مجلة شهرية - العدد (601)  | أكتوبر 2026 م- ربيع الثاني 1448 هـ

الإسلام ورسوله في عيون المستشرق الفرنسي (هنري دي كاستري)

يعد هنري دي كاستري (1850 - 1927)، وهو كاتب ورجل أعمال مسيحي فرنسي؛ من المستشرقين المنصفين الذين كتبوا عن الإسلام ورسوله إعجاباً وانبهاراً، وإنصافاً للحقيقة، وانتصاراً للفضيلة.
عاش هنري بين الجزائريين زمناً طويلاً، وعمل ضابطاً بالجيش الفرنسي في الجزائر. ومن مؤلفاته: (مصادر غير منشورة عن تاريخ المغرب)، (الأشراف السعديون)، (رحلة هولندي إلى المغرب).
ويعد كتابه (الإسلام خواطر وسوانح) -مع ما وُجِدَ فيه من زَلّات- من أهم الكتب الاستشراقية إنصافاً للإسلام ورسوله، وهو موجز سهل في أسلوبه، ونفيس رائع في موضوعه، ويَسُدُّ حاجة ماسّة ومُلِحّة لدى الأحرار المنصفين. ترجمه إلى اللغة العربية أحمد فتحي زغلول.
ولا غرو ولا عجب أن يصدر منه ذلك؛ لأن الحقائق الناصعة لها في النفوس المتجردة المنصفة وَقْعٌ لا تستطيع إنكاره، وكأن لسان الحال والمقال يقول: إن قَدْرَ الإسلام الحنيف ورسوله العظيم مما لا يخفى على أحد، ومما يتعدى نطاقُه إلى غير الأتباع المؤمنين بهما، ليشمل المتطلعين إلى صفات الخير والبِرِّ والحب والجمال، ممن رؤوا في الإسلام وسماحته والرسول وسيرته تجسيداً حيّاً دائمَ الإشعاعِ لعظيم الصفات، وبديع المحاسن، ونبيل الأخلاق.
ومن يتتبع كتابات هنري كاستري في كتابه هذا يجد أنها قد اتسمت في كثير من الأحيان بالموضوعية والإنصاف والاعتدال، وقد جاءت مُؤَيَّدةً في كثير من المواضع بالأدلة والبراهين من القرآن الكريم والسنة النبوية والسيرة والتاريخ. ومن المقرر والمعلوم أنه أفضل ما تكون الشهادة حينما تأتي من مخالف محايد، أو عدو منصف؛ إذ الخلافُ ينبغي ألا يمنع الإنصافَ. والفضلُ ما شَهِدَتْ به الأعداءُ.
افتتح الكاتب كتابه بمقدمة أبان فيها عما دفعه إلى تأليف هذا الكتاب، وهو ما وجده وأدهشه في الجزائر من جنود كتيبته المسلمين الذين كان يقودهم، حيث وجد فيهم -حينما حان وقت الصلاة- اصطفافاً بدون تفرقة خلف إمامهم في الصلاة، وخشوعاً صادقاً، وتعظيماً مخلصاً لله سبحانه وتعالى، ووجد نفسه مأخوذاً بعظمة الإسلام وجماله، هذا بالإضافة إلى ما علمه عن النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- من عظيم أخلاقه، وكريم شمائله، وبالإضافة أيضاً إلى ما قصده -من خلال معاشرته الطويلة للعرب، وما عرفه عن الإسلام- من إظهار الصورة الحقيقية الصحيحة للإسلام لبني قومه، والردّ على افتراءاتهم على الإسلام ورسوله.
انطلق المؤلف في كتابه من موقف الإعجاب بالإسلام ورسوله، وإبراز محاسنهما، والدفاع عنهما، وتفنيد ما يحاك من شبهات حولهما كذباً وبهتاناً، وكشف زيف أعدائهما، ودحض أباطيل خصومهما، ولا سيما ما ذُكِرَ من أكاذيب وافتراءات وأضاليل أثناء العصور الوسطى التي ساد أوروبا فيها الجهل والظلام والتخلف الحضاري.
وأشار الكاتب إلى قضية صدق النبي في رسالته، وذكر أن اقتناع النبي بصحة رسالته يعد من أدلة صدقه، فقال: «ولسنا نحتاج في إثبات صدق محمد -صلى الله عليه وسلم- إلى أكثر من إثبات أنه كان مقتنعاً لصحة رسالته»، وأشار إلى أن مجيء النبي -وهو أُمِّيٌّ- بالقرآن يعد دليلاً أيضاً على صدق رسالته، فقال: «أتى محمد -صلى الله عليه وسلم- بالقرآن دليلاً على صدق رسالته».
واعترف الكاتب بأن القرآن ليس من ابتداع النبي ولا انتحاله، وإنما هو من عند الله، وذكر أن الذي نسب القرآن إلى النبي إنما كان دافعه إلى ذلك هو تكذيبه للنبوة، فقال: «لو قال قائل: إن القرآن ليس كلام الله، بل كلام محمد صلى الله عليه وسلم؛ فلا بد لنا على الحالين من الاعتراف بأن تلك الآيات البينات لا تصدر عن مبتدع أبداً، خلافاً لرأي من ذهب إلى تكذيب نبوته... فثبت بهذا أن محمداً ليس من المبتدعين، ولا من المنتحلين كتابهم».
ونفى الكاتب بالأدلة تَعَلُّمَ النبي من أي كتاب سبقه، واستفادته من أي مذهب تقدمه؛ الأمر الذي يدل على أن ما جاء به وحي إلهيّ خالص، فقال: «إذن، ثبت مما تقدم أن محمداً -صلى الله عليه وسلم- لم يقرأ كتاباً مقدماً، ولم يسترشد في دينه بمذهب متقدم عليه».
