مجلة شهرية - العدد (602)  | نوفمبر 2026 م- جمادى الأولى 1448 هـ

الإتباع اللغوي بين الفصحى والعامية

نالت العربية بصفتها لغة الفصاحة والبيان، اهتماماً واسعاً من علماء اللغة، الذين سبروا أغوارها، وكشفوا مكنونات أسرارها، وما تزخر به من أساليب القول، وفنون البلاغة والبيان، ومن مظاهر ذلك اهتمامهم بأسلوب الإتباع الذي يضفي إلى جانب الأساليب الأخرى من توكيد، وقلب، وتعاقب، وترادف، وسجع، ومزاوجة، وأمثال، ثراءً لغوياً في الأداء والتعبير، وتنوّعاً في الدلالة المعنوية، والصياغة الفنية في الكلام.
ولقد عرفت شعوب العالم الإتباع واستخدمته في لغاتها وكلامها، لكن استعماله في العربية كان أشمل وأعم، إذ لم يقتصر على اللغة الفصيحة فحسب، بل تجاوزها إلى اللهجات العامية الدارجة، فأصبح جزءاً من الموروث الشفاهي وأنساق التعبير الشعبي، الذي يعد نسقاً موازياً للثقافة المكتوبة، يغذي المخيال النخبوي بأنماط تمثله وصوره.
ومن هنا جاء اهتمام الأدباء والنحويين واللغويين بأسلوب الإتباع، ونبعت عنايتهم به فعقدوا له فصولاً موزعة، في كتبهم وصنفوا فيه مؤلفات مستقلة، تشرح معناه ودلالته، ومنها على سبيل المثال كتاب: (الإلماع في الإتباع) للسيوطي، و(الإتباع) لعبدالواحد بن علي الحلبي، و(الإتباع والمزاوجة) لابن فارس، فما هو الإتباع، وما شروطه، ووظائفه، وعلاقته بأساليب الكلام الأخرى؟
معنى الإتباع
تعددت الأقوال والآراء في تعريف الإتباع، وتحديد معناه وشروطه، وغاية استعماله في الكلام، فهو بحسب تعريف الثعالبي: أن تتبع الكلمة الكلمة على وزنها ورويها، وشاطره ذلك أبو البقاء الكفوي إذ قال: الإتباع: هو أن تتبِعَ الكلمةَ على وزنها أو رويها، وسمَّي إتباعاً: لأن الكلمة الثانية، إنما هي تابعة للأولى على وجه التوكيد، وذلك كقولهم: سَاغِبٌ لاغِبٌ، فقير وقير، وعَطشَان نطشان.
ويقع الإتباع وفق رأي أبي علي القالي على وجهين:
أحدهما: أن يكون للثاني معنى كما في (هَنيئاً مَريئاً)، والآخر: أن لا يكون له معنى، بل ضُمَّ إلى الأول لتزيين الكلام لفظاً وتقويته معنى، نحو قولك: حَسَن بَسَن.
وفي هذا المنحى يصب رأي ابن فارس، إذ قرن بين المزاوجة والإتباع، وقال في تعريفهما: كلاهما على وجهين:
أحدهما: أن تكون كلمتان متواليتان على روي واحد.
والوجه الآخر: أن يختلف الرويان ثم تكونان على وجهين: أحدهما: أن تكون الكلمة الثانية ذات معنى معروف، والآخر أن تكون الثانية غير واضحة المعنى ولا بينة الاشتقاق.
الإتباع وشروطه
وللإتباع شروط ونواظم في الاستعمال أشار إليها علماء اللغة والنحو والبلاغة من حيث: علاقة الترتيب بين التابع والمتبوع والفصل بينهما وعددهما واشتراكهما في الوزن والروي والمعنى الذي يضيفه التابع على المتبوع وهو ما يمكن إيجازه بالآتي:
1- الترتيب والتوالي: ويكون بين كلمتين متواليتين، كالقول: عِفْريت نِفْريت، لكن الإتباع قد يأتي أحياناً على ثلاث كلمات كقولهم: حَسَن بَسَن قَسَن، وحَار جَار يَار، كما يكون أحياناً على أربع كلمات مثل: كَثير بَثير وبَذير وبَجير، لكن الأكثر تداولاً أن يكون الإتباع على كلمتين.
2- الوزن: وهو مما اتفق عليه الجميع، أي أن تأتي الكلمتان على وزن واحد كقولهم: كَثير بَثير (فَعيل)، وحَائِر بَائِر (فَاعِل)، وأَحمَر أَقشَر (أَفعَل) وخَزيَان سَوآن (فَعلان).
