مجلة شهرية - العدد (597)  | يونيو 2026 م- ذو الحجة 1447 هـ

جوغوفيا.. نافذة كوميدية حالكة السواد على العصر الحديث

«يُتيح الفيلم للجمهور مساحة للتعبير عن أنفسهم ومشاعرهم»
| يورغن لانثيموس |
في معركةٍ مفاجئة يُبدع السينمائي السريالي يورغن لانثيموس صورة عبثية وجريئة لِمَا يعنيه الضحك والبكاء في مواجهة مصير البشرية؛ إذ يعود بفيلمه الذي يُقدِّم نافذة كوميدية حالكة السَّواد على عصرنا الحديث المليء بالجنون. ففي أثناء الإغلاق التام لمدينة نيويورك؛ جرَّاء الموجة الأولى لجائحة (كوفيد 19)، وسط ذلك الجحيم المرعب الذي اجتاح العالم، كتب ويل تريسي تصوُّراً جريئاً لحبكة فيلم (بوغونيا (2025) Bugonia)؛ بعد أن تحدَّث مع الكاتب والمخرج والمنتج آري أستر، حيث دار الحديث بينهما عن إعادة إنتاج الفيلم الكوري (أنقذوا الكوكب الأخضر (2003) للمخرج جانغ جون هوان؛ من خلال إضفاء روح العصر على القصة والتعامل معها كقصة جديدة، وبناء فرضية مفادها أنه يُمكن صُنع فيلم معاصر وأمريكي بامتياز من هذه الفرضية. واُختير المخرج لانثيموس؛ لإجادة رؤية ولغة سردية وبصرية فريدة جديدة للقصة؛ يقول في إدراكٍ غريزي تحليلي يتجاوز الشكل الظاهري للفيلم: «كانت قراءتي للسيناريو للمرَّة الأولى أشبه بالقراءة المُسليَّة والمُثيرة والشيِّقة والمُعقدة في الآن ذاته؛ لقد أثار حماسي حقاً وأنا أتخيَّل كيف سيكون شكله كفيلم».
في استعادة لمعتقدٍ يوناني قديم، يسرد فيلم (بوغونيا) قصة الشابين المَهووسين بنظريات المؤامرة: مُربي النحل تيدي (جيسي بيلمنز)، وابن عمه دون (إيدان ديلبيس)، اللذين يختطفان الرئيسة التنفيذية لشركة أدوية كبرى ميشيل فولر (إيما ستون)، مُقتنعين أنها كائن فضائيّ عازمٌ على تدمير كوكب الأرض. وفي قبو منزلهما المُظلم الذي يبدو كتجربة عِلمية، يُقيدانها كفأر تجارب، بعد حلق شَعرها، ودهنها بغسولٍ مضاد للكائنات الفضائية، مِن ثم يسردان عليها الخطط المُفترضة للكوارث الكونية التي تتضمن انقراض النحل وخسوف القمر. الحِسّ الفكاهي لقصة الفيلم المأساوية يقودنا إلى النهاية، إلى اقتراب ساعة القيامة حيث يتنافس كل من: تيدي، الذي يُجسِّد الواقع المأساوي للشخصيات المُتطرفة المَسحوقة مِن القوى الكبرى، وميشيل، التي تُجسِّد تلك القوى، ودون، الذي يُجسِّد روح الفيلم وبوصلته الأخلاقية، على تقديم أداءٍ جادٍّ وحازم يبدو بشكلٍ متزايد معركة كونية على مصير العالم أو مصير الإحساس المشترك بالواقع. وفيما يحاول لانثيموس كشف منطق الشخصيات التي تتعارك وتتناقش مع بعضها البعض طوال الوقت حول وِجهات نظر غير صحيحة، في هذه البيئة الصغيرة جداً -التي يميل إليها لانثيموس في سينمَاه- يكتشف المتفرج تحوّل