مجلة شهرية - العدد (597)  | يونيو 2026 م- ذو الحجة 1447 هـ

من يحتكر الحقيقة في غياب الأداة الكونية؟

تأسست الرواية المعاصرة لإنتاج المعرفة على فرضية الإتاحة المطلقة، حيث تحولت الشبكة من مجرد وسيط تقني إلى بيئة وجودية تحتضن الذاكرة الجمعية للبشرية. ومع ذلك، فإن هذا الارتباط العضوي بالتدفق الرقمي خلق حالة من الاتكالية النسقية التي نادراً ما تُخضع للتحليل الإستراتيجي من منظور المخاطر والقدرة على الصمود (Resilience). فالسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس تقنياً حول كيفية استعادة الاتصال، بل هو سؤال بنيوي: في حال انقطاع هذا الوسيط، كيف سيُعاد تعريف السلطة المعرفية؟ ومن سيملك حق احتكار الحقيقة في فضاء مادي ومحدود؟
لقد سوَّق العصر الرقمي لوهم ديمقراطية المعرفة، معتبراً أن تدفق المعلومات عبر الشبكات قد أنهى عصر النخب والوسائط التقليدية. إلا أن القراءة العميقة لموازين القوى تشير إلى أن المعرفة لم تكن يوماً مشاعاً، بل انتقلت من احتكار المؤسسة إلى احتكار المنصة. وفي لحظة انقطاع الشبكة، نكتشف أننا لا نواجه فراغاً معلوماتياً فحسب، بل نواجه انهياراً في سلاسل التوريد المعرفية.
إن غياب الإنترنت يعني العودة الفورية إلى المؤسسة الفيزيائية كمرجعية وحيدة. هنا، تبرز الدولة، والجامعة، والأرشيف الوطني كلاعبين إستراتيجيين ليس فقط كمصادر للمعلومات، بل كأدوات للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي. فالقدرة على الصمود في وجه الانقطاع المعرفي تعتمد كلياً على مدى استثمار الدول في أصولها المعرفية المادية، فالأمم التي أفرغت مكتباتها المادية واكتفت بالسحابة الرقمية ستجد نفسها في حالة عوز معرفي يعجزها عن اتخاذ قرارات إستراتيجية.
لطالما كان الوسيط هو الذي يحدد شكل المعرفة. وفي العصر الرقمي، اتسمت المعرفة بالسيولة والسرعة، لكنها افتقرت إلى الرسوخ الأرشيفي. وفي غياب الشبكة، ستستعيد المادة هيبتها، سيصبح الكتاب المطبوع، والمخطوط، والسجل الورقي هي العملة الصعبة في سوق الفكر.
هذا التحول سيخلق بالضرورة نمطاً جديداً من الاحتكار المعرفي. لن يكون الاحتكار تقنياً برمجياً، بل سيكون مؤسسياً وجغرافياً. فمن يملك الأرشيف الورقي، ومن يسيطر على مطابع الكتب، ومن يحوز على مراكز البيانات المخزنة (أوفلاين) (Offline Data Centers)، هو من سيوجه الدفة الفكرية. حينها، سنكون أمام عودة قسرية لمفهوم حارس البوابة، حيث لا تمر المعرفة إلا عبر قنوات المؤسسة التي تملك القدرة على التحقق والتوثيق في عالم فقد محركات البحث.
بصورة موازية لانهيار الشبكة، ستتشكل أنماط تداول معرفي خارج الأطر الرسمية، تعتمد بشكل أساسي على الذاكرة الشفوية والدوائر الضيقة. فتاريخياً، كانت المجتمعات تبني قدرتها على الصمود عبر نقل الخبرات والمهارات شفوياً. وفي السياق الحديث، سيعيد غياب الإنترنت الاعتبار للنخب الفكرية المحلية وللمجالس والمنتديات المادية كحواضن لإنتاج المعرفة وتداولها. إلا أن هذا النمط من المعرفة يحمل في طياته مخاطر إستراتيجية، فهو عرضة للتحريف والتجزئة، ما قد يؤدي إلى نشوء جزر معرفية منعزلة. بدلاً من المشهد العالمي الموحد، فسنكون أمام مشهد مجزأ، حيث تختلف الرواية التاريخية والعلمية والسياسية من جغرافيا إلى أخرى بناءً على قوة الذاكرة الجمعية وتماسك المؤسسات المحلية. فالقدرة على الصمود هنا لا تتعلق فقط بحفظ المعلومات، بل بحفظ منطق التفكير وآليات النقد التي تحمي المجتمع من الانزلاق نحو الخرافة أو التضليل الممنهج.
إن غياب الإنترنت سيعيد طرح سؤال السيادة الوطنية من منظور معرفي. فلم يعد كافياً أن تملك الدولة بنية تحتية رقمية، بل بات لزاماً عليها امتلاك سيادة معرفية صلبة. وهذا يعني تحويل مراكز الأبحاث والمكتبات الوطنية إلى ملاجئ معرفية قادرة على العمل في ظروف الانقطاع التام. والسلطة في هذا السياق ستؤول لمن يمتلك القدرة على التنظيم والتبويب في فضاء غير رقمي. فالبيانات المتراكمة في السحب الإلكترونية لا قيمة لها ما لم تكن قابلة للاسترجاع والاستخدام المادي. ومن هنا، تبرز أهمية المؤسسات التقليدية التي حافظت على صرامتها المنهجية بعيداً عن صخب الترند الرقمي. وهذه المؤسسات ستصبح هي المرجع الوحيد القادر على منح الشرعية المعرفية في عالم يعود للبحث عن اليقين وسط الضباب.
إن استحضار سيناريو انهيار الشبكة ليس دعوة للارتداد التقني، ولا هو تنبؤ بخراب وشيك، بل هو تمرين ذهني إجباري لكشف مدى انكشافنا الإستراتيجي. فنحن نعيش في عصر سلمنا فيه مفاتيح الحقيقة لوسطاء لا نملكهم، واختزلنا فيه إرثنا المعرفي في إشارات ضوئية قد تنطفئ بقرار سياسي أو عطل كوني.
ويبقى الصراع الحقيقي الذي يجب أن يواجهه القارئ والمسؤول على حد سواء: هل نحن -كمؤسسات ودول- نبني معرفة قادرة على الصمود في العتمة، أم أننا نكدّس ركاماً من البيانات التي ستتحول إلى أطلال رقمية لا يمكن قراءتها بمجرد سحب القابس؟
إن هذا الاستفهام التخيلي، رغم قسوته، يضعنا أمام الحقيقة العارية: إن ديمقراطية المعرفة التي نتغنى بها قد تكون هي السجن الأكثر إحكاماً إذا ما اكتشفنا أننا فقدنا القدرة على التذكر والإنتاج بعيداً عن الخوارزمية. فهل نحن مستعدون للحظة التي يصبح فيها الكتاب المترب في زاوية المكتبة هو طوق النجاة الوحيد، أم أننا رهنّا عقولنا لوسيط قد يغادرنا دون سابق إنذار؟

ذو صلة