يكاد ملح الطعام يكون سيد توابل المائدة وبهاراتها، ولا يكاد يخلو بيت من هذه المادة الذائعة الصيت ذات الذرات البيضاء الناعمة التي تنساب برشاقة، لتضفي على صنوف الطعام المختلفة نكهة ومذاقاً مميزين.
الملح.. التاريخ والحضارات
تشير الدراسات التاريخية إلى أن علاقة الإنسان بمادة الملح قديمة جداً، وقد تمتد إلى آلاف السنين قبل الميلاد، ونرى بالرجوع إلى كتب التاريخ ومراجعه معلومات تشير إلى قيام الناس بغلي مياه البحر بغية استخراج الملح، وتم ذلك في حضارات قديمة مختلفة، إذ قام على سبيل المثال السكان العبرانيون واليونانيون والرومان وقدامى المصريين وغيرهم، باستخراج الملح ومعالجته وصولاً إلى صورته التي ينشدونها.
وسرعان ما تطورت الأمور، وأصبح الملح لاحقاً سلعة تجارية مهمة، وتم تداوله بين الناس، ونقله بالقوارب عبر موانئ البحار، وفي الصحارى محمولاً على ظهور الدواب. وبلغ الأمر حداً غدا فيه الملح كنزاً ثميناً قادت الندرة والحاجة الماسة إليه إلى اندلاع حروب قامت بين دول وأخرى من أجله، إذ إنه ارتبط بالازدهار والنهوض الاقتصادي حيناً من الدهر.
واستُخدم الملح في زيادة دخل الدول الغنية بإنتاجه، وعُدّ مصدراً رئيساً لعائدات الضرائب، حتى إنّه دُعي يوماً بالذهب الأبيض، وكان في العصور القديمة سلعة ثمينة، حتى قيل إنّ أوقية منه كانت تُقايَض بأوقية من ذهب. وتقول بعض المراجع إنّ الصينيين القدامى قد استخدموا عملات مصنوعة من الملح في تداولاتهم المالية. كما استخدمت في مناطق حول البحر الأبيض المتوسط أقراص الملح في المقايضة والتعاملات المادية، وعملة متداولة بين الناس، وهو ما ذكرته أيضاً مراجع التاريخ المتخصصة بحضارات الحبشة وجنوب الصحراء التي شهد اقتصادها أمراً كهذا.
وتزيد بعض المراجع فتقول: إن مادة الملح المستخرجة من جنوب إسبانيا قد ساهمت في تمويل رحلات (كولومبس) الاستكشافية، كما أن (نابليون) أعاد فرض (ضريبة الملح) عندما أصبح إمبراطوراً لدفع تكاليف حروبه الخارجية.
وهكذا استمرت العلاقة الإيجابية بين الإنسان والملح، وهكذا ازدادت مساحة الإفادة من هذه المادة النافعة، لتشمل استخدامات في مجالات أخرى عديدة. وتُعدّ في الوقت الراهن الولايات المتحدة والصين أكبر منتجَين للملح في العالم، ومن الدول الرائدة في إنتاجه أيضاً: ألمانيا وكندا والهند.
كيف نحصل على الملح؟
تقول كتب الكيمياء: إنّ مادة الملح (التي يُطلق عليها علمياً اسم كلوريد الصوديوم) تنشأ من اتحاد عنصرَي الصوديوم والكلور. وثمة العديد من أشكال مادة الملح هذه وأنواعها، ومن ذلك على سبيل المثال: ما يُعْرف بملح المائدة Table salt وهو المادة البيضاء المعروفة ذات الحبيبات الناعمة التي نستخدمها في مطابخ بيوتنا. ويتمّ استخراج هذا النوع من الملح من الترسبات الجوفية التي تُعْرف بمناجم الملح، ومن تفتيت الصخور الملحية الضخمة المعروفة باسم (صخور الهاليت) Halite rock salt، ومن ثمّ يتم معالجة مادة الملح المستخرجة للتخلص من المعادن والشوائب غير المرغوب فيها.
يمرّ ملح المائدة بمراحل إنتاجية عديدة حتى يصل إلى مطبخنا بصورته النهائية الأنيقة في صورة بللورات صغيرة الحجم، ناصعة البياض، تنساب بسهولة فوق أطباق طعامنا.
