاتنة خبيثة الطوية. قرأت الرّواية مثلما كُنت أقرأ الكُتب في صباي، من دون تفكير في نفسي أو في ظروفي وأحوالي، واحتواني الكتاب كُليّاً. كما لم أفكِّر فيما كنت أقرأه، ولا حللت ولا تمعّنت في شيء. انمحى كل ما عدا المشاعر والحضور بسبب النور السّاطع الأبيض الّذي غمرتني به القراءة.
قرأت الرواية منذئذٍ مرّات عديدة، من دون أن يُفارقني الإحساس بالانقياد والاستسلام الكاملين لصفحات الرواية مع كل لقاء لي بها، على الرّغم من أنّ استيعابي لما يجري كان يزداد في كل مرّة. وكأنّ الجوهري في (الإخوة كارامازوف) هو التجربة التي تُقدّمها، والمشاعر التي تولِّدها في نفس القارئ، وهو ما يجعل الكتابة عنها صعباً وشائكاً. ذلك أنّ العنصر الأساسي والجوهري يغيب عن الأبصار باللحظة نفسها التي نُغادر فيها الرواية ونصفها من بعيد، فنقول مثلاً إنّ (الإخوة كارامازوف) تدور بالأساس حول الحريّة، أو أنّها بالأساس تناقش مسألة المبادئ الأخلاقيّة والالتزام، إذْ الالتزام تجاه من أو ماذا؟ فالحرية والمبادئ الأخلاقيّة والالتزام عبارة عن أفكار وتجريدات، وإذا ما كانت هذه الرواية تنجذب إلى شيء فهو إلى حيثُ تذوب الأفكار والتجريدات في نهر الحياة. وإذا ما كانت تُقاوم شيئاً، بكل ما لديها من قوّة، فهو الثّابت والجامد. ما تقرر قبلئذ واستقر للأبد. ما هو مقدّر ومحتوم. ومن ثمّ ما مِن وجهة نظر أو منظور مميّز في الرواية، إذْ ينشأ مُرادها ومغزاها من النشاز والتنافر وهما محل الأصوات -بين البشر وليس في داخلهم- وهي دائماً متفاوتة ومتأرجحة.
فمثلاً، لا ريب أنّ أليوشا يُمثِّل تصوّراً للكمال بالنسبة لدوستويفسكي، إذْ يحمل اسم ابنه المتوفّى أليكسي فيدوروفيتش، وهو الشخصية الأشد التصاقاً فكراً وفعلاً بتصوّر الرواية المُتماسك عن الخير. على أنّ حضوره يبهت إذا ما قارناه بحضور ديمتري وإيفان -وربّما ديمتري بوجه خاص- وحيثُ إنّ قوة الرواية ترتبط بالحضور، فإن ما يرمز إليه ديمتري وإيفان يسطع ويلمع بقوّة أكبر. وكأنّ دوستويفسكي استثمر المزيد في ديمتري وجرفته مهابته النّابعة من صبيانيته وعفويّته من جانب، وشراسته وقسوته من جانب آخر. إنّ أجلّ مشهد في رأيي بالرواية هو عندما يُغادر ديمتري البلدة لكي يحتفل للمرّة الأخيرة، فيبُعثر الروبلات ويشرب حتّى الثمالة، ثمّ تنطلق عربته كالريح الهوجاء. ثمّة دماء على يده لكن يتملّكه الانفعال والترّقب وربّما السعادة، فجروشنكا تنتظره هُناك، وسيراها للمرّة الأخيرة. تُرى كيف يُباري ناسك جواد زاهد مُترهبن ورع مشهداً كهذا؟ الأمر أشبه بعض الشيء بما يُساورنا حين نقرأ كوميديا دانتي الإلهيّة، حيثُ وظّف المؤلِّف فيها الكثير، فكان أقرب للجحيم مِنه إلى الفردوس. فعلام نستدل من ذلك؟
وثمّة إيفان كذلك، الحاسم بارد الأعصاب مثل سكين الّذي يُشكك في رؤية أليوشا للعالم بالكامل خلال حكايته عن كبير المُحققين، وهي لائحة اتّهام آسرة للمسيح لا يُعقل ألا يكون دوستويفسكي قد كتبها بكل جوارحه بناءً على شكوكه. تُعدّ هذه الفقرة ذروة أعماله الأدبيّة، ومن ثمّ أجمل ما كُتب في تاريخ الأدب. على أنّه لا يُمكن قراءتها مُنفردة بمعزل عن الرّواية، إذْ على القارئ أن يُدرك السياق أولاً. فالأفكار التي تُعبِّر عنها تأتي من مكانٍ ما، لا من إيفان بطفولته المُهمَلة وأبيه الآتي من الجحيم فقط، بل من المُجتمع الروسي بستينات القرن الثّامن عشر الّذي كان جُزءاً منه. ما أصعب أن نتصوّر تعاسة وشقاء ذلك الزمان والمكان في وقتنا الحاضر، فرُبع الأطفال الرُّضّع كانوا يلقون حتفهم خلال عامهم الأول، وفي العام 1865م، أي قبل بدء أحداث الرواية، كان متوسِّط العُمر المتوقّع يقل عن الثلاثين عاماً، والغالبية العُظمى من السكّان أميّون، وقد أحكم نظام الحكم القيصري المستبدّ قبضته الحديديّة وقمع المعارضة عبر الرقابة والنّفي والإعدامات. لذلك سرعان ما شنّت المجموعات الثوريّة التي كانت تُجنِّد أفرادها في أغلب الأحيان من بين الجامعيين والإنتلجنسيا، هجمات إرهابيّة داخل المُدن. هذا هو العالم الّذي كُتبت فيه (الإخوة كارامازوف)، حيثُ البؤس والفقر المدقع والقلاقل الاجتماعيّة والسياسيّة، وهو العالم نفسه الّذي أفضى إلى ولادة أفكار إيفان.