وذكر أن القرآن هو آخر الكتب السماوية نزولاً، وأنه محفوظ من التحريف والتبديل، وأن النبي محمداً هو خاتم الأنبياء، فقال: «ولكن الأمر الذي تهم معرفته هو أن القرآن آخر كتاب سماويّ ينزل للناس، وصاحبه خاتم الرسل، فلا كتاب بعد القرآن، ولا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم، ولن تجد بعده لكلمات الله تبديلاً».
وتطرق إلى أسباب سرعة انتشار الإسلام، وذكر منها ما وجدته الشعوب المقهورة والمستعبدة في الإسلام من نجاة وتخليص لهم من وطأة الظلم والإذلال والاستعباد، ونِيْر القهر والاستلاب والاستبداد، هذا بالإضافة إلى ما وجدوه فيه أيضاً من العدالة وحسن المعاملة والتسامح، وبالإضافة كذلك إلى اتفاق الإسلام مع الشرائع السابقة في الأصول، يقول: «ولانتشار الإسلام، ورضوخ الأمم لسلطانه، سبب آخر في هاتين القارتين: آسيا وشمال أفريقيا، هو استبداد القسطنطينية، فإنه كان قد بلغ منتهى العسف، ووصل جَوْر الحكام إلى درجة أرهقت النفوس. فلما جاء الإسلام ترامَوا إليه هَرَباً من الضرائب الفادحة، واستلاب الأموال، لأنه كلما أسلمت عشيرة رُفِعَ عنها أثقال المغارم، ورُدَّ إليها مالها المسلوب، ومن لم يقبل شريعة القرآن عومل هذه المعاملة عينها بلا قيد غير أداء الجزية، وكانت شيئاً يسيراً... وكان من وراء هذه المسالمة ولين المعاملة تقدم الإسلام حثيثاً، وسهولة استعلاء فاتحيه، لما سبقه من ظلم أكاسرة المملكة الشرقية... وعلى هذا يتحقق أن الدين الإسلامي لم ينتشر بالعنف والقوة».
وذكر أن الادعاء بأن الإسلام انتشر بالقوة والسيف ادعاء منتحل باطل، وبرهن على هذا الانتحال وذلك البطلان بعدم توقف انتشار الإسلام بعد الفتوحات الإسلامية، فقال: «قد كُشِفَ الغطاء عن الأسباب التي انتحلوها عِلَلاً في انتشار الإسلام انتشاراً عظيماً، وبَيَّنَا فسادها... ولو كان دين محمد -صلى الله عليه وسلم- انتشر بالعنف والإجبار، للزم أن يقف سيره بانقضاء فتوحات المسلمين».
وأشار إلى قضية تعدد الزوجات التي أراد مفكرو الغرب أن يعيبوا الإسلام من خلالها، وذكر أن التعدد لم يبتدعه الإسلام، لأنه كان موجوداً قبله، وإنما الذي جاء به الإسلام هو ضبط هذا التعدد وتحديده بأربع نساء كحد أقصى، بالإضافة إلى اشتراطه تحقيق العدل والقدرة على قضاء الحقوق وأداء الواجبات، وألا يكون الزواج على سبيل المتعة المؤقتة.
وشَنَّع على من يزعم أن عقد الزواج في الإسلام أشبه بعقد الشراء الذي يحول المرأة إلى سلعة، أو بعقد الاستعباد الذي يجعلها مملوكة مستعبدة، ورفض هذا الزعم الفاسد؛ لأن مقصود العقد هو رعاية المصلحة وصونها، وضمان الحقوق وحمايتها، فقال: «ومن الخطأ الفاضح، والغلو الفادح قولهم: إن عقد الزواج عند المسلمين عبارة عن عقد تباع فيه، فتصير شيئاً مملوكاً لزوجها، لأن ذلك العقد يُخَوِّل للمرأة حقوقاً أدبية، وحقوقاً مادية، من شأنها إعلاء منزلتها في الهيئة الاجتماعية».
وأشار إلى نظرة الإسلام المتوازنة بين سعادتي الدنيا والآخرة، حيث جعل للمسلم من كلٍّ منهما نصيباً، وذلك بخلاف ما يوجد في المذاهب الأخرى التي تقصر النعيم على سعادة الدنيا فقط، أو التي تقصره على سعادة الآخرة فقط.
واختتم الكاتب فصول كتابه بمزية عظيمة وجليلة أضفاها الإسلام على المسلمين، وهي تحويلهم من عبدة أصنام أذلاء إلى موحدين أعزاء، وارتقائه بأخلاقهم، ورفعة شأنهم، وتهذيب ملكاتهم، وكفى بهذا فضلاً ومنزلة، فقال: «على أنه لو لم يكن للإسلام من فائدة إلى تحويل عبدة الأصنام من وثنيين إلى موحدين، وترقية أخلاقهم وملكاتهم، لكفى».
وفي الختام لا يسعني إلا أن أدعو الأحرار والمنصفين من الغرب -ولا سيما أن الكاتب يخاطبهم في المقام الأول- إلى قراءة هذا الكتاب النفيس الذي يمثل دفاعاً عن الإسلام ورسوله، ويحمل في طياته شهادة لهما عادلة منصفة، ويتضمن اعترافاً بفضلهما على البشرية جمعاء.

ذو صلة