مجلة شهرية - العدد (597)  | يونيو 2026 م- ذو الحجة 1447 هـ

منطق التغيرات الحديثة

كيف حدث كل هذا؟
ألم يكن الإنترنت، مع بداية الألفية الثالثة، مجرد ظاهرة نخبوية، يقترب منها قليلون بحذر، ويستعملها في حدود ضيقة للاطلاع على الأخبار وتبادل البريد الإلكتروني؟ ألم يكن سوى ضيف خجول في صالونات النخبة، يُزار على استحياء، ويُستعمل في حدود ضيقة: خبرٌ يُلتقط، ورسالة تُبعث في صمت إلكتروني بارد؟ ألم يكن يمثّل آنذاك أكثر من وسيط جديد يُضاف إلى وسائط قائمة؟
فمن كان يتوقّع أن يعيد تشكيل العالم بهذه السرعة، وأن يحدث لهذا الحضور الخجول كل هذا التحوّل، فيتحوّل إلى قوة جارفة تعيد ترتيب عادات الناس في الحياة والتواصل والقراءة، وتغيّر علاقة الإنسان بالنص وبالآخر؟
مثلما يفعل الماء بجلمود الصخر، حفر هذا الكائن اللامرئي طريقه شيئاً فشيئاً في زمن الناس، فدخل البيوت بلا استئذان، وجلس مكان الجريدة الورقية التي كانت، كل صباح، تتمدّد على الطاولات إلى جانب فنجان القهوة، حين كان قارئها، بمستوياته الثقافية والمعرفية المختلفة، يغمس نظره في الحبر، ويستيقظ على رائحة الورق. بدأت الجريدة تموت بهدوء، ولعلها من بين الضحايا الأولى لهذا التحوّل الرقمي.
لم يكن سقوطها حدثاً تقنياً عابراً، بل مساساً ببنية القراءة ذاتها. فحين يُمحى تقليد امتد قروناً، لا يختفي كوسيط فحسب، بل يتزعزع معه نظام كامل من العادات والمعاني. لم تكن الجريدة مجرد حامل للأخبار، بل فضاء مشتركاً داخل الأسرة، يقرأها الأب، ثم تتداولها الأيدي، ويتقاسمها أفراد البيت، كلٌّ بحسب زاوية نظره.
وأما خارج البيت، فقد كانت تؤدي وظيفة اجتماعية دقيقة. في المقاهي، لم تكن ملكاً لفرد، بل موضوع تداول صامت بين الجالسين، تُقرأ على الطاولة المقابلة أو المجاورة، وتنتقل أحياناً من يد إلى أخرى في نوع من الملكية المؤقتة، وقد تُترك عنوة في زاوية ما لقارئ مفترض قادم. بل إن بعض المقاهي وعيادات الأطباء كانت تنتظم في اشتراكات يومية لعناوين محددة، تضعها في متناول الزبائن، وكأنها تهيّئ لهم أفقاً مشتركاً للانتظار المثمر، والصبر بقراءة ما يحدث في العالم الشاسع.
هكذا إذن، لم يكن اختفاء الجريدة الورقية فقداناً لوسيلة، بل انحساراً لطقس اجتماعي وثقافي راسخ، بعد أن زحف الإنترنت كمدٍّ لا يُقاوَم، واجتاح العناوين، لغة لغة، وبلداً بلداً، حتى أطفأ أسماء كانت، إلى زمن قريب، تصنع الرأي وتحرّك مزاج العالم. ومع هذا الاختفاء، انكسر طقس قديم.
دون نوستالجيا سلبية، تتوارد أسئلة حقيقية، غير مغموسة في عطر الحنين، حول تراجع عناصر أخرى كانت تشكّل معنى القراءة وجزءاً من بنية المشهد الصحفي، مثل الملاحق الثقافية والأدبية التي ظلت تُقرأ بنهم، وأسهمت في تكوين وعي أجيال من الكتّاب، وصفحات المتفرقات التي كانت ترصد تفاصيل الحياة اليومية: من زواج وطلاق وخصام وسرقات، وصفحات الفن بما تحمله من تنافس وصراعات وأخبار مثيرة.
الحقيقة أن كل ذلك لم يختف دفعة واحدة، بل فقد مركزيته وتأثيره، مثلما أسدل الستار، قليلاً قليلاً، على عالم البريد الكلاسيكي، الذي لا يمكن اختزاله في كونه أداة تواصل. فقد شكّل، عبر زمن طويل، حاملاً لتقاليد ثقافية، وفضاء لنشوء علاقات إنسانية مركبة تقوم على الانتظار والتأمل وإعادة الصياغة.
لم تكن الرسالة البريدية مجرد نص، بل زمناً ومكاناً، وعالماً جوانياً ساحراً يُقرأ عبر منعرجات الخط وطبيعة الورق. أوليس من هذا الزمن نشأ «أدب المراسلات» بوصفه جنساً أدبياً قائماً بذاته، أسهم في تشكيل جانب مهم من التراث الإنساني؟ فكتبت الفلسفة في هيئة حوار مؤجّل، وسُجّلت الرحلات بوصفها تجربة ذاتية، واحتُضنت السجالات الفكرية ضمن لغة شخصية، كما دُوّن تاريخ العاطفة في أكثر صوره صدقاً وعفوية.
ثم إن الأدب العربي، كما الآداب العالمية، عرف هذا الشكل من الكتابة، حيث قامت كتب مرجعية على مراسلات بين كتّاب وكاتبات، وبين فلاسفة، وبين فنانين من مجالات مختلفة. إن تراجع البريد ليس ضياع وسيلة فحسب، بل انكماش لحيّز كامل من التعبير الإنساني، كان يمنح الكتابة زمنها العميق ومعناها المؤجّل.