3- الروي الواحد: وهذا أيضاً مما جرى الاتفاق عليه، أي أن يكون للكلمتين روي واحد نحو: مَليح قَزيح، خَرَاب يَبَاب.
4- الفصل بين الكلمتين: وهو مما اختلف فيه فذهب بعضهم إلى عدم جواز الفصل بين التابع والمتبوع، كقولهم: ضَئيل بَئيل، ولكن الأمثلة على الفصل بين التابع والمتبوع كثيرة جداً ما يعني جواز الفصل بينهما بالواو كقولهم: يَشمُّ ويَرمُّ، شخير ونخير، وقد عدَّ الأصمعي الفصل بالواو مباحاً بلغة أهل اليمن كقولهم: حِلٌّ وبِلٌّ، وتعني المُباح.
5- إفراد التابع: حيث يرى بعضهم عدم جواز استخدام الكلمة الثانية التي هي التابع مفردة في الكلام، وهو ما ذهب إليه الكسائي، وكذلك الكفوي إذ قال: ليس يُتكَلّم بالكلمة الثانية منفردة، وقد نقض السيوطي ذلك وأورد العديد من عبارات الإتباع مما يفرد كقولهم: غَنيٌّ مَليٌّ، فيجوز أن يقال: هو غنيّ، وهو مليّ، وكذلك: خفيفٌ ذفيفٌ، فمن الجائز القول: هو خفيف كما يقال هو ذفيف.
6- معنى التابع: حيث يرى الآمدي أن التابع لا يفيد معنى أصلاً، ويستشهد بذلك بقول ابن دريد: سألتُ أبا حاتم عن معنى قولهم: بَسَن، فقال: لا أدري ما هو، وقد استنكر السبكي ما ذهب إليه أبو حاتم فقال: إن العرب لا تضعه سدى، وجَهلُ أبي حاتم بمعناه لا يضير، ومعنى قوله: إن له معنى وهو لا يعرفه.
وظيفة الإتباع
وللإتباع باتفاق الآراء وظيفتان: إحداهما لتوكيد الكلام وتقويته، والأخرى: لتنميق الكلام وتزيينه، وحول دلالة الوظيفة الأولى قال ابن الأعرابي: سألت العرب: أيُّ شيءٍ معنى شَيطَان لَيطَان؟ فقالوا: هو شيء نَتِدُ به كلامنا: أي نشدّه. واشترط القالي والكفوي لدلالة الإتباع على التوكيد: أن تكون الكلمة الثانية بمعنى الأولى، ولكنها تخالفها لفظاً كقولهم: رَجُلٌ قَسِيم وَسِيم، فكلاهما بمعنى واحد مع اختلاف لفظيهما، ولكن استخدامهما معاً أكد على زيادة معنى الحُسن والجمال، ومثله قولهم: أسْوَان أتْوَان، فلهما المعنى ذاته وهو الحزن والأسى.
أما إذا كان معنى الكلمة الثانية غير معنى الأولى، فإن غاية الإتباع تنصرف برأي الكفوي إلى وظيفة تزيين الكلام وإيجاد تناغم صوتي بين عبارتي الإتباع وذلك كقولهم: عطشان نطشان، وحسن بسن.
الإتباع وأساليب الكلام الموازية
ولعلنا من وحي الآراء السابقة نلحظ وقوع بعض التشابه والتقارب أو التمايز بين أسلوب الإتباع وأساليب المزاوجة والتوكيد والترادف، فابن فارس يجعل الإتباع والمزاوجة شيئاً واحداً، وجاراه في مذهبه ابن منظور بقوله: ازدوج الكلام، وتزاوج: أشبه بعضه بعضاً في السجع أو الوزن، أو كان لإحدى القضيتين تعلق بالأخرى. وزوج الشيءَ بالشيء، وزوجه إليه: قرنه.
أما ما يخص العلاقة بين الإتباع والترادف، وهو وجود أكثر من اسم للشيء الواحد كقولهم: (العسل، الضّرب، الورس، الشهد، الرُّضاب) فإن المترادفين يفيدان فائدة واحدة من غير تفاوت، والتابع لا يفيد وحده شيئاً، بل شرط كونه مفيداً تقدم الأول عليه، وهو ما ذهب إليه فخر الدين الرازي والسيوطي.
