مجلة شهرية - العدد (597)  | يونيو 2026 م- ذو الحجة 1447 هـ

الفرد في عصر نهاية الاتصالية

منذ ظهور العولمة، والتي كانت سمة للمجتمعات البشرية في بدايات تسعينات القرن الماضي، تتابعت التطورات في المجتمع البشري لتعلن عن بدء حقبة المجتمع السيبراني أو الفضائي منذ بدء استخدام شبكة الإنترنت بشكل شاسع في عام 1993. لقد تطور المجتمع الإنساني على مر العصور وفقاً لنوع الحضارات سواء زراعية أو صناعية أو معلوماتية، فعالم اليوم يعيش فيه الإنسان في فضاءين متوازيين ولنطلق عليهما العالم الحقيقي والعالم الموازي، وكلاهما يضج بمظاهر الحياة مع اختلاف نسق التفاعل بين أفراد تلك المجتمعات.
حينما نعرف العالم الحقيقي فنحن بصدد وصف المجتمع البشري الذي يتصف بالسيرورة والعمليات الحياتية اليومية ونمط الحياة التقليدي، بينما العالم الموازي يمكن أن نطلق عليه العديد من الأوصاف ومنها مثلاً المجتمع الافتراضي Virtual Society أو العالم السيبراني Cybernetic أي العالم المعتمد على التطبيقات الفضائية المستحدثة أو عالم الواقع المعزز Augmented Reality أو مجتمع (الأفاتار) Avatar أو المحاكاة ومجتمع الميتافيرس Metaverseأي المجتمع القائم على الحس والتخيل. كل ذلك التنوع في طبيعة المجتمع البشري يفرض سؤالاً مهماً عن وتيرة التغير في الحياة الإنسانية ويجعل النقاد يتساءلون: ماذا لو لم تكن هناك شبكة الإنترنت وأدواتها وملحقاتها اليوم وأشهرهم منصات وسائل التواصل الاجتماعي؟ ماذا لو انتهى عصر الإنترنت؟ ما هي التبعات التي تترتب على نهاية عصر الإنترنت؟ كيف سيتأثر المجتمع البشري؟
نحن نعيش في عالم اليوم وسمته الأساسية في ضوء انتشار استخدامات شبكة الإنترنت وأدواتها أنه عالم عدم اليقين Uncertainty. لقد أدى الاستخدام الهائل لكل أدوات العصر السيبراني وتقنياته لإشاعة حالة من عدم التيقن من حيث مصداقية المحتوى وما ينسحب على ذلك من تفاعلات المجتمع الإنساني في الفضاء الرقمي. إن الاتصال الإنساني Human Communication هو سمة الخليقة منذ البدء، وأداة ذلك الاتصال هي اللغة، ومع تطور المجتمع البشري تعقدت شبكة التفاعلات الإنسانية وتطورت اللغات وأصبح المجتمع البشري شبكة Network بها ملايين الروابط Bonds، ما ألقى بظلال كثيفة على فوائد الاتصال البشري الفعال في ظل وجود تقنيات مستحدثة. إن عالم اليوم مترابط على مدار اليوم، فالأحداث يتم بثها في التو واللحظة لكل بقاع الأرض. وأصبح الاتصال الإنساني لا يخضع لقنوات رسمية بل تعدى ذلك، حيث أصبح الفرد في حد ذاته قناة لنقل المعلومة والصورة لكل العالم. ومن هنا يتأتى سؤال جوهري. هل علينا أن نثق بما يطلقه إنسان اليوم من معلومات وصور وخلاف ذلك من بيانات؟
إن التأثيرات التي أحدثتها شبكة الإنترنت على المجتمع الإنساني جاءت متدرجة، فكانت بداية استخدامها في الأول كتطبيق للتواصل بين الأفراد من خلال الرسائل البريدية Email أو التواصل الصوتي من خلال تطبيقات قديمة مثل Gopher وICQ ثم انطلقت إبداعات المستخدمين لتحلق بآفاق استخدامات الشبكة في مجال إدارة الأعمال Business والتسويق Marketing وانسحب كل ذلك على الحياة اليومية لأفراد المجتمع البشري إلى أن جاءت جائحة كورونا Covid-19، والتي قلبت موازين التواصل الإنساني رأساً على عقب، وأضحت حياة الإنسان في العالم كله تسير من خلال أدوات ومنصات شبكة الإنترنت بما في ذلك قضاء حاجياته وتعليمه إلى آخر كل ذلك من العمليات الحياتية بحيث أصبحنا الآن نعيش في عصر جديد تماماً هو عصر الذكاء الاصطناعي Artificial Intelligence (AI) وعوضاً أن نتساءل عن إمكانية الاستغناء عن شبكة الإنترنت نجد أنفسنا أمام معضلة أكبر وهي الاعتماد الكلي على أدوات العصر الرقمي من تقنيات وتطبيقات.
