مجلة شهرية - العدد (573)  | يونيو 2024 م- ذو الحجة 1445 هـ

سمير جريس: لهذه الأسباب يختلف واقع المترجم في الغرب عن العرب

حاوره/ محيي الدين جرمة: اليمن


يمثل المترجم المصري سمير جريس إلى جانب المغربي رشيد وحتي مساراً فارقاً ومختلفاً من بين تجارب كثير من أقرانهم من المشتغلين بالترجمة في مجال الآداب والفنون الأجناسية الأخرى، في العالم العربي. بل إن مضيهما ومثابرتهما بصمت وبشغف التجربة يجعل كل منهما يسير على دروب ورؤى ناجحة تذكر دوماً بمنجزات وتجارب من سبقوهم كصالح علماني وسامي الدروبي وطلعت شاهين وصلاح حزين وغالب هلسا.. وآخرين.
وجريس الذي سبق له أن حاز على عدد من الجوائز العربية في الترجمة من أبرزها: جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي عام 2018، وجائزة الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمية للترجمة عام 2022؛ يكاد يمثل نسيجاً بذاته لتجربته التي تقترب إلى حد كبير من نزاهة المعيار في الترجمة، إذ يعمل على التنويع في انتقاء عناوين ما يترجمه من أعمال وروايات عن لغات أصلية كالألمانية مثلاً أو وسيطة كالإنجليزية والفرنسية، أو (حتى الإسبانية). وما يقدمه من أعمال مترجمة تدعمه شهادة خبراء وتجارب مع بعض دور النشر التي تعامل معها، وخاضت معه تعاوناً جسر من خلاله آفاقاً في الترجمة بإبداع عالمي. ورغم ما يشوب الترجمة من إشكاليات، وصعاب كثيرة، غير إن انتقائية إيجابية إن جاز القول برسم ما يقدمه جريس تخدم الثقافة العربية الواقعة في حالة دوار مزمن وارتباك وتدافع غير محسوب بين تنافسية محمومة وطغيان غائيات تجارية محضة تسهم في فوضى إغراق كابينات النشر والثقافة والاتصال بميسم المولات والموديل الذي تفتقد معه كثيراً من النوعية وموضوعية المعيار النشري والمعروض، ما يجعل من الترجمة مطية لمجرد التظاهر واستعراض وحضور زائف، لمجرد الاستهلاك الإعلامي بتمظهرات دور ومعارض وموسميات ثقافية لاتعود بمخرج وقيمة جديدة ومواكبة في الأخير لتعزيز دور الترجمة من وإلى العربية إلا قليلاً.
 ما مدى تعاطي الفضاء الثقافي مع المترجم، أفراداً ومؤسسات، كتاباً ومؤلفين، ودور نشر؟ ولماذا تُستبعد إنجازات الترجمة غالباً من معايير تقدير الجائزة العربية، إلا لماماً؟
- أعتقد أن للمترجم مكانة كبيرة في ثقافتنا العربية، يحسدنا عليها المترجمون في الغرب. عديد من القراء يقولون إننا نشتري الترجمة عندما نرى اسم فلان عليها، صالح علماني مثلاً الذي يعتبر بالنسبة إلى كثيرين البوابة الشرعية لأدب أمريكا اللاتينية. واسم المترجم يوضع على غلاف الترجمة العربية، وربما بنفس (البنط) مثل اسم الكاتب. هذا كله غير موجود في الغرب، حيث يتوارى اسم المترجم إلى الصفحة الداخلية، ونادراً ما يهتم القارئ باسم المترجم، قدر اهتمامه باسم دار النشر، وهذا اختلاف جوهري. دار النشر في الغرب هي الضامنة لجودة الترجمة، عبر اختيارها للمترجمين الأكفاء، وعبر محرريها ومراجعيها، لذلك أنا أرى أن للمترجم مكانة رفيعة في ثقافتنا، هذا من الناحية المعنوية، أما من الناحية المادية فالأمر مخزٍ للغاية بالطبع.
