مجلة شهرية - العدد (597)  | يونيو 2026 م- ذو الحجة 1447 هـ

فيلم (هامنت).. لندع شكسبير جانباً...!

منذ بداية مسيرتها شيدت المخرجة كلوي تشاو عالماً سينمائياً على حافة الحكاية، مفسحة المجال لخاصية ستتكرر لديها كثيراً وهي الأثر الحسي، حيث يصبح الزمن وشماً على جسد الشخصيات، وبدأ هذا الوعي يترسخ منذ فيلمها الأول (الأغاني التي علّمني إياها إخوتي) (2015)، مروراً بـ(الراكب) (2017)، وصولاً إلى (أرض الرحّل) (2020) الفيلم الذي حققت به نجاحها الأكبر، فالحزن في كل هذه الأعمال لم يكن حدثاً عابراً أو تفصيلاً درامياً، بل هو إيقاع الفيلم وصانع معناه. ورغم حالة التيه التي لحقت تجربتيها اللاحقتين، حين خضعت رؤيتها للنمطية الهوليودية في (الخالدون) (2021) أو عندما جربت سرداً واقعياً مباشراً في (الخريجون) (2023)، يأتي جديدها (هامنت) (2025) كاستعادة حاسمة لهويتها السينمائية. ففي هذا العمل، تعود تشاو إلى لعبتها الأثيرة، لتجرب أدواتها الفنية في منطقة أخرى هي التاريخ الثقافي.
لا يعمل فيلم (هامنت) (2025) على تقفي سيرة ويليام شكسبير، شأنه في ذلك شأن رواية الكاتبة الأيرلندية (ماغي أوفاريل) التي اقتبسها، ولا يحمل نفسه عناء تتبع عبقرية الكتابة أيضاً، بل هو في جوهره حكاية عن بيت صامت، تبدأ في مدينة ستراتفورد أواخر القرن السادس عشر، حيث تصاب أسرة بصدمة موت طفلها (هامنت)، ليدخل الفيلم بعدها في زمن بطيء، زمن لا يُقاس بتوالي الأحداث فيتسلل فيه الغياب إلى كل التفاصيل اليومية، كما يركز على شخصية الأم (أغنيس) ليس باعتبارها شخصية تاريخية، بل كجسد تحركه العاطفة، والفيلم وإن كان ينعطف مع موت الطفل، إلا أنه لا يتبع مساراً متصاعداً بل يراقب فعل الحزن في النفوس، وبخاصة حالة الأم، في علاقتها بالمكان، فتصبح التفاصيل البسيطة صانعة للمعنى، السرير الفارغ، الروائح المتبقية، ولمسات الأم... هذه التفاصيل هي ما يجعلنا نستشعر توقف الزمن، فيصير جسد الأم وشماً وحيداً لهذا الحزن.
لكن في المقابل، يبرز الأب (شكسبير) كشخصية غائبة أو هامشية ولنقل (مهمّشة)، تعيش خارج مركز هذه التجربة الحسية، هذا التغييب يمتد إلى إرث شكسبير نفسه حيث يجعل موت طفله هامنت هو المصدر الوحيد لإبداع رائعته هاملت، يتجنّب الفيلم الإشارة إلى (كيفية كتابة المسرحية)، بل يصور الانقسام الحاد بين عالمين (الأب والأم)، عالم البيت حيث يُعاش الفقد مباشرة وبصمت وأسى، وعالم المسرح حيث يُعالج العقل هذا الفقد لاحقاً ويحوله إلى خيال.
ومن الناحية البصرية، فلا تكمن براعة الفيلم في تقديم صور أخاذة أو مشاهد مشبعة بالجمال، بل في كيفية استخدام هذه الصور لخدمة شعور الفقدان، صور لا تحكي قصة مكتملة بقدر ما تعبر عما ينقصها. فالكاميرا تتحرك بمقدار وبأسلوب (متقشف) وهادئ، لا تحاول استعراض تعداد الأماكن أو تقديم مشاهد كاملة للقرية والبيت والمدينة، بل تكتفي بلقطات مجزأة للمكان، الأمر الذي يعزز معنى استحالة الإحاطة الشاملة بالماضي أو الزمان والمكان، وكأن الفيلم يقول نحن نتذكر ما تسمح به الذاكرة فقط.