حسناً لنحاول تخيل الوضع لو أن المجتمع البشري افتقد وجود شبكة الإنترنت، فإذا ما تخيلنا أن المجتمع الإنساني قائم على ثلاثة أركان وهي المعرفة Knowledge والسلطة Power والرأي العام Public Opinion حسبما وصفه الفلاسفة القدماء، فإن ذلك يعني ببساطة كيفية استمرارية المجتمع البشري على النمط التقليدي، لذلك سوف تبدو لنا مزايا عديدة، وفي المقابل ربما تظهر لنا مثالب أخرى لذلك النمط التقليدي من المجتمع الإنساني.
أولاً- المعرفة الإنسانية
إن المجتمع التقليدي شهد أهمية العنصر البشري في إنتاج وتوليد المعارف والخبرات العلمية عن طريق استدامة Sustainability العطاء العلمي وتطوير طرق ومناهج التدريس وهي السبيل لتوليد المعرفة وعماد كل ذلك هو الإنسان، بينما نحن الآن نرى أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي تعمل على توليد ذلك، ولكن يبقى الإنسان هو سيد الموقف رغم تفوق الخوارزميات والتطبيقات التقنية الحديثة، لأن الإنسان يملك العقل الذي وهبه الله عز وجل له بينما كل التطبيقات الأخرى لا تملك العقل والقدرة على التفكير، فهي أولاً وأخيراً أوعية لتخزين واجترار المعلومات وقت الحاجة.
ثانياً- السلطة
ما زال نموذج السلطة في المجتمع الإنساني ثابتاً ولم يتغير، فالآلة لم تستطع بعد السيطرة على الفكر البشري رغم التطور التقني. أيضاً، ما زالت المجتمعات البشرية تركن إلى نظم السلطة التقليدية سواء في بيئة العمل اليومي أو بيئة المعيشة الحياتية في كافة أنساق المجتمع، فحقيقة الحوكمة الإلكترونية Electronic Governance ليست نمطاً سائداً في كل أنحاء المجتمع الإنساني بل هي وسيلة لتسهيل عمليات الحياة اليومية ولا تتوافر إلا في المجتمعات الإنسانية المتقدمة أو مجتمعات الوفرة والرفاه The Welfare Society
ثالثاً- الرأي العام
كان لدور الرأي العام منذ القدم أهمية كبرى عمل على تفعيلها الزعماء وأصحاب القرار وغيرهم من المفكرين والعلماء، وكانت المسارح والمنتديات والملتقيات هي الفضاء العام الذي يتم فيه النقاش العام والجدال وتبادل الآراء. تحول كل ذلك في العالم الموازي الافتراضي إلى ما يعرف بالمجال العام The Public Sphere وتمثل في النقاش العام على منصات وسائل التواصل الاجتماعي والمدونات لكن شاب ذلك شيء من عدم اليقين وعدم المصداقية، لذلك لو تخيلنا المجتمع الإنساني دون تلك المنصات والمدونات فلربما تزيد درجة مصداقية المحتوى والمضمون مرة أخرى.
خلاصة القول، من الصعب الوقوف أمام عجلة الحداثة Modernism وقوى العولمة المتعددة وتطبيقات المجتمع الافتراضي الموازي، لكن في نفس السياق من السهل سن التشريعات وآليات الفحص والتمحيص لما ينتجه الإنسان من معلومة وفكرة، حيث يقع على عاتق المعلمين والأساتذة ورواد الفكر، تثقيف المجتمع البشري بما يحفظ عليه إنسانيته وما يترتب على ذلك من الحفاظ على نسق قيمي Value System ومصفوفة أخلاقيات Ethical Matrix تضبط الواقع الاجتماعي للحياة البشرية.

ذو صلة