الأدب الساخر فن من جملة فنون تراثنا العربي الذي يزخر وتتزعمه جمهورية مصر، وكتابه؛ أنيس منصور، والسعدني، وكذلك يوسف معاطي الذي كان سبباً -بعد الله- في دخولي نافذة القراءة، وغيرهم كثير. بل إن لدينا بالخليج قلة قليلون ممن يسلك هذا الباب، كصاحبنا مبارك الشعلان، وعامل المعرفة د. أحمد العرفج، وغازي القصيبي -يرحمه الله، وعبدالعزيز السويد، والعكاظي آنذاك خلف الحربي. وبالمجمل -ربعنا- تراهم يزيدون قليلاً وينقصون عن أصابع كلتا اليدين.
وهو وسيلة -أي الأدب الساخر- لما يدور في خلجات الكاتب ليبين وجهة نظره أو قراءته لظاهرة معينة، وتظهر للمتلقي -على قول الفقهاء- بحائل (أي: ساتر أو حجاب).
ومما نجد فيه -الأدب الساخر- أن الأسلوب يجمع الشيئين: ابتسامة ووخزة، فالوخزة تنبئك بالتفكر والتراجع جملة أو برهة من الوقت لتتفكر في الحال. والابتسامة من باب الإحسان وبذل الصدقة. وحسبي أن أجزم أن كتابات أي كاتب ساخر تنطوي متخذة المثل الشامي القائل: (ثلثين مزح الرجال جد). وكذلك قول أصحاب بوتين بيك في مثلهم الروسي: (لا توجد مزحة خالية من الحقيقة) سناماً وقاعدة لنصوصهم.
****
هذا ما سيفعله بك الكتاب الوديع خفيف الظل عظيم المتن (هايد بارك) لمؤلفه الصديق الكويتي مبارك الشعلان -أبو عبدالله-، وقد بيَّن كما هو واضح في الإهداء بقوله: (... هي ليست مقالات، كانت رئة ثالثة أتنفس منها لأكتب للناس والحياة..). فكأنما بقصده أن الكتابة هي الوسيلة التي جعلته يعيش الحياة ليعطي روح الحياة للآخرين، وأحسب أنه اتخذ العنوان من الحديقة الشهيرة بلندن، والتي اشتهر عنها وقوف أناس يتحدثون فتسمع صخب الحديث تارةً يتغلب على حقيقة المعلومة والعكس أيضاً يحدث.
وحاشا صاحبي، فهو من (العكس) والذين أعني بهم من حديثهم كالفياض والرياض بعد الغيث، ملامس للمشاعر قبل الأفئدة، صادق الغاية، وقد حوى هذا الكتاب جمعاً غفيراً من مقالات الكاتب في شؤون متنوعة، فهو يناقش لك السياسة الساخرة، فقد نقدها من جانب خطاباتها وشعاراتها بقضها وقضيضها. وشخوصها بالطبع لم يسلموا أيضاً، ويصول ويجول في مواقفنا نحن بني آدم مفارقة وتهكماً ومبالغة كذلك، ووضع لشؤون الحياة والمجتمع دافعاً لكسر روتينها الجامد. وعن تساؤلاتها أيضاً، وخاض غمار التناقضات والمفارقات وهلم جرا، متخذاً طريقة (سيده يا مودير) أو باستخدام حق الفيتو، وحتى باستخدام الباراشوت.
فهو مؤمن أخونا مبارك بأنه كما قال بما نصه: (آمنت بأن القنبلة التي لا تنفجر ربما تكون أي شيء آخر إلا أن تكون قنبلة، وأن الكتابة التي لا تفجر ربما تكون أي شيء آخر إلا أن تكون كتابة)!
ولعلي وإياكم سأجول في ثنايا هذا الكتاب معلقاً على بعض القضايا التي تلامسنا، أو على الأقل لامست صاحبكم أثناء رحلتي معه: نعلم يا كرام أن المديرين فيهم الصالح والطالح. وكما قرأت قبل أيام مقالة للدكتور شلاش الضبعان -وفقه الله- عبر الزميلة (صحيفة اليوم)، مقالة عنونها بـ(حين يصبح المدير أداة هدم لا بناء) والتي أقتبس منها، واستوقفني قوله: (على كل مدير أن يتقي الله، ولا يرضى للآخرين ما لا يرضى لنفسه، وعليه أن يعلم أن المدير الناجح لا يقاس بقدرته على إخافة موظفيه، وإنما بقدرته على إلهامهم، وكسب ثقتهم، وإطلاق طاقاتهم).