وتتم إضافة بعض المواد الكيميائية في أثناء معالجة الملح المستخرج، إذ يقوم المصنّعون بإضافة مواد خاصة تعرف بـ (مانعات التكتل)، ويتضح من اسمها أنّها تعمل على منع تجمع جزيئات الملح، ما يؤدي إلى تحركها بيسر وسهولة. ومن تلك المواد نذكر: سيليكات الكالسيوم، وكربونات الصوديوم، وبيكربونات الأمونيوم، وغيرها.
كما يتمّ أيضاً إضافة مواد حافظة، تقي من فساد الملح المنتَج، وتؤخر تغير خواصه الكيميائية والفيزيائية. ويضاف إلى ملح المائدة أيضاً مواد أخرى تدعم صحة آكله، ويأتي معدن (اليود) في رأس هذه الإضافات، وهو من المعادن المهمة في ضبط صحة الجسم، ويؤدي نقصه إلى انخفاض إنتاج هرمونات الغدة الدرقية، وهو ما يترافق مع تضخمها، والإصابة بفشلها.
ومما يضاف إلى ملح المائدة أيضاً في بعض الدول مادة (الفلورايد) المهمة للوقاية من تسوس الأسنان.
وثمة ملح آخر، يُعرف باسم (ملح البحر)، ونحصل عليه من تبخر مياه المحيطات أو البحيرات المالحة. ويتطلب هذا النوع من الملح معالجة أقل مقارنة بملح المائدة، ولذلك يمكن أن يحتوي على المزيد من المعادن أو الشوائب التي تضفي عليه لوناً ونكهة مختلفين عن سابقه، ومن تلك المعادن التي نراها في ملح البحر ولا تتوافر في ملح المائدة: الكبريت والحديد والمغنيسيوم.
وتكلفة تصنيع ملح البحر هذا أعلى من تكلفة تصنيع الملح الأول، ويظهر في صورة أكثر خشونة، وطعمه أقل ملوحة، كما أن لونه أغمق.
ومن أنواع الملح أيضاً: ما يُعرف بملح الهيمالايا Himalayan Salt، الذي يستخرج من صخور خاصة في منطقة (الهيمالايا)، ويمتاز بطعمه القوي الخاص الذي يميزه عن سابقيه من أنواع الملح، وهو أكثر خشونة من ملح المائدة، وله لون وردي مميز، وبسبب مذاقه القوي الأكثر ملوحة من ملح المائدة فقد يستطيع آكله الحصول على درجة الملوحة المطلوبة باستخدام قَدْرٍ أقلّ من ذلك الذي يحصل عليه عند استخدام ملح المائدة التقليدي.
وثمة ملح آخر يُعرف باسم ملح (كوشير) Kosher salt وهو ملح ذو ذرات خشنة عشوائية المنظر، وخالٍ من المواد المانعة للتكتل، كما أنه يفتقر إلى عنصر اليود الذي يدخل في تركيب ملح المائدة.
الملح في غذائنا
قد يعتقد بعضنا أنّ مصدر الملح هو ما ننثر منه باستخدام الملاّحة في مطابخنا، وما تضيفه ربة المنزل بيدها في أثناء إعداد الطعام. إلا أنّ حقيقة الأمر أنّ الملح يدخل أيضاً إلى أجسامنا من حيث لا ندري، إذ إنّ له مصادر أخرى عديدة. وتذكر جمعية القلب الأمريكية أن أكثر من 75 % من عنصر الصوديوم في وجبات الناس الغذائية في المجتمعات الغربية يأتي من الأطعمة المصنّعة. وتصل كمية استهلاك الملح في تلك المجتمعات إلى (10) جرامات يومياً، وهي لا شك أكبر بكثير من الكمية الموصى بها، وهو الأمر الذي يدفعنا إلى توخي الحذر، ودق نواقيس الخطر.
يتوافر الملح أيضاً بصورة طبيعية بنسب متفاوتة في الكثير من الأغذية، مثل البيض، واللحوم، وبعض أصناف الخضروات، والمأكولات البحرية، بالإضافة إلى مشتقات الألبان، والمخبوزات، واللحوم المُقدّدة، والأغذية المجمدة مثل (شرائح البيتزا والبطاطس)، والوجبات السريعة.
