مجلة شهرية - العدد (598)  | يوليو 2026 م- محرم 1448 هـ

نشأة الأوبئة

يُظهر هذا الكتاب المُثير للتأمل والملهم؛ كيف شكّلت الأمراض المعدية البشرية في كل مراحلها، بدءاً من انتصار الإنسان العاقل على إنسان نياندرتال الذي كان يتمتع بنفس القدر من الذكاء، وصولاً إلى سقوط روما وظهور الإسلام؛ كيف أدى الطاعون الأسود إلى ولادة الرأسمالية؟ وكيف أدت الثورة الصناعية إلى نشأة دولة الرفاه؟
الأمراض المعدية ليست مجرد شيء يصيبنا، بل هي جزء لا يتجزأ من كياننا. السبب الوحيد لعدم قدرة البشر على وضع البيض هو أن فيروساً ما قد اخترق حمضنا النووي منذ زمن بعيد. في الواقع، 8% من الجينوم البشري وُضع هناك بواسطة الفيروسات. لقد كنا نفكر في مبدأ البقاء للأصلح بشكل خاطئ تماماً: فالتطور البشري لا يقتصر على قوتنا وذكائنا فحسب، بل يتعلق أيضاً بما تستطيع الفيروسات استخدامه وما لا تستطيع استخدامه لصالحها.
من خلال مواجهة معركتنا المستمرة مع الأمراض المعدية على مستوى العالم؛ يُبين الدكتور جوناثان كينيدي كيف كانت الجراثيم مسؤولة عن بعض الثورات الهائلة في تاريخ البشرية، وكيف تُتيح الأزمات التي تُسببها فرصاً حيوية لتغيير المسار؟
وفقاً للرواية السائدة عن التقدم؛ ازدهر البشر بفضل عقولهم وقوتهم، مُغيّرين مسار التاريخ جماعياً. لكن في هذا الكتاب الكاشف، يُجادل البروفيسور جوناثان كينيدي بأن أسطورة التفوق البشري تُبالغ في تقدير دورنا في التغيير الاجتماعي والسياسي. بل إن الميكروب المتواضع هو الذي ينتصر في الحروب ويُسقط الإمبراطوريات.
بالاستناد إلى أحدث الأبحاث في مجالاتٍ تتراوح بين علم الوراثة وعلم الإنسان وعلم الآثار والاقتصاد؛ يأخذنا كتاب (التكوين المرضي) في رحلةٍ عبر ستين ألف عام من التاريخ، مستكشفاً ثمانية تفشياتٍ رئيسة للأمراض المعدية التي شكلت العالم الحديث. لعبت البكتيريا والفيروسات دوراً محورياً في انقراض إنسان نياندرتال، ونمو الإسلام، والانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية، والدمار الذي أحدثه الاستعمار الأوروبي، وتطور الولايات المتحدة من دولةٍ هامشية إلى قوةٍ عظمى عالمية. حتى المسيحية برزت في أعقاب سلسلةٍ من الأوبئة الفتاكة التي اجتاحت الإمبراطورية الرومانية في القرنين الثاني والثالث الميلاديين، فقد حوّل الاهتمام بالمرضى ما كان طائفةً صغيرة إلى إحدى الديانات الرئيسة في العالم.
من خلال وضع المرض في صميم تاريخ البشرية الشامل؛ يتحدى كينيدي بعضاً من أكثر الافتراضات الأساسية حول ماضينا الجماعي، ويحثنا على النظر إلى هذه اللحظة بأنها نقطة تحول أخرى مدفوعة بالمرض ستغير مجرى التاريخ. كتاب (التكوين المرضي) مثير للتفكير، ومليء بالرؤى الثاقبة، فهو يغير فهمنا للقصة الإنسانية.
يُرتّب فهرس كتاب (التسبب بالأمراض: تاريخ العالم في ثمانية أوبئة) ترتيباً زمنياً، مع التركيز على الأوبئة الكبرى وتأثيرها على التاريخ. فيما يلي الفصول/الأوبئة الثمانية التي يتناولها الكتاب:
- أوبئة العصر الحجري القديم: (اختفاء إنسان نياندرتال وظهور الإنسان العاقل)
- أوبئة العصر الحجري الحديث: (الأمراض والانتقال من الصيد وجمع الثمار إلى الزراعة)
- أوبئة العصور القديمة: (طاعون أثينا/طاعون أنطونين والإمبراطورية الرومانية)
- أوبئة العصور الوسطى: (الموت الأسود وانهيار الإقطاع)
- أوبئة الحقبة الاستعمارية: (الجدري وغزو الأمريكيتين)
- أوبئة الثورة: (الحمى الصفراء والكوليرا وعصر الثورات)
- أوبئة العصر الصناعي: (السل، والصرف الصحي، والثورة الصناعية)
- أوبئة الفقر: (الأوبئة الحديثة، وفيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز، وعدم المساواة)
يقدم هذا الكتاب كيفية تشكّل التحولات الكبرى في التاريخ، من ظهور الإنسان العاقل إلى نشأة الرأسمالية؛ ليس بفعل البشر، بل بفعل الجراثيم.
الجدير ذكره أن جوناثان كينيدي يحاضر عن العلوم السياسية والصحة العالمية في جامعة كوين ماري بلندن. وهو حاصل على درجة الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة كامبريدج.
الناشر: دار تشكيل للنشر والتوزيع، الرياض، 2026.

ذو صلة