ليندا إبراهيم: الشعر أعطاني كل شيء وأخذ مني كل شيء
حوار/ عذاب الركابي: العراق
ليندا إبراهيم الشاعرة - الطفلة منذ بدء الزمان وحتى نهايته، اسمها الحركي الشام، وهويتها العربية بنبض قلب درويش ناسك، صورتها الحالمة بكل ألوان الطيف، وهي واحدة من أيتام الحرية.
ليندا - الشاعرة، والكتابة مسؤولية مرعبة وشائقة في آن واحد، والشعر المستعذب صنوَ الروح، قد أخذ كل شيء.. وتظل الكتابة والشعر لديها أسلوب حياة، وأداة مقاومة.
دمشق حيث الغربة في الوطن، وبغداد الإقامة لذة عيش اللحظة الراهنة، حيث الإجابة طازجة متلهفة لكل أسئلة القصيدة.
والقصيدة بكل ما فيها من قواف مسالمة ومتمردة، هي تنويعات على إنسانيتنا.. وإن ولادة القصيدة هي حياة متجددة.
الشاعرة السورية - ليندا إبراهيم أبداً على قيد الحياة.. على قيد الشعر!
شاعرة روحها الشام.. وقلبها درويش ناسك.
شاعرة وإعلامية.. لو أردتِ رسمَ بورتريه لذاتك الشاعرة - الكاتبة، أي ألوان وخطوط وظلال وإيقاعات، يمكن أن تجسد وتوصل ملامحك إلى القارئ؟
- أكثر من (بورتريه) في الحقيقة: طفلةٌ من بدء الزمان أول شهقة لها على صدر دمشق، ياسمينٌ شغاف قلبها، وروحها بلون الشام، تاجها الشمس وخصرها بردى.. وآخَر: مولودةٌ من حرير الطبيعة خضرةً وماءً وزهراً بملامح فينيقية وروحِ رسولةٍ غَمَرَها الوحي للتو.. وثالثٌ: (أمازونةٌ) حولت أنوثَتَها إلى حرابٍ، مِجَنها كلمةٌ ملءَ الكون اسمها (شام).. وآخر رابعٌ: امرأةٌ من ترابٍ وجعها وجع المساكين، وقلبها درويشٌ ناسكٌ، في إهابها مريمات وفاطمات وزينبات كثيرات يحكين وجع القصيد..!
أكثر من عشر مجموعات شعرية صدرت في العواصم العربية، ابتداء من (لدمشق هذا الياسمين) 2012، ومروراً بـ(على الجسر العتيق) 2019، و(تكايا الرغبة)، وليسَ انتهاء بـ(فوق عرش الزمان) 2025. أية مغامرة شاقة - عذبة هذهِ؟ ماذا أخذ الشعر منك؟ وماذا أعطاك؟ وما جدوى الكتابة في عالم وزمن لم يعودا شعريين؟
- الكتابة بحد ذاتها مغامرةٌ شهية شاقةٌ، فما بالك بالشعر تحديداً؟ إنها تلك المغامرة في مناطق قفر لم يطرقها أحد، إنها مسؤولية على الرغم من شقائها إلا أنها مستعذَبَة لكل روح مَسها الشعر.. وهنا أستطيع القول بكل صدق إن الشعر أعطاني كل شيء، وأخذ مني في المقابل كل شيء.. فمن يَهَب حياته وروحَه وقلبَه وقلَمَه للشعر حتماً سيصل إلى مكنونه، وكأنه وصل إلى عشبة الشعر الخالدة وامتلك أوقيانوسَه الأعظم، لكنه يفقد بالمقابل أشياء كثيرة تتنافى ووجود الشعر. الكتابة أعتبرها فعلَ حياة، وفعل الحياة هو في الصميم فعل مقاومة لكل ما يعيق ويعترض هذه الحياة، ولا سبيل للاستمرار في عالم تدنسَ بكل ما هو مادي أناني شحيح الروح، بدون الكتابة، فالكتابة فعل وجود.. (أنا أكتب إذن أنا موجودة).