وفي سياق هذا التركيب الجمالي تأتي الإضاءة الطبيعية كعنصر ملفت في بناء مشاهد واقعية نهاراً، وعندما يتغير الزمن لليل تصبح الرؤية مشوشة، فالعتمة التي تملأ البيت والضوء المنكسر في الخارج يمنعان العين من الراحة، وهو ما يخلق حالة من الحيرة تشبه ضياع الشخصيات أو حزنها، حيث لا شيء يبدو واضحاً تماماً، كما تصر الكاميرا في الكثير من وضعياتها على الاقتراب من جسد الممثلين، بلقطات قريبة فتلغي المسافة بيننا وبينهم فتلتصق بأجسادهم أكثر من اللازم لترصد حركة التنفس والارتجاف، والخوف، وكأن الجسد موضوع تحت اختبار من نوع ما، لذلك فالزمن يقاس بأثره على هذه الشخصيات، ويأتي المونتاج ليعزز هذا المعنى عندما تنتقل الحكاية زمنياً عبر ما يتركه الزمن في النفوس والأجساد.
لكن، ولسبب ما تصير نفس هذه اللغة المبهرة وسيلة إبعاد للأب، ويتجسد هذا الإبعاد عبر إستراتيجية بصرية تعتمدها المخرجة في تشكيل الإضاءة من جهة وحركة الكاميرا من جهة ثانية، فاختيار الضوء والعتمة يعمل كأداة لإعادة توزيع الحضور داخل الكادر، إذ غالباً ما يظهر شكسبير في فضاءات أو زوايا معتمة مما يضعه بصرياً على هامش المشهد، في حين تُضاء الأم (أغنيس) بنور من مختلف المصادر، يتسلل من النوافذ أو ينبثق من الطبيعة، مانحاً جسدها كثافة حسية وحضوراً بصرياً طاغياً. ومع هذا الاختلاف، لا يصبح الضوء عنصراً جمالياً محايداً، بل آلية تنظيم للقيمة داخل خطاب الفيلم.
وتأتي حركة الكاميرا لتكريس هذا الحكم، إذ تلتصق بجسد الأم في لقطات قريبة وحميمة، فترصد ملمس الجلد وارتجاف اليدين، وتختبر الجسد بوصفه سطحاً يختبر قسوة الزمن، لكن في المقابل، تحافظ على مسافة باردة تجاه الأب، فمن النادر ما تخترق مجاله الحسي، وكأنها ترفض تحويل تجربته إلى مادة عصية على الفهم، فيقدم ككائن موجود في الفضاء، لكنه خارج دائرة الألم التي تسكن البيت.
وحتى لندن -وهي الوجهة التي ستحتضن موهبته لاحقاً- لم تكن خياره الشخصي بقدر ما كانت اقتراحاً وإصراراً من (أغنيس) التي أصرت على سفره كي يجد أفقاً جديداً، ولنا أن يتخيل مآله لولا قرارها ذاك، حيث أظهره الفيلم كإنسان تائه يتآكل في دوامة من العنف وشرب الكحول بلا توقف، وحتى مع هذا الإنقاذ، فالإقصاء يلاحقه حيث تتحوّل لندن من فضاء لتحقيق الذات إلى منفى.
مع هذه الخيارات البادية والخفية يتأكد بعض من الجدل الذي صاحب الفيلم، والذي أدرجه ضمن صراع سرديات تاريخية، بحيث يمثل نموذجاً لانزياح السينما المعاصرة من محاولة فهم التجربة الإنسانية إلى محاولة إعادة توزيع السلطة الرمزية داخل التاريخ، إذ لا يكتفي العمل بإعادة الاعتبار لشخصية الزوجة (أغنيس) التي طمسها التاريخ، بل ينصبّها في مركز الحكاية، جاعلاً من تجربتها الجسدية التي تعزز بقدرات غير طبيعية، أماً وحارسة للبيت، والمصدر الوحيد المشروع للذاكرة، والحزن.
ينتهي فيلم (هامنت) بوصفه رحلة حسيّة وليس سرداً تاريخياً محضاً، إذ يراهن على أن الألم يسكن الجسد وليس الكتابة. لكن هذا الرهان يلغي أهمية العقل واللغة، ويجعل من حزن الأم هو الحقيقة الوحيدة مقابل (غربة) كلمات الأب، هكذا يظل العمل تجربة بصرية فائقة الجمال، لكنها منحازة، فهي تفتح نافذة واسعة على مشاعر الجسد، بينما تغلق نوافذ أخرى كان يمكن أن تجعل فهمنا للمأساة أكثر شمولاً، إن (هامنت) فيلم يلمس القلوب لكنه يربك الأفكار.

ذو صلة