في عام 1099، عندما وصل الصليبيون الأوائل منتصرين وملطخين بالدماء أمام أسوار القدس، رسّخوا وجوداً مسيحياً أوروبياً في العالم الإسلامي استمر لقرون، مدعوماً بموجات لاحقة من الحروب الصليبية. ولكن كيف فهم مسلمو العصور الوسطى هذه الأحداث؟ كيف يبدو التاريخ الإسلامي للحروب الصليبية؟ قد تُفاجئك الإجابات. في كتاب (السباق نحو الجنة)، نرى مسلمي العصور الوسطى يتعاملون مع هذا التهديد الصليبي الجديد والمستمر، ليس فقط كضحايا أو منتصرين، بل ككيان يجمع بين هذين النقيضين، على ضفاف البحر الأبيض المتوسط الإسلامية، من إسبانيا إلى سوريا. إنها ليست مجرد حكاية بسيطة عن محاربين وملوك يتصادمون في الأرض المقدسة - عن مواجهات عسكرية وأبطال غامضين مثل السلطان العظيم صلاح الدين. ما يتبلور هو قصة أكثر تعقيداً عن عابري الحدود والخونة؛ عن السفارات والتجار؛ عن العلماء والجواسيس، جميعهم يسعون للتعامل مع هذا التهديد الجديد من أطراف عالمهم المنظم. عند النظر إلى الحروب الصليبية من منظور المسلمين في العصور الوسطى، تبرز كشيء مختلف تماماً عن الخطابات الرنانة في السجلات الأوروبية: فهي أشبه بلعبة شطرنج دبلوماسية يجب إتقانها، وفرصة تجارية يجب اغتنامها، ولقاء ثقافي شكّل تجارب المسلمين مع الأوروبيين حتى نهاية العصور الوسطى، وكما حدث في كثير من الأحيان، تحدٍ سياسي استغله حكام طموحون استخدموا بذكاء لغة الجهاد.
كان بلوغ الغزاة الفرنجة الأوائل أسوار بيت المقدس في عام (492هـ/1099م) فاتحة حضور مسيحي أوروبي استيطاني في قلب دار الإسلام، دام نحواً من قرنين. فكيف نظر المسلمون القروسطيون إلى هذه الحادثة؟
يطرح بول م. كوب، أستاذ تاريخ الشرق الأدنى وحضاراته بجامعة بنسلفانيا، في هذا الكتاب تاريخاً جديداً للمواجهات التي وقعت بين المسلمين والفرنجة، والتي نسمّيها اليوم (الحروب الصليبية)، يُبرز تنوع التجارب الإسلامية في مواجهة الحرب المقدسة الأوروبية، ويبيِّن كيف أنها تنطوي على ما هو أكبر من الحرب الدينية، وما هو أكثر من بيت المقدس وفرسان الهيكل وصلاح الدين وجماعة الحَشيشيّة، إلخ. وهو إذ يعرض لهذه الحوادث منظوراً إليها من جميع شواطئ البحر المتوسط الإسلامي، من الأندلس إلى الشام مروراً بصقلية وإفريقية، فإنه يعرض لها بوصفها لقاءً بين ثقافتين، ومباراة شطرنج دبلوماسية معقدة، وفرصة تجارية، وتحدياً سياسيّاً وعسكريّاً يستغله الحكام الطموحون من جميع الأطراف. وهي كذلك أول مواجهة موسّعة للفرنج مع دار الإسلام المتنوعة اجتماعيّاً والمتمدّنة ثقافيّاً.
يطرح كتاب (السباق إلى الجنة) توليفة تاريخية آسرة، ويسد فجوة كبيرة، ويسلّط ضوءاً جديداً على الأحداث التي وسمت تجارب المسلمين والأوروبيين إلى نهاية العصور الوسطى.
الجدير ذكره بول م. كوب، أستاذ تاريخ الشرق الأدنى وحضاراته بجامعة بنسلفانيا الأمريكية، حصل على درجة الماجستير التاريخ الإسلاميّ من جامعة شيكاغو في العام 1991، وحصل على الدُّكتوراه في التخصص ذاته في العام 1997، ودرَس اللغة العربيّة بمركز الدراسات العربيّة بالخارج التابع للجامعة الأمريكية (كاسا) (CASA)، واعتنى بتراث الأمير أسامة بن مُنقذ، فترجم كتابَيه (الاعتبار) و(لُباب الأدب) إلى الإنجليزيّة.
وأما المترجم علاء مصري النهر، فمتخصص في التاريخ الإسلامي من جامعة الإسكندرية، أصدر: «الزنكيون في عيون ابن الأثير» (دمشق، 2017)، «مؤرخو مصر والشام والعراق في القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي» (القاهرة، 2020)، وغيرها. وترجم: «صلاح الدين وسقوط مملكة بيت المقدس» (القاهرة، 2023)، (صلاح الدين: القيادة - الإستراتيجية - الصراع) (ليدن - هولندا، 2025)، وغيرها.
الناشر: مدارات للأبحاث والنشر، القاهرة، 2026.