يقول (موريس بلانشو): (الكتابة أشبه بالولوج إلى معبد، يفرض علينا قدراً من العادات وإيماناً ضمنياً)! هل لديك عاداتٌ وطقوسٌ أثناء لحظة الإلهام - الكتابة؟ ومن دمشق إلى بغداد، هل للمكان دور في صيد مطالع وقوافي القصيدة؟
- وما الشعر دون إيمان؟ إنه لا قيمة له، بل لا أعتبره شعراً.. أما لحظة الإلهام فتشبه تلك اللحظة التي تهوم فيها القصيدة كغيمة حول روحي، أو هيولى فائضِ القلبِ والعقلِ والكون، تسبح حولي، ويغرق بها عقلي، ويصبح رأسي وجسدي عديمَيْ الوزن، بينما الشعر يتدفق من كون علوي إلى روحي وأبدأ الكتابة، وما أن أنتبهَ بانتهاءِ الفيضِ حتى أكونَ مجهدةَ الروح بتعبٍ شهي ودموعٍ تنهمر من روحي تعَمد النص المولودَ للتو... !
(بغداد) حلم كل شاعرٍ كما هي عبرَ الزمان عاصمة العلم والأدب والشعر.. ما أن أقمت فيها حتى شعرت بذلك الشعور الساحر، وهو لذة عيشِ اللحظة الراهنة، وانبثاق كل يوم جديد لم يمر علي في حياتي وأنا في هذا المكان وهذه الحال. إنها حتى الآن لحظاتٌ أتشرب بها روح بغداد وزمانها والمكان، تاريخها والجمال بكل مراحله.. لحظة أمسح فيها تبرَ التاريخ عن ذهب الأوابد، وقامات الغابرين، أستنطقها أسبر أرواحَ الصوفيين والملوك والناس الذين عاشوا ومضوا، أستنطق الشعر في بلد كله شعر.. كمسحورة، أتشبع بالأمكنة، وأحيا في (درابين) بغداد العتيقة.. بغداد التي لها رائحة ليست كرائحة مدينة أخرى، هي خليط سحري من المتنبي وأبي نواس والبصري والفراهيدي وموصل الفن ودجلة والفرات..!
يقول (تيري أجيلتن): (الوطن المكان الهندسي للعقل الكلي، وللحرية العليا)! أي أبجدية لقافية القصيدة داخل الوطن وخارجه؟ أم مواطنين مجازاً في أغلب الأحيان؟
- أتصدق بأنني أشعر وأعيش في العراق على أنه بلدي؟ نشيده الوطني أحفظه من طفولتي، وأهلوه أناس طيبون مضيافون كرماء، عرفتهم منذ ما ينوف على العقد من الزمان، على أرضه أمارس مواطنيتي كاملة كعربية لي حصة في المتنبي كما حصتي من أبي فراس، لي حصتي من المعري كما أبي نواس.. أعيش دونَ خوف، بالترحاب والمحبة والمودة والاحترام، أشعر كأنني عشت فيه منذ زمن، وأنني سأحيا فيه لأمد طويل..
وطني مَنْ ملامِحِي مِنْ ملامِحِهِ، وشغافي تخفق بحب ترابه، وأهله، وشعبه. وطني مَنْ عاش مصيراً مشتركاً ووحدة دم ومصيراً مع وطني الأول: سورية.
يقول الروائي (باولو كويلهو): (لا يمكن للكاتب إلا أنْ يكتبَ عن حياتهِ الخاصة)! والشاعر نص يواصل كتابة ذاته! القصيدة وأنتِ، مَنْ يكتب مَن؟ أي سر كوني هذا الذي يفجر القوافي والكلمات والأخيلة في ذاكراتنا؟ حدثيني!
- الكتابة بحد ذاتها كتابة فوق كتابة، نحن نكتب فوق ما كتب السابقون والعبرة بالإتيان بالجديد الحديث المتجدد. الكتابة فعل مستمر لا يتوقف، نحن نكتب أنفسَنَا وغيرنا بأشكال مختلفة لحقيقة واحدة، نكتب الإنسان فينا بكل أخلاقياته وانفعالاته ومواقفه ورؤاه وإحساساته، ولهذا تأتي القصيدة تنويعات على إنسانيتنا مختلفة الوجوه لحقيقة واحدة هي ذاتنا وحقيقتنا الإنسانية.. وفي الحال هذا نجد أن القصيدة لا تنفصل عن روح الشاعر وحياته وأفكاره وما يهجس به وما يتوق إليه، فهي الروح تنزف والنفس تكتب حقيقتها وتجلياتها كلها.