يحكي إيفان على سبيل التمهيد لحكايته عن كبير المُحققين، عدداً من الحوادث المُختلفة حول عذابات الأطفال، فنراهم تُساء مُعاملتهم ويُغتصبون ويُقتلون، وأوصافه للإيذاء مستفيضة وتنبض بالحياة. في البدء يضرب أبوان ابنتهما ذات الخمسة أعوام ويجلدانها ويركلانها، ثمّ يُلطّخان عينيها وخدّيها وفمها بالغائط ويُرغمانها على أكله. ويُعلِّق إيفان: «ولقد كانت أمّها... أمّها هي التي أرغمتها!» عثر دوستويفسكي على هذا المِثال بمقال في إحدى الصحف، إذْ كان من الضروري أن يكون الحادث حقيقيّاً وواقعيّاً لكي يستطيع أن يقول لنا: «انظروا، هذا هو عالمكم! هذه هي حقيقة البشر!».
حكاية إيفان هي لائحة اِتّهام ليَسوع المسيح الّذي يعود إلى الأرض، فيُلقي به كبير المُحققين إلى زنزانة في السجن ويستدعيه للحساب. كان يستطيع منع الفقر المدقع والمُعاناة لكنّه اختار العكس، وبدلاً من الخبز منح البشر الحُريّة. والاضطرار للاختيار بين الخير والشرّ عبءٌ يرى كبير المُحققين أنّ البشر أوهن كثيراً من احتماله. لذلك تراهم يتلهّفون لمن يُجيرهم منه، وهذا ما يُقدّمه لهم كبير المُحققين. يلتزم المسيح الصّمت، ويكتفي بالجلوس في مكانه والإصغاء إلى كبير كهنة الماديّة هذا حتّى يفرغ من مُرافعته. بعدئذ يمشي إليه، ويُقبّله فوق شفتيه، قبل أن يغيب في شوارع إشبيليّة.
وكأنّ كل ثيمات الرواية المُختلفة واِتّجاهاتها وأحداثها تجتمع هُنا على نحوٍ ما في تلك القبلة. فخيار المسيح ألا يردّ بالحجج ولا الكلمات ولا العقيدة ولا الأفكار المُجرّدة، بل عبر فعل جسدي ملموس ينسجم كُليّاً مع روح الرواية. وهو فعل يحدث في الحال ويتّصل بهما معاً، فعل بين شخصين اثنين. ودلالته لا يُمكن تأكيدها. أهو دحضٌ وتفنيد؟ أم تعبير عن الصفح؟ أم عبرة؟ على أنّ ما لا يقل أهمية هو أنّ القبلة تظهر في قِصّة إيفان، وأنّه هو بالذّات من حبك أحداثها، لذلك فالتناقض الوجداني تناقضه، ويصير تناقضنا عند قراءتنا القِصّة.
تبحث (الإخوة كارامازوف) عن إجابات في الحياة المتواضعة، وبين المستضعفين والمعطوبين والمخذولين والبسطاء. ولو حاولت -خلافاً لطبيعة الكتاب- أن أُلخِّص الرواية في عبارة واحدة، لاقتبست جملة من حديث دار بين إيفان وأليوشا تقول: «أحبّوا الحياة نفسها أكثر من حبِّكم لمعناها».
أكتب هذا التقديم وأنا على يقين أنّ هذا التأويل سيتبدد هو الآخر بمجرد تناول الكتاب والبدء في قراءته من جديد، فهذا ما يجعل (الإخوة كارامازوف) رواية بديعة وفريدة. أنّها لا تهدأ أبداً.
التّرجمة من النرويجيّة إلى الإنجليزيّة: إينجفيلد بركي.


ذو صلة