وبناءً على الإرشادات الغذائيّة، وتوصيات منظمة الصحة العالمية، فإنّه يُوصى بشكلٍ عام ألّا يتجاوز المدخول اليومي من ملح الطعام قدر 2300 مللي جرام، أي ما يعادل ملعقة صغيرة. وتستدعي بعض الحالات المرضية استهلاك كميات أقل، مثل مرضى ارتفاع ضغط الدم، ومرضى الكلى، وكبار السنّ، إذ يُنصح هؤلاء بألّا يتجاوز استهلاكهم اليومي 1500 مللي جرام يومياً، أي نصف ملعقة صغيرة تقريباً، ويبقى تقدير ذلك عائداً في تلك الحالات إلى وجهة نظر الطبيب المعالج.
طائفة من فوائد الملح
للملح فوائد جمة خبرها الإنسان عبر عصور التاريخ، فغدت هذه المادة لذلك عنصراً مهماً أفاد منه الإنسان القديم والحديث على حدّ سواء.
وثمة مفردات كثيرة تَرِدُ ضمن قائمة فوائد مادة الملح، ومن ذلك: استخدام الناس للملح منذ قديم الزمان في حفظ أطعمتهم من الفساد، وهي حقيقة أقرّ صحتها العلم الحديث، ويعزى سببها إلى أنّ الكائنات الحية المجهرية التي تسبب فساد الطعام لا تستطيع العيش في بيئة مالحة، وسرعان ما تموت، إذ يَسحب الملحُ الماءَ من أجسام هذه الأحياء، فتصاب بالجفاف، فتموت لاحقاً، ليبقى الطعام حينها سليماً لا يفسد.
كما أنّ لمادة الملح تأثيراً فاعلاً في تنظيف الجروح وتعقيمها، وقد خبر هذه الملاحظة الإنسان عبر عصور التاريخ، واستخدم الملح وسيلة لهذا الغرض، ثم إنّ العلم أثبت صحة تلكم المعلومات، إذ إنّ للملح خواصّ قاتلة للبكتريا وغيرها من الأحياء الدقيقة، الأمر الذي يسهم في تنظيف ما يصيب أجسامنا من جروح مختلفة وتعقيمها.
ويسهم الملح في الحفاظ على بقاء أجهزة أجسامنا رطبة، وهذا يعني الوقاية من إصابة الخلايا والأنسجة المختلفة بالجفاف الذي يُعدّ حالة فسيولوجية خطيرة، قد تهدّد صحة أجسامنا إن هي لم تعالج بشكل سريع، ولاسيما لدى الأطفال.
ويفيد معدن اليود المتوافر في ملح الطعام في دعم منظومة عمل الغدة الدرقية Thyroid Gland في الجسم وما تفرزه من هرمونات مختلفة، ويؤدي نقص نسبة هذا المعدن في الدم إلى تضخم هذه الغدة، وتعطل مهامها ووظائفها العديدة في الجسم.
وللملح أيضاً دور رئيس في تنظيم ضغط الدم، إذ يؤدي انخفاض نسبته الحادة في الجسم إلى انخفاض ضغط الدم، وما يترافق معه من أعراض مرضية مختلفة، كالدوار، والإغماء، والغثيان، وانخفاض حدة الرؤية.
والملح صديق وفيّ للجلد، يسهم في تعزيز صحته، إذ يمتاز باحتوائه عناصر مُغذّية للبشرة، كما يُستخدَم في صناعة منتجات التقشير التي تزيل الجلد الميّت. كما يمتلك الملح أيضاً خصائص مضادة للالتهابات، تسهم في علاج مشكلات بشرة الجلد، كالتشققات والإكزيما وداء الصدفية على سبيل المثال. وقد ثبت دور الملح أيضاً في تنشيط الدورة الدموية للجلد، وهو ما يكسبه نضارة مشاهدة.
ولمادة الملح أيضاً دور في تعزيز صحة الفم والأسنان، إذ يفيد استخدام الماء الممزوج بالملح المصنوع في صورة (غرغرة) في علاج العديد من المشكلات الصحية. ولهذا المزيج أثر في تطهير الفم، والحدّ من نمو الكائنات المجهرية التي تنمو فيه، مما يفيد في علاج تقرحات الفم وتشققات اللثة. وله أيضاً دور في الوقاية من تسوس الأسنان، وتنظيفها، وتبييضها بإزالة طبقات الجير والترسبات التي تغطيها.