كانت لك مشاركاتك في الملتقيات الثقافية والإبداعية - الشعرية في عدد من العواصم العربية.. قولي لي ماذا تضيف هذه الملتقيات للإبداع والأدب والثقافة؟ أهي بؤرة التواصل بين الكتاب والمبدعين؟ كشاعرة ماذا أضافت إليك هذه الملتقيات، وهي يغلب عليها الطابع الرسمي أحياناً؟
- نعم.. شاركت منذ ما ينوف على العقد من الزمن في أهم المهرجانات والملتقيات والجوائز والمسابقات في أكثر من بلد.. وأقول إن الملتقيات مناسبات للقاء والاطلاع على تجارب الآخرين، ولقول كلمتي من خلال القصيدة، ولاحقاً يجب أن تكون هذه الملتقيات محفزاً لمواصلة الإبداع واجتراح القصيدة والخوض في مفاوز الشعر لكي أنافس نفسي والآخرين أمامه وأمام غيري من الشعراء.. لقد أضافت وتضيف الكثير كي أعرف أين أنا وأين تجربتي وقصيدتي، صحيح يغلب عليها الطابع الرسمي لكن رسميتها تلطف بلقاء الشعراء الذين هم من يسمون الحياة بطابع الجمال والأدب والمحبة.
في رائعته (الباحث عن الذهب) كتب (لوكليزيو): (الحياة لا نهاية لها، الكتب الحقيقية لا نهاية لها)!أي الكتب تشغلك كشاعرة وتؤثر فيك؟ وتغذي حلمك؟ مَنْ من الكتاب والشعراء تدينين له بمغامرة القصيدة؟
- الشعر.. والروايات العربية والعالمية لأشهر الكتاب، وكذلك أهتم بالأعمال الفائزة بجوائز مرموقة وأسعى للحصول عليها.. كتب النقد، والكتب الفكرية والسياسية.. كل هذا يقدم وجبة المعرفة والفكر المغذية للكتابة الشعرية، ولا أنسى مشاهدة السينما وسماع الموسيقى والأغاني.
اهتتمت في البداية بدرويش والجواهري والحِصني وجوزف حرب وأنسي الحاج وأدونيس ومحمد عمران إلخ.. كل هؤلاء حفزوني للمتابعة وخوض غمار أشكال القصيدة والتجريب بها.. فقد دخلت مجال الشعر وأنا جاهزة الوزن واللغة فقط، تعبت على المضمون والتجربة والصورة الشعرية. أدين لمحمد عمران وعبدالقادر الحصني ودرويش بالتخلص من الكتابة التقليدية إلى النص الشعري الناضج شكلاً ومضموناً.
الكتابة حياة!
هل تشعرين أنك تكتبين انطلاقاً من الذاكرة؟ إلهام أم خيال؟ أم واقع؟ أم خليط جمالي بديع من كل ذلك؟ حدثيني!
- أكتب ذاكرتي، يأتيني الإلهام وهو دفقةٌ لا شعوريةٌ من الشعور، أكتب الواقع، وآتي من الخيال فالشعر كل هذا وأكثر!
أحياناً أرى طفلاً يبكي أو أتذكر طفولتي بأطفال من الواقع، ما يفسح المجال أمام روحي لتتذكر طفولتها.. هاجسي بوطني وأمي وأبي وأهلي، بكل المدن التي عشت فيها والبلاد التي زرتها.. كل هذا يصبح مبعثاً للقصيدة. ولا أنسى السفر الذي يجعلني أقطف القصيدة من ذرا الغمام ورائحة الطبيعة وحركة الناس البسطاء العفويين وجلبَةِ المدن والحياة العامة.
ومع هذا كله فأنا أشعر أنني على قيد الحياة، فقط، عندما أكون على قيد الشعر.