يا وطني الحبيب لم أغادرك رغبة مني، بل رُغماً عني، فأولئك الذين نهبوا خيراتك لم يتركوا لي غير فُتاتٍ لا يكفي حتى لِسد رمق ابني الذي ما زال جنيناً في بطن أمه، وهم لم يتركوا لنا مجالاً لنعيش معاً بينهم، وهذا ما جعلني أركب قوارب الموت، فمنذ ثلاثة أيام ونحن ضائعون وسط البحر، فاقدين وجهتنا الصحيحة. الكل يشعر بالبرد والجوع والعطش والتعب، حتى أن صديقي (مراد) بدأ يُهلوس، ويرى جده المتوفي جالساً بقربه، ويحدثنا منذ الصباح عن مقاومته للاستعمار، وكيف أصيب برصاصتين في ساقه، وأنه فخور به لأنه ضحى بحياته في سبيل إنقاذ الوطن، والعجيب في الأمر أن حفيده (مراد) اليوم يضحي بحياته لمغادرة الوطن نفسه.
لم يتوقف مراد عن الكلام طوال اليوم، فأغمضت عيني لعلي أنعم ببعض النوم الهني، وبعد وقت قصير أفقت على صوت يقول:
- أنا قادم إليك يا جدي.
نهضت فإذا بي أجد الليل قد حل، ولا وجود لمراد، قفزت للبحر بسرعة، وبدأت أبحث عن مراد في الظلام الحالك، وأنادي باسمه، لكن دون جدوى، ثم عدت للقارب وكلي خيبة، وأنا أقول:
- إنه صديق طفولتي، كيف سأخبر أمه أنه توفي في البحر، وهي التي أوصتني أن أنتبه إليه، كيف سأخبرها بالأمر؟ يا إلهي ماذا نفعل؟ أنجدنا يا رب.
كل من في القارب أصيب بالذعر، وبدأنا ندعو الله أن ينجينا، فلا ذنب لنا إلا أننا نبحث عن حياة أفضل لنا ولعائلتنا.
عدت إلى مكاني وأنا أرتجف من البرد، فإذا بي أتخيل ابني وقد تخرج من جامعة أوروبية مرموقة، وأصبح مهندساً. فقلت في نفسي:
- سيتحقق حلمي بإذن الله، فقد كان هذا هو هدفي، أن يعيش ابني في مجتمع لا يحاسبه على أخطاء والده الذي دخل السجن في سن مبكرة، وأصبح وصمة عار لكل من يقربه. فكل الناس يُحاسبونني على أخطاء ارتكبتها في الماضي دون وعي مني، وكأنهم ملائكة منزلة من السماء. ألا يحق للمخطئ أن يتوب حسب قوانينهم؟ وأن يبدأ حياة جديدة دون محاسبته باستمرار على ماضيه، فحتى بعض الوظائف حُرمت منها بسبب ماضي البئيس.
ثم رأيت ابني مرة ثانية، ولكن هذه المرة كان يقترب مني ويضع يده الصغيرة على خدي ويقول:
-لا تنطفئ أرجوك يا أبي فأنت من تضيء لي الطريق.
فأجبته بكل ثقة:
- لا تخف يا طفلي، سأوفر لك الحياة التي تستحقها.
ثم أيقضني صوت أحد الركاب وهو يستنجد ويقول:
- سمك قرش يطير، اهربوا جميعاً!
ثم قفز في الماء وقفز وراءه أربعة أشخاص آخرين، أما أنا فتجمدت في مكاني، وكأني أنتظر هذا السمك ليلتهمني وأرتاح من هذا العذاب. لم يتبقَ أحد في المركب، الكل قفز وهو ينوي النجاة لكنه لا يجد أمامه إلا هلوسة، هلوسة بحر تعرف معاناتنا جيداً فتجذبنا بسحرها إلى أعماقه، ربما رأَتْ أن الموت أرحم لنا مما ينتظرنا في بلد غير بلدنا، أو ربما هناك حياة هنيئة في باطن البحر نحن لا نعلمها، جزاء لنا على شجاعتنا المميتة.
بعد بضع ساعات رأيت شبح أبي يلوح في الأفق وهو يدعوني للقدوم إليه، مع أني أرفض أن أسميه أباً لما فعله بي في صغري عندما تخلى عنا أنا وإخوتي وتزوج امرأة أخرى ولم يهتم لأمرنا، فخاطبته بصوت مرتفع قائلاً:
- حتى لو كنت السبب وراء حزني الشديد فأنا لا أكرهك، وأنا لن أنسى أبداً أني احتميت بك يوماً ضد أمطار الحياة الهالكة وأنا طفل، رغم أنك تركتني أتحمل مسؤولية عائلة بأكملها لوحدي، وأعمل في سن صغيرة. فالكريم لا يقتلع الشجرة التي أطعمته يوماً ما. وَعَدتُ نفسي أني لن أفعل الشيء نفسه بأبنائي في المستقبل، وسأوفر لهم حياة طيبة، والفضل يعود إلى خذلانك يا أبي. فما نحن بأشد الحاجة إليه هو أكثر شيء نمنحه بدون مقابل؛ لأننا نعي جيداً ألم فقدانه.
عندما وصل قارب أبي، قفز إلى قاربي وهو يرتدي لباس شرطة، وأمسكني من ذراعي وهو يجرني نحو قاربه ويقول:
- أنت الناجي الوحيد، هنيئاً لك.