هل يعود ذلك لأولويات بورصة النشر، أم رؤاها القاصرة حيال الترجمة بصورة عامة؟وما موقف المترجم حيال معايير الناشر المجحفة غالباً؟
- أعتقد أنه لا يمكن تعميم الأمر، هناك من الناشرين العرب من يتابع حركة النشر العالمية، ويحرص، بقدر الإمكان، على زيارة المعارض الدولية والاطلاع على الجديد، وهناك من يكتفي بالأسماء المشهورة والمعروفة، أو الكلاسيكية التي تضمن ربحاً معقولاً له. ماذا على المترجم أن يفعل؟ لا يستطيع سوى أن يقدم اقتراحاته بالأعمال الجديرة بالترجمة من منظوره، وأن يحث دار النشر على شراء حقوقها، هذا بالطبع إذا كان موافقاً على المكافأة (الهزيلة في المعتاد، وهذه هي المشكلة الكبرى) التي ينالها مقابل الترجمة.
هل لديك رؤية مقارنة بين أولويات الترجمة ودعم المترجمين في الغرب، وطرح إشكاليات قضية الترجمة في علاقتها بالنشر والحقوق في المنطقة العربية؟
- هذه نقطة مهمة جداً، أشكرك على إثارتها. الفارق بيننا وبين الغرب هو في غياب العمل المؤسسي. كما سبق أن ذكرت، عديد من دور النشر في الغرب مؤسسات كبيرة، عريقة، لديها تقاليد في النشر، وفي اختيار المترجمين، وفي التعامل معهم. من ناحية أخرى هناك جهات كثيرة في الغرب تقدم الدعم المادي والمعنوي للمترجمين، عبر تنظيم إقامات لهم أو المشاركة في تكاليف الترجمة، أو رصد منح لترجمة أعمال متميزة، وتخصيص جوائز سنوية للترجمة. قد لا تكون الجوائز عالية القيمة المالية، لكنها ذات مصداقية كبيرة.
إلى أي مدى تتعاطى الجهات ودور النشر مع المترجم على صعيد الحقوق مع غياب موثق أدبي أو دوريات تعنى بالترجمة؟ وما رؤية المترجم تجاه رأس المال الثقافي، ودور المؤسسات في القطاع الخاص والعام؟
- ثمة إشكاليات كثيرة في مجال النشر العربي، بدءاً بقرصنة حقوق الكاتب الأجنبي، وانتهاء بعدم الالتزام بشروط التعاقد مع المترجم، أي عدم دفع المكافأة كاملة أو في الموعد المحدد. إضافة إلى غياب المحررين أو المراجعين والمدققين اللغويين. طبعاً هذا الكلام لا ينسحب على كل دور النشر، وعن نفسي لا أتعامل مع دار نشر تترجم أعمالاً بدون شراء حقوقها من دور النشر الأجنبية، كما أحرص على التعاون مع دور نشر تحترم القارئ، وتحرص على خروج مطبوعاتها خالية من الأخطاء اللغوية والطباعية.
ثمة من يكتب ويطرح مشكل عدم احترام المترجمين لأسلوب الكاتب، وبعضهم يحيل بعض أخطاء الترجمة إلى (تدخلات الناشر لا المترجم)؛ متى يقع المترجم في أخطاء لم يقترفها؟
- هذه أيضاً نقطة مهمة، ثمة مترجمون، ومنهم مَن حاز شهرة كبيرة، يترجمون لكتاب من مختلف الثقافات واللغات عبر لغة وسيطة، هي في الغالب الإنجليزية أو الفرنسية، أو حتى الإسبانية، وعندما تقرأ الأعمال التي ترجموها، تلحظ أسلوباً موحداً في الترجمة، وهو أسلوب سلس، يخلو من الأخطاء اللغوية، لكنه بالطبع يبتعد عن الخصائص الأسلوبية للكاتب الأجنبي، وأعني هنا مثلاً اعتماد الكاتب على جمل طويلة بها جمل اعتراضية، أو البعد عن التعبيرات الشائعة المستهلكة (الإكليشيهات أو المصكوكات اللغوية)، أو ابتكار مفردات أو صور بلاغية جديدة، والإحالة إلى عبارات شائعة وتحويرها، كل هذه السمات تختفي في النص العربي، ونصبح أمام نص أملس، سلس، يستخدم لغة ومفردات وبنية للجملة تتكرر مع كل كاتب.