وتبقى العلاقة بين الإتباع والتوكيد قائمة في الدلالة المعنوية والوظيفية، وعلى الرغم من ذلك ميّز السبكي بينهما، فقال: إن التأكيد يفيد مع التقوية نفي احتمال المجاز، وإن التابع شرطه أن يكون على وزن المتبوع، والتأكيد لا يكون كذلك.
الإتباع في العاميات الدارجة
أشرنا إلى أن أسلوب الإتباع مما شاع استعماله في اللغة الفصحى واللهجات الدارجة في البيئات العربية كافة، ومن ذلك العامية السورية في بوادي الجزيرة الفراتية وأريافها، وهذا ما تؤكده الأمثلة المقتبسة والجمل والعبارات الشائعة المتداولة التي وقفنا على مادتها مما يقع في قاموس الحياة الشعبية ويجري ويدور على الألسنة، اعتماداً على الرواية والمشافهة، والأخذ من كبار السن والمعمرين، ونمثل لها بالنماذج الآتية: (لا ظَنَا ولاحَنَا)، ويقال أحياناً: (الطنا)، (يا خَايْبَهْ يا سَايبَهْ)، (صَابَكْ ونَابَكْ)، (الهَفا واللَفا)، (لا حِتّي ولا فِتّي)، (تِلْتِي بِلْتِي)، (هَرْجْ ومَرْجْ)، (سَيَّاحْ نَيَّاحْ)، (سَدِحْ ورَدِحْ)، (حَنْدي يا بَنْدي )، ( سْهِيدَة ومْهِيدَة)، (حَارَتْ وبَارْتْ)، (دَاشِرْ كاشِرْ)، (شَطْرَه بَطره)، (غَمَّاز لمَّاز)، (لا حِسْ ولا مِسْ)، (حَلْسَة مَلْسَة)، (خِيْطِي بِيطي)، ( سايع ضايغ)، (مصقع ملقع)، (عاطل باطل)، (حلال زلال)، (عطال بطال)، (يا عَدِّل يا بَدِّل)، (مْهجُوْمْ مَرْدُومْ)، (حِزِينْ لِزِينْ)، (العِريْ البِريْ )، (كَانِي ولا مَاني).
سياقات الإتباع في العامية
جاءت سياقات الإتباع في العامية قريبة من سياقاتها التركيبية واللفظية في الفصحى، وقد تطابقت وإياها تطابقاً كلياً وربما تباينت في بعض المواضع والعبارات الموازية، وهو ما يتضح من خلال المقارنات والاستنتاجات الآتية:
1 - حافظت العامة على بعض عبارات الإتباع القديمة واستخدمتها بلفظها ومفرداتها دون تعديل أو تغيير كما في قولهم (حلال زلال - شخير نخير- حارت بارت - غمز ولمز..).
2 - أجرت العامة على بعض العبارات تعديلات لفظية طفيفة مع حفاظها على المعنى ذاته كالقول: (سهيدة ومهيدة) يقابلها (سَهَد ومَهَد)، و(شذرة وبذرة) يقابلها (شذر بذر)، (صايع ضايع) يقابلها (سائع ضائع)، ونحو ذلك كثير.
3 - عدلت العامة بعض العبارات من حيث تغيير إحدى المفردتين واستبدالها بمفردة أخرى مع الحفاظ على المعنى كالقول: (أنا العري البري) يقابلها (أنا البراء الخلاء)، (لا كادود ولا رادود) يقابلها (كادّ لادّ)، (يحوث ويبوث) يقابلها المصدر(حوثاً بوثاً)، (لا يحم ولا يرم) يقابلها (يشم ويرم).
4 - التطابق شبه التام من حيث معنى الإتباع وشروطه وغاية استعماله وتداوله في الكلام.
ونستخلص مما سبق أن الإتباع الذي وقفنا على نماذج منه في اللغة الفصحى واللهجات الدارجة هو امتداد لما عرفته العرب من أسلوب الإتباع وما تداولته في كلامها لغايات تعبيرية وجمالية وهذا يؤكد الوحدة العضوية والتكامل بين الثقافتين المكتوبة والشفاهية وامتزاجهما عبر تخطي حدود الزمان والمكان في الوجدان الجمعي والذهنية الشعبية، الأمر الذي يدعو إلى الاهتمام بهذا الموروث وحفظه من الضياع والاندثار جراء التحولات الاجتماعية والاقتصادية والمتغيرات الثقافية والإعلامية.

ذو صلة