وللملح حضور قوي يعزز من خلاله صحة الجهاز التنفسي، فاستخدامه غسولاً يفتح مجرى الأنف، ويقلل انسداده الناتج عن الإصابة بالحساسية أو الزكام، ويخفّف تراكم مادة (المخاط) العالقة بالقصبات الهواية. كما يفيد الملح في تنظيف الحنجرة والتخفيف من أعراض التهابها، وألم احتقانها.
ويعزّز تناول الملح باعتدال صحة الجهاز الهضمي، إذ يسهم ذلك في تعقيم المعدة والأمعاء، والحد من نمو الأحياء المجهرية التي تعيش فيهما، وثمة دراسات تشير إلى أن تناول الماء المالح يعين على تحسين أداء عملية الهضم.
ويعدّ الملح معدناً رئيساً يدخل في صنع المحاليل الوريدية المستخدمة في علاج بعض الحالات الجراحية كالحروق مثلاً، وهنا يغدو هذا المحلول خط العلاج الأول اللازم لإنقاذ حياة المصاب. ويظهر الأثر الإيجابي ذاته في دخول الملح في تركيب المحاليل الفموية المستخدمة لعلاج الإسهالات التي تصيب الأطفال، وتهدّد حياتهم.
والملح مادة معروفة في تعزيز صحة الجهاز التناسلي للمرأة، وكثيراً ما يُستعمل في صورة مطهرات وغسولات نسائية ذات أثر قوي أثبته العلم الحديث.
وأخر ما نذكره من فوائد الملح الصحية الكثيرة هو ما يشير إليه علماء فسيولوجيا الأعضاء من الحضور القوي لمادة الملح في تنظيم عمل عضلات الجسم، وتنسيق أداء أعصابه.
وبعيداً عن موائدنا فإنّ للملح أيضاً حضوراً قوياً فرضته ما تملكه هذه المادة من خصائص وإمكانات عالية. ويُقدّر الإنتاج العالمي من الملح بمئتي مليون طن سنوياً، يستخدم منها الناس نحو 6 % فقط في إعداد الطعام. أما النسبة المتبقية فيستفاد منها في الكثير من الصناعات نظراً للخواص الفيزيائية والكيميائية التي تمتاز بها عناصر مادة الملح.
وثمة قائمة طويلة من استخدامات الملح الصناعية، ومن تلك الصناعات التي يُعدّ الملح الخام فيها مادة رئيسة نذكر على سبيل المثال: صناعة الورق، والمطاط، والصابون، والخزف، والنسيج والصباغة، ودباغة الجلود، وتعليب اللحوم والخضروات، كما أن له حضوراً قوياً في منظومة التنقيب عن النفط والغاز.
وللملح أيضاً استخدامات هندسية، إذ يضاف مادةً صلبةً لدعم التربة، ولتوفير الصلابة اللازمة للأساس الذي تُبنى عليه الطرق السريعة. كما أن له استخداماً معروفاً في إزالة طبقات الجليد وإذابتها من الطرقات، وهي وسيلة معروفة لدى الدول التي تشهد تساقط الثلوج بكثافة في فصل الشتاء.
حول أضرار الملح
على الرغم مما تحمله مادة الملح من فوائد عظيمة عرضنا جانباً منها، إلا أنها سلاح ذو حدين، ولها في الجانب الآخر بعض الأضرار التي تلحقها بصحة أجسامنا، ولاسيما إن أسيء استخدامها وتمّ الإفراط في تناولها، لتتجاوز الحد المسموح به، وحينها قد يتحول الذهب الأبيض إلى سم أبيض يصل أذاه إلى خلايا الجسم المختلفة.
ويقول علماء التغذية إن استهلاك الملح بكثرة حيناً طويلاً يؤدي إلى تعوّد اللسان على مذاقه المميز، إذ تعتاد طعمَه براعمُ التذوق في اللسان، فتستسيغه، فيتحول الأمر إلى حالة تشبه الإدمان، تدفع الإنسان إلى طلب المزيد من الملح.
