الخلود لا يُصنع بالسيوف فقط، ولا كل العظمة تُبنى سمعتها من الروايات والقصائد. فثمة خلودٌ أرقى وأبقى: خلودٌ يمنحه الذوق الراقي، والجمال المُتقن، والقدرة على جعل الحياة نفسها متحفاً.
تأمل معي: حين يُذكر بيو بروميل، لا يتذكر الإنجليز معركة انتصر فيها، بل أناقته التي غيّرت مفهوم الرجل العصري. وحين يستحضر الرومان بترونيوس، لا يستعيدون ذكرى قصيدة أو لوحة، بل مبادئ في الملبس والمجلس. وحين تخلد أوروبا ليوناردو دافنشي، لا تحتفي باختراع فحسب، بل بعقل جمع بين العلم والفن كأنهما توأمان لا يفترقان. هذه الأمم فهمت سراً عظيماً: أن الحضارة حين تبلغ أوجها، لا تكتفي بفتح الأقاليم، بل بفتح أبواب الذوق أيضاً.
وما أعظم أن نجد في تاريخنا العربي من يجمع بين هذه المواهب كلها، بل يتجاوزها. إنه زرياب!
أسماء كثيرة في الأندلس مرّت كالأخبار، ثم انطفأت، وأسماء قليلة مرّت كالأقدار، فغيّرت ما حولها وبقي أثرها. كان زرياب من هذه الفئة النادرة.
ذلك المغترب نقل تجربة كاملة من الفن والذوق من المشرق إلى المغرب الإسلامي. كان وسيطاً ثقافياً متعدد المواهب، لم يكن مغنياً هاجر كما قالت الحكايات، بل كان ربيعاً متنقلاً. التقت في شخصه رهافة بغداد العباسية بطموح قرطبة الأموية وهي تتوثب إلى بناء هوية حضارية.
ولد زرياب (علي بن نافع) في الموصل عام 789م، في أوج العصر الذهبي للعرب. كان أسمر اللون، عذب الصوت، فغلب عليه لقب (زرياب) لتشابه اللون والصوت. تتلمذ على يد إسحاق الموصلي، الموسيقار الكبير في بلاط الخلافة، وسرعان ما فاق الأسمر أستاذه مغنى ومعنى. لكن هذا التفوق ولد توتراً مع أستاذه دفعه إلى مغادرة المشرق عام 813م.
بدأ رحلة طويلة عبر أفريقية، توقف خلالها في القيروان حيث أقام في بلاط الأغالبة، ثم أبحر الغريد غرباً أكثر، ليصل إلى شبه الجزيرة الإيبيرية عام 822م. مكتنزاً أريج عروس الأقطار آنذاك -بغداد-
في ذلك الأفق البعيد السعيد حيث يلتقي النهر بالبحر (قرطبة) في عهد الأمير عبدالرحمن الثاني، وجد مدينة صاعدة سياسياً وواعدة عمرانياً، تتشوف لمن يزين وجهها الثقافي. هنا وجد زرياب عالمه الأحب وساحته الأرحب، فحظي بمكانة رفيعة في بلاط الأمير، وسرعان ما تجاوز صورة المغني الطروب والملحن الموهوب إلى صورة المعلّم الأثير صاحب التأثير. لم يعد رجلاً يؤدي الألحان، بل اسماً ارتبط بالتهذيب والإتقان.
في الموسيقى: أضاف الوتر الخامس إلى العود وهي إضافة عُدّت فارقة في تاريخ النغم، لأنها وسّعت المدى النغمي وأثرت الإمكانات التعبيرية للآلة بعد أن حُبس العود في أوتاره الأربعة مئات السنين. كان العود، يُعزف بـ(ريشة) خشبية ثقيلة، واستبدلها بريشة نسر خفيفة مرنة تمنح صوتاً أنقى وأسرع. خفّف وزن العود كلياً، وابتكر أوتاراً جديدة من الحرير والأمعاء الحيوانية لتحسين الصوت والمتانة. حسّن الدوزان والتقنيات، وأسس مدرسة موسيقية في قرطبة يعلّم فيها الرجال والنساء بنفسه. حتى إن بعض الكتابات اللاحقة نسبت إليه تأسيس باكورة المدارس الموسيقية في أوروبا.
غير أن أهمية زرياب لا تقف عند الموسيقى. فسر تفرده أنه لم يقدّم الموسيقى معزولة عن أسلوب العيش، بل جعلها جزءاً من منظومة حضارية متمدنة.
قبل وصوله كان أهل قرطبة يطلقون شعرهم طويلاً مفروقاً من الوسط. أحدث ثورة في عالم التجميل بابتكاره (الغرة) الجذابة: قص الشعر الأمامي بشكل مستقيم حتى الحاجبين، مع تقصير الجانبين وإرسال الشعر خلف الأذنين. أسس أول صالون تجميل قرب قصر الأمير، حيث كان يعلّمهم فنون التصفيف والعناية بالشعر، جمع بين الإبداع الفني والتطبيق العملي، فحوّل العناية الشخصية إلى فن راقٍ، وأصبحت ابتكاراته أساس الموضة.