أفكاره إلى كشوفات أكثر تعقيداً تتعلَّق به بقدر ما تتعلَّق بالثلاثي في القبو؛ حيث يُظهر تيدي -المُصاب باضطرابٍ عصبي- مشاعره وعواطفه بوضوح، ولا يتردد المرء أبداً في التفكير في تمسُّكه بموقفه والحفاظ على تماسكه وحساسية رؤيته وفهمه المختلف عن العالم، يقول جيسي: «من الواضح أننا نعيش في زمنٍ مُربك ومُخيف: مليءٍ بالارتياب والخوف؛ لذا أشعر وكأن هناك جانباً لا واعياً مني يبحث دائماً عن شيء ما، سواء كان موسيقى أو فناً أو فيلماً، يتعامل معه بطريقة لا تبدو مُجاملة أو شيئاً مُتعلقاً باللحظة فحسب لكن استكشافاً حقيقياً وصادقاً، لا يُقدِّم رسالة واضحة أو استنتاجاً أخلاقياً واضحاً». بجانب صعوبة شخصية ميشيل التي تكمن في كونها تُجسِّد امرأة تكوَّنت فكرة معينة عنها منذ البدء، وعليها الحفاظ على هذا التوازن في كيفية كشفها تدريجياً عن جوانب من نفسها. وفيما تتفاوض على إطلاق سراحها، تتحول الدقائق إلى ساعات والساعات إلى أيام. حيث تتغير ديناميكية القوة باستمرار؛ إذ تبدو ميشيل وكأنها تتحول، من سيدة أعمال إلى شخصية مُضطربة بدورها كشخصية تيدي، وتكشف الأسرار التي لا أحد متأكد تماماً من صحتها أيضاً. في النهاية لا أحد يدرك ما هي الحقيقة حقاً، في هذا التوازن المُعقد بين ما هو خاطئ وما هو صواب، تقول ستون: «يكاد يكون من المستحيل تكرار سيناريو كهذا. لقد أحببتُ النصّ منذ اللحظة الأولى التي قرأته فيها. كنتُ وجيسي نتحدث عن ماهية قراءة النصّ، وكيف نتفاعل معه. وبالرغم من عدم مشاهدتي لفيلم (أنقذوا الكوكب الأخضر)، إلا أنني وجدت النصّ مثيراً للاهتمام: كيف ترددت أفكاري حول ما إذا كان هذا صحيحاً أم لا، وما سيقولون عن شخصية ميشيل، وما الذي سيفعله تيدي، وكمية العنف التي سيصل إليها، والاستنتاجات التي سيتوصل إليها مع مرور الوقت. لقد كان الأمر متشابكاً ومفاجئاً ومُؤثراً ومُضحكاً؛ لذا، اندمجتُ فوراً مع النصّ». في تعاونها الخامس مع لانثيموس تُشبِّه ستون شراكتها الدائمة معه بعلاقة عائلية، تقول: «علاقة العمل بيننا رائعة. كثيراً ما يكون طاقم العمل وأعضاء فريق التمثيل متشابهين؛ يبدو الأمر أشبه بعلاقة عائلية، حيث تُقدَّم أعمال صعبة للغاية، ولكنها بطريقة ما تُشعرنا بالأمان والراحة والترابط». ولكن ربما الأهم من ذلك كله يكمن في أنها تجد توافقاً مع لانثيموس في نفس المادة التي ينجذبان إليها؛ إذ رأت في (بوغونيا) على الفور ما رآه لانثيموس؛ مرآة مُلتوية ومُضحكة ومُرعبة للعالم اليوم. يقول لانثيموس: «أرسلتُ النصّ إلى إيما فور قراءته، أثق برأيها وبحدسي. لقد أحببتُ النصّ منذ البدء، لكني لا أعلم إن كان هذا هو الصواب لي ولكلينا، لكنها بادرت فوراً وساعدتني في اتخاذ القرار».