وبنهاية تقليد «الرسالة» والتراسل البريدي، قضى الإنترنت على مهنة ساعي البريد. ولم يكن هذا الأخير مجرد حامل للرسائل، بل شخصية فريدة في النسيج الاجتماعي، مطّلعاً على كثير من أسرار الناس، حافظاً لها، وحاملاً للأخبار بين البيوت والقرى. كان، في أغلب الأحيان، بشارة خير، واكتسب بذلك حضوراً رمزياً في الأدب والسينما والموسيقى والفن التشكيلي والمسرح.
وبانتهاء هذه المهنة المتفرّدة، لا ينقرض دور اجتماعي فقط، بل تُطوى صفحة كاملة من تقاليد العلاقات الإنسانية. فالرسالة لم تكن مجرد نص للإخبار، بل ممارسة ثقافية لها طقوسها وأعرافها.
شيئاً فشيئاً، دخلت وسائل الاتصال الجديدة إلى الحياة اليومية، مع ظهور مقاهي الإنترنت. بدت وكأنها امتداد للمقهى التقليدي، لكنها سرعان ما بدأت تنافسه ثم تلغيه. أخذت الأحاديث تخفت في المقاهي القديمة، وتراجعت النقاشات العاصفة بين روّادها حول قضايا السياسة والأدب والحياة العامة، بينما تحوّلت مقاهي الإنترنت إلى فضاء عمومي جديد يقوم على العزلة، يجلس الأفراد متجاورين، إلا أن كل واحد منهم يعيش عالمه الخاص داخل صندوق مغلق ملوّن. لم يعد الفضاء حاضناً للحوار، بل مراقباً تقنياً للزمن والاستخدام، فتعشّشت حالة من القطيعة الإنسانية.
ومع غياب هذه المقاهي لاحقاً، تعمّمت وسائل التواصل الاجتماعي، مدعومة بالانتشار الواسع للهواتف الذكية، أكثر سرعةً وأكثر اختزالاً. تغيّرت تقاليد القراءة تغيّراً جذرياً، وحلّت قراءة الصورة محل قراءة النصوص زماناً ومكاناً، فتراجع التأمّل أمام مدٍّ قوي لقراءة تقوم على الإثارة والسرعة والعبور.
دخل عالم القراءة في انقلابات متتالية تحرّكها التكنولوجيا الرقمية. تقلّصت المسافات بين الثقافات، غير أن هذا الانفتاح لم يكن متكافئاً، إذ بدت الثقافات الصغرى، التي طالما شكّلت تنوّع المشهد الثقافي العالمي، مهدّدة بالذوبان. سقطت الحدود من على شاشة الهاتف، وتراجعت الرقابة، فأصبح العالم مفتوحاً على المعرفة، لكنه أضحى أيضاً معرّضاً لانتشار الكراهية والعنف بأشكاله المختلفة.
وفي خضم هذا الانفتاح، لم تسلم اللغة من الأذى، فقد طالتها ظواهر التهجين وعبور تعابير لغوية وكتابية غريبة.
ولأنه منطق التاريخ ومساره الذي لا يمكن توقيفه أو الهروب منه، وبينما نتأمّل ما حدث ويحدث في عالم الإنترنت من إلغاء للمسافات وتقريب للجغرافيات والانفتاح على خيرات العالم الثقافية، نجد أن المجتمعات دخلت، في الآن نفسه، نفق النمطية في العمارة واللباس والمطبخ.
أما القراءة، فأعتقد، ومن موقع الملاحظة السوسيو-ثقافية، أن الإنترنت اليوم، عبر وسائل التواصل الاجتماعي والشاشات التي اكتسحت حياتنا اليومية، جعل القارئ الجديد يودّع عالماً بوسائله القرائية والمعرفية القديمة، ويؤسّس لآخر بمواصفات وحساسية وطموح مختلف.
نشهد اليوم ظهور حلقات ونواد كثيرة على شكل منصات ومواقع تدافع عن قراءة الأدب والفلسفة والتاريخ وعلم النفس، وتروّج لكتب جادّة، معاصرة أو تراثية. بل إن دور النشر الكبرى دخلت هذا الفضاء، مستثمرة في هذه الوسائط لتسويق منشوراتها والترويج لها بين الشباب، معتمدة أساليب احترافية في الإغراء والإقناع.
وهكذا، يكاد الإنترنت يخرج من دائرة ثقافة الاستهلاك والإثارة نحو أفق ثقافة الاستفادة الحضارية، حيث يبدو المتلقي أكثر حذراً، وتبدو المنافسة واضحة بين العميق والسطحي.
صحيح أن الإنترنت منح القارئ قدرة غير مسبوقة على الوصول إلى المعرفة، لكنه في العمق ينسج حوله شبكة غير مرئية من التوجيه والتأثير، حيث تتحول اختياراته إلى بيانات، وميوله إلى خوارزميات، ووعيه إلى مادة قابلة لإعادة الصياغة، فقد يُخيّل إليه أنه يختار، بينما هو، في كثير من الأحيان، يُقاد بلطف.
هذه الورقة، وهي تقف أمام مشهد انهيار تقاليد القراءة الورقية، لا تحرّكها نوستالجيا زمن مضى، بل هي مقاربة لا تستحضر الماضي بديلاً عن الحاضر، ولا تغلق أبواب المستقبل الذي تزحف عليه التكنولوجيا بأسئلة أنطولوجية وأخلاقية عميقة.

ذو صلة