وقد ألهمتني نفسي لخاطرة كتبتها وعنونتها: (تحفة النبهاء وعبرة الفضلاء في اختلال موازين تقييم المديرين السفهاء). حبرتها لكل مدير لا يحمد الفوز. سأجعل نشرها لحين آخر أو سأقوم بوضعها مع أخواتها قيد الحفظ. أو نجعلها (بقليط) وفي رواية (بقريح) فما صاحبكم إلا (كحاطب ليل).
وللمديرين هؤلاء رعايا ومقربون وحاشية تراهم (شرذمة قليلون)! قاموسهم العملي: العمل على مبدأ ماسحي الجوخ، وماسحي الأحذية، ونتيجتهم وغايتهم العظمى إننا نمسح لنربح! -إلا من رحم ربي-
يذكر صاحبنا أبو عبدالله الشعلان عنهم بكل تجريد -لا فض فوه ومات حاسدوه-: (ماسح الأحذية (بلا مستقبل) وقد يفقد مهنته بسبب التطور التقني وإيجاد آلة تقوم مقامه. أما ماسح الجوخ فمستقبله زاهر على طريقة ذلك الشخص الذي قال إنه يشك في أنهم يريدون الاستعاضة عنه بالكمبيوتر، وطمأنه زميله قائلاً: (ولو... من أين سيجدون كمبيوتر ينافق ويقبل الأيادي ويمسح الجوخ مثلك)؟ لذلك فإلى أن تصل التكنولوجيا لبديل لماسح الجوخ نقول له ما قيل لمربع: فأبشر بطول سلامة يا مربع..! ولا عزاء لماسح الأحذية)!
قلت: فمهما تقدمنا فستظل هذه السلوكيات الملتوية والشائكة التي تنضح بالنفاق البشري موجودة لا محالة، لأنها ليست من آفات العصر فحسب، بل هي داء عضال يصيب النفوس المتلونة.
****
ومن صميم قولنا: (اللي ما يشتري يتفرج)، وتحدث -وفقه الله- في هذه الجزئية عن حال معارض الكتب وأن علاقتنا مع الكتاب سيئة وذهاب البعض يكون للفرجة وأن الأزمة هنا هي أزمة مجتمع لا أزمة كتاب وثقافة، قال ما نصه: (ما نحتاجه فعلاً هو غرس فضيلة القراءة في نفوسنا. في الغرب القراءة وسيلة لكسب الوقت لا لقتله فهم يقرأون في المطارات ومحطات المترو وقاعات الانتظار، هوايتهم في ذلك (المطالعة) بينما نحن نمارس في هذه الأماكن هوايتنا المفضلة (المطالعة) ولكن هوايتنا تعني مطالعة الآخرين لا مطالعة الكتب)!
والحق يقال إن لدينا في المملكة متمثلين في وزارة الثقافة جهودهم رامية في هذا الشأن، ومما شاهدت بعيني كمبادرة الشريك الأدبي وغيرها، ومبادرة الطابعات المتنقلة التي تحوي قصصاً قصيرةً يمكن قراءتها في غضون وقت الانتظار، كما شاهدت ذلك في مطار الملك فهد بالدمام.
والحياة بمصراعيها مداولة، وقد صدق كاتبنا -سلمت براجمه من الأوخاز- في نظرته لها، فهي تلهب المشاعر وتقض بالأنين لنرى الواقع، فعلينا أن نرى ما يصفو لمزاجنا في كل حين وكل غرة حتى بأقل جزئية ولننظر للخير في كل شيء. فيقول: (فهذه هي الحياة، فأقل ما يمكن أن يقال عنها إنها غير عادلة، فهي تعطيك شيئاً وتأخذ منك أشياء، وتتركك تحلم بالشيء الذي لم تحققه، أما الشيء الذي تحققه فلا تمنحك فيه السعادة بما يكفي).
****
وفي النهاية أقول: وخلصت إلى أن هذا الكتاب له من اسمه نصيب، إذ إنه حديقة غناء كثيرة الأشجار وافرة الخضرة حسنة النبت، فأسلوبه وكلماته زاخرة المعنى غامرة المردود والنفع، حسنة البناء والسبك، فاقرؤوه واعتبروا يا أولي الأبصار. وأكتفي بما ألفيناه أيها الكرام ودمتم سالمين.