كان أهل الأندلس يعتمدون على زهر الريحان البسيط لإخفاء الروائح. ابتكر مزيلاً للعرق من مسحوق الورد والريحان والياسمين والعنبر والمسك، لا يُلطخ الثياب ويمنح رائحة زكية تدوم. حضر العطور المركّبة، وصنع أول معجون أسنان فعال في التنظيف. وأصبحت وصفاته أساس الإتيكيت والتجميل في الوادي الكبير.
أما المائدة، فكانوا يقدمون الطعام دفعة واحدة، مختلطاً على موائد خشبية عارية بلا نظام ولا اهتمام. ابتكر مهذب الأندلس نظام الوجبات الثلاثي المنظم: يبدأ بحساء خفيف يُعد المعدة ويفتح الشهية، ثم الطبق الرئيس من اللحوم أو السمك أو الدواجن المطيّبة، ويُختتم بالحلوى والفواكه الطازجة والمكسرات المعطرة. غطّى الموائد بأغطية جلدية ناعمة وفاخرة بدلاً من الشراشف الخشنة، واستبدل الأقداح الثقيلة من الذهب والفضة بكؤوس زجاجية شفافة رقيقة تكشف لون الشراب. أدخل المناديل بأحجام واستخدامات محددة (لليدين، الشفتين، العنق)، أبدع أطباقاً مثل (تقلية زرياب) (كباب وسنبوسة بماء الكزبرة) و(الزريابية) التي صارت زلابية.
وهكذا تتأكد صورة ابن نافع بوصفه رجلاً متعدد المواهب (موسوعياً) بلغة اليوم. فالتاريخ يعرف كثيراً من الفنانين الكبار، لكنه لا يمنح جميعهم القدرة على تجاوز مجال التخصص إلى إعادة تشكيل الحس العام للمجتمع. أما زرياب فقد فعل ذلك لأنه حمل مشروعاً غير معلن لتلطيف العيش ورفع مستوى الذوق.
مكانته في التاريخ العربي والأندلسي، بل في الذاكرة الأوروبية المتصلة بإسبانيا الإسلامية، ليست فقط في أنه غنّى وأجاد، بل في أنه جسّد انتقال عناصر جمالية من الحضارة العباسية إلى بيئة جديدة، ثم ساعد على إعادة صوغها بروح قرطبة. لقد كان ناقلاً حاذقاً لشعلة الحضارة، ومفسراً عملياً لفكرة أن الثقافة لا تنتقل بالنصوص وحدها، بل تنتقل أيضاً بالهيئة والصوت وآداب الجلوس والعناية بالجسد وترتيب المائدة.
ترك صاحب الوتر الخامس إرثاً حياً في أبنائه عبدالرحمن وخلفان، اللذين واصلا تدريس الألحان في الدار الأموية الثانية، وفي تلاميذ نشروا مدرسته في أنحاء العالم. رحل عام 857م، لكنه ظل حياً في الذاكرة الموسيقية، وفي السرد الأدبي عن الجنة المفقودة، وفي صورة الفنان الذي تحول إلى رمز حضاري. ومن الإنصاف، حين نكتب عنه اليوم، ألا نحبسه في قائمة ابتكارات جزئية، بل نراه على حقيقته الأجمل: فناناً كبيراً، ومعلماً للذوق، وشخصية موسوعية، وبهذا المعنى ظل زرياب أكثر من اسم في كتب الأخبار، ظل فكرة: أن الفن قد يكون أداة لبناء الحضارة من خلال تفاصيلها الصغرى. بصفته نظاماً للحياة، لا مجرد تسلية.
ياحامل الضاد
عمير الجنباز: الرياض
(بمناسبة حصول الدكتور مازن المبارك
على جائزة مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية عام 2025)
يا حاملَ الضَّادِ في فكرٍ وفي فهمِ أحسنتَ صونَ الهُدى في منبعِ الكَلِمِ
ما زالَ حرفُكَ للمعنى يُعمِّدُهُ نورُ الحقيقةِ بينَ الحِبرِ والقلَمِ
تسعونَ عاماً ونورُ العلمِ يُشعلُها فكراً يفيضُ على الأجيالِ كالدِّيمِ
واليومَ جائزةُ الإحسانِ تُكرِمُهُ أهلُ البيانِ جزاءَ الجهدِ والهِمَمِ
يا ابنَ الشّآمِ ويا نجلَ الأُلى سطَعوا في مجمعِ العلمِ بالتِّبيانِ والحِكَمِ
بوركتَ مازِنُ فالتَّاريخُ يذكُرُ من خَدَمَ اللِّسانَ وأحيا جوهرَ القِيَمِ!