إذا كان لي أن أتحدث عن خبرتي الشخصية، فسأقول إن مَن يقرأ ترجمة مثل (الكونترباص) لزوسكيند سيجد لغة وأسلوباً يختلفان عن ترجمة مسرحية أخرى مثل (مدرسة المستبدين) لإريش كستنر، وهذه تختلف بدورها عن ترجمة (99 في المئة.. الخوف والبؤس في الرايخ الثالث) لبرشت، ناهيك عن اختلاف الأسلوب تماماً عن ترجمة رواية مثل رواية (عازفة البيانو) لإلفريده يلينك التي تحفل بالمفردات الصريحة التي تسمي الأشياء بأسمائها، أو عن ترجمة (صداقة) لتوماس برنهارد بتكراراته التي لا تنتهي والتي قد تولد السأم في نفس القارئ، لكنها من سمات أسلوبه. في كل عمل من هذه الأعمال حاولت -ولا أعلم إلى أي مدى نجحت- أن أجد مقابلاً عربياً لسمات أسلوبية معينة، ولهذا فالأسلوب في كل عمل يختلف عن الأسلوب في عمل آخر.
في بعض الحالات تقوم دور النشر بهذا الدور، دور (توحيد) الأسلوب العربي، مثلما قرأت مؤخراً على صفحة الكاتب المغربي محمد سعيد أحجيوج الذي انتقد الابتعاد عن سمات أسلوب جيمس جويس في ترجمة عمله الأول (صورة الفنان في شبابه)، وذلك عندما قارن بين طبعتين للمترجم نفسه (ماهر البطوطي)، ورجّح أن دار الآداب قامت في الطبعة الحديثة بتدخل كبير وأنها (بسّطت النص بشكل مخل) - حسب رأيه.
البساطة أم التعقيد، ما المدخل المناسب للمترجم برأيك في فعل الترجمة لعمل أدبي بعينه؟
- عطفاً على إجابة السؤال السابق أقول إن النص هو الذي يفرض البساطة أو التعقيد على المترجم. إذا بسّط المترجم نصاً ذا أفكار مركبة صعبة (ولا أتحدث عن أن تكون الترجمة مفهومة)، فهذه، ولنستخدم التعبير الشائع، (خيانة)، وإذا عقّد نصاً يتسم بالسهولة والسلاسة، فهذه أيضاً خيانة.
بعض الكتاب والروائيين، حين تسألهم عن موقفهم من ترجمة أعمال ترجمت لهم، يأتي الرد: (إن تلك لم تعد كتبنا لكنها بالأحرى كتب المترجمين)؛ إلى أي مدى تبقى الترجمة إشكالية في نظر بعض المؤلفين، تنزع روح النص الأصلي، أو لعلها تبدل جلد أسلوب الكاتب في كتابة ولغة الكتاب الأصلية كما سبق وطرح كثيراً؟
- المترجم يضفي من أسلوبه ومن رؤيته على الترجمة، وهو ما قد يؤدي إلى الابتعاد أو الاقتراب من الأصل. لكن الترجمة لن تكون أبداً (صورة طبق الأصل). كل ترجمة تأويل، السؤال هو: هل كان المترجم موفقاً في تأويله أم لا؟ هل حاول أن ينقل السمات الأسلوبية الخاصة بالكاتب؟ هل ابتعد عن روح العمل؟ في النهاية العمل يُنسب إلى المترجم، لذا تتعدد الترجمات للكاتب الواحد، ونتحدث عن اختلاف كل ترجمة عن الأخرى، حتى لو كانت كل ترجمة جيدة في حد ذاتها.
تبقى أمزجة القراء ذائقات مختلفة بين الائتلاف والتقاطع، عند تلقي النص المترجم؛ ما حجم الانطباع لدى المترجم في الحال العربية من واقع تجاربك؟
- يكفي أن تقرأ آراء القراء على موقع (جودريدس)، ستجد آراء غاية في التطرف، الترجمة نفسها قد تمدح، ويقول القارئ إنها رائعة واستطاعت أن تعكس روح العمل الأصلي.. إلخ، وقد يصفها قارئ آخر أنها من أسوأ ما قرأ، ولم يستطع إكمالها. وأعتقد أن السبب يعود إلى افتقادنا معايير موضوعية عن جودة الترجمة، ويرجع أيضاً إلى دور النشر التي لا تحرص على مراعاة حد أدنى من جودة ما تقدمه.

ذو صلة