ويترافق الإسراف في تناول الملح في غذائنا مع زيادة فرص احتباس السوائل في الجسم، ويعزى ذلك إلى أنّ الكلى لا تستطيع أن تتخلص من فائض الملح في الجسم، مما يُسبب تراكمه، وهو بدوره يؤدي إلى تجمّع السوائل في خلايا الجسم وأنسجته، وزيادة الوزن، وفي ذلك لا شك عبء كبير يلحق الضرر بالقلب وغيره من الأعضاء.
وينال أذى الملح معدة الإنسان أيضاً، وهنا فإنّ من الدراسات العلمية ما يقترح وجود رابط قوي بين الإفراط في تناول الملح من جهة، وإصابة آكله بالتهاب المعدة، وظهور القرحة الهضمية، وسرطان المعدة من جهة أخرى.
وثمة ارتباط مباشر بين زيادة الملح في الجسم، والإصابة بداء ارتفاع ضغط الدم، وهو الأمر الذي له أسوأ الأثر في صحة القلب والأوعية الدموية، وهو سبب رئيس للنوبات القلبية والسكتة الدماغية.
ويشير علم الفسيولوجيا إلى أنه كلما ازداد تناول الملح زادت كمية معدن الكالسيوم التي يفقدها الجسم خلال عملية التبول، وهو الأمر الذي يلحقه انخفاض نسبة هذا المعدن في الجسم، مما يعرّض صاحبه إلى الإصابة بداء هشاشة العظام.
كما تسهم المواد الحافظة، والمواد المستعملة في تبييض الملح، ومنع تكتله، في زيادة ضرر الإسراف في تناول الملح، فهي في المحصلة مواد كيميائية تحمل بين طياتها العديد من المخاطر الصحية، ولاسيما إن زادت نسبتها في الجسم على الحدود المسموح بها. وفي حالات كتلك قد يصاب الجسم بالتسمم بتلك المواد، وهو ما يترافق مع أعراض مختلفة تنتج عن تضرر بعض أجهزة الجسم كالجهاز العصبي والكبد والكلى.
الوقاية خير من العلاج
يعتقد بعضهم أنّ الانقطاع التام عن تناول الملح يقي أجسادهم من جملة الأضرار الصحية التي تحدثنا عنها آنفاً. وحقيقة الأمر أن زعماً كهذا يجانب الصواب، فليس المطلوب هو التوقف عن تناول الملح على نحو صارم لا يسمح بدخول الملح إلى الجسم البتة، والمطلوب هو التعامل مع مادة الملح بحكمة، وقد عرفنا الآن أنها سلاح ذو حدّين، تفيد مَن أحسن تناولها، وقد تؤذي مَن أفرط فيها.
ووفقاً لتوصيات أبحاث منظمة الصحة العالمية WHO فإنه يُتوقع أن تقلّ أعداد الوفيات 2.5 مليون حالة سنوياً إذا قلل سكان العالم من استهلاك الملح، وصولاً إلى الحد المسموح به.
وعلى رأس ما يسهم في تحقق الفائدة المرجوة من الملح - دون التعرض لضرره-، التزام القاعدة القرآنية العظيمة التي جاءت في قوله تعالى: (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا)، إذ أرشد الهدي الكريم هنا إلى الاعتدال في المطعم والمشرب دونما سَرَف يؤذي صاحبه، وقد أقرّ العلم الحديث بذلك، وشجّع عليه.
وثمة نصائح أخرى يتحقق باتباعها ضبطُ كمية الملح المستهلكة في غذائنا، ولعلّ في مقدمة قائمة النصائح تلك: إقصاء الملاحة عن موائدنا، وإبعادها عن متناول يد عشاق الملح ممن اعتادوا إضافته بكثرة فوق طبق طعامهم. وقد اتبعتْ بعض الدول هذا النهج، كما هو الحال في (بوليفيا) مثلاً، إذ تمّ حظر وضع الملاحات على طاولات المطاعم بدءاً من عام 2015م.
ختاماً فإنّ ملح الطعام نعمة عظيمة ذات فوائد جمة أفاد منها الإنسان وغيره من المخلوقات، كما أفادت منها البيئة على حد سواء. وقد رأينا جانباً مما تقدّمه لنا هذه المادة من تلكم الفوائد، ولاسيما إن نحن أحسنّا استعمالها وفق التوصيات العلمية.