صوِّر فيلم (بوغونيا) بكاميرا المصوِّر السينمائي روبي رايان (11 Wilcam)، وبتقنية (فيستا فيجن VistaVision) الفاخرة، التي ساهمت في إنتاج صور غنية وفريدة للفيلم، يقول رايان: «لا يزال الفيلم بتنسيق شريط 35 ملم، ولكنه ضعف حجم 35 ملم تقريباً؛ لأنه يمرُّ عبر الكاميرا أُفقياً». بجانب المؤثرات الصوتية لجوني بيرن، والموسيقى الحادة لجيرسكين فيندريكس، الشديدة الاضطراب والمثيرة للقلق، الصاخبة والمبالغ فيها؛ ما يتناسب تدريجياً مع التوتر العام لشخصية تيدي الذي يحاول إنقاذ العالم، لكنه غاضبٌ للغاية وغير قادر على التحكم في مشاعره بشكلٍ صحيح، بجانب الدقة في التبديل بين واقعين في الآن ذاته: الجنون الظاهري لمعتقدات تيدي ودون، وجديَّة نهاية العالَم القادمة المُحتملة. يقول فيندريكس: «يدور الفيلم حول رجلين يحبسان امرأة في قبو ويُعذبانها، ويبدو عليهما الجنون، لكنهما، بمعنىً آخر، يحاولان بصدق منع دمار البشرية»؛ لذا، عزَّزت الموسيقى إلى حدٍ ما فكرة أن هذا الفيلم ما هو إلا دراما عالمية عظيمة. فيما صُمِّمت بيئة الإنتاج الخارجية والداخلية في عقارٍ ريفيّ فاخر في لندن، يقع في وادٍ صغير. حيث صُمِّم المنزل ليبقى بتفاصيله مُعلقاً في زمن طفولة تيدي، يقول مصمم الإنتاج جيمس برايس: «إنه طبقة ذات مناظر خلابة أو نوع من الطبقات القديمة». فيما أراد لانثيموس تصوير المشاهد النهائية للفيلم في (أكروبوليس أثينا)، لكن المجلس الأثري المركزي في اليونان رفض طلبه؛ لذا اُختير (شاطئ ساراكينيكو) في جزيرة ميلوس اليونانية كموقع بديل له. هذا المستوى التصميمي كان له تأثير كبير على جميع مستويات الإنتاج، وعلى موضوعات الفيلم، حيث يُقدِّم لانثيموس كبسولة حيويَّة مشحونة بالحياة المعاصرة، ينغمس فيها المتفرج كلياً في ذلك الشعور المألوف والمُثير للجنون بما يعنيه أن تكون على قيد الحياة اليوم وتستكشف الجوانب البشرية، يقول لانثيموس: «في عالمنا الحالي، يعيش الناس في فقاعاتٍ محددة عزَّزتها التكنولوجيا، التي تتعزِّز أفكاراً مُعينة عن الناس بناءً على الفقاعة التي يعيشون فيها؛ مما يخلق هذه الهوَّة الكبيرة بينهم. أردتُ أن أتحدى المتفرج بشأن الأشياء التي نحن متأكدون منها تماماً، والأحكام التي نصدرها عن أنواع مُعينة من الناس. إنه انعكاسٌ شيقٌ للغاية لمجتمعنا في عالمنا المعاصر». فيما يعود التحدي الأكبر في الفيلم إلى تحديد ماهيته؛ فبالنسبة إلى أفلام لانثيموس لكل مشروع طابعه الخاص الذي يحاول الجميع اكتشافه، ولا يقتصر الأمر على إيما وجيسي فحسب لكنه يشمل العديد من أعضاء فريقه الذين ينجحون غالباً في جمع الإلهام وإعادته إلى الواجهة، يقول جيسي: «الأمر الذي كان تحدياً ومُبهجاً لنا في الآن ذاته هو إظهار تيدي لمشاعره وعواطفه بوضوح، ولا يتردد المرء أبداً في سؤاله عن مشاعره أو تفكيره في أي موقف، وهو أمرٌ أحترمه حقاً، خصوصاً في هذه الأيام حيث يبدو أن الكثير منا، بمَن فيهم أنا، نحاول التمسك بموقفنا والحفاظ على تماسكنا».
التجريبي يورغن لانثيموس، في حسِّه الكوميدي الدرامي النفسي، يتنقل بتوازن بين النبرة الكوميدية السريالية والمأساة الدرامية في كل جزء من أجزاء فيلم (بوغونيا)، الذي يكشف تدريجياً عن العديد من الطبقات والتعقيدات في جميع الشخصيات، التي تكشف عن النُسخ المتعددة للشخصيات غير السَّوية، التي تعتقد بنظريات المؤامرة، التي يُروجها المدوِّنون الهُواة. بجانب تقديم فرضيات ديناميكية تضرب في صميم تعقيد الفيلم الشائك؛ حيث ترى بأن العالم يتعرض للاستغلال والتلاعب وسرقة البيانات من قبل قوى الشر. لكن غضب وخوف تيدي المجنون والعدمي والمخلص للحقيقة تماماً ما هو إلا اندفاعٌ صادق ضد موجة الحزن التي اجتاحته بعد رحيل والدته ساندي (أليسيا سيلفرستون)؛ حيث يُمكن رؤية تحول العجز المُطلق واليأس القاتم إلى نوعٍ من الجنون الغامض والاستفزازي، الذي يصوِّر عبثية الصراع في عصرنا الحديث. هذا الفيلم مضحك بشكل مُرعب أو مُرعب بشكل هستيري في تناوله للأوقات العصيبة على العالم. إنه ببساطة تجربة درامية غنية في فوضويتها وإنسانيتها، ولا يُمكن وصفها إلا بتجربة سينمائية كاملة.

ذو صلة