مجلة شهرية - العدد (597)  | يونيو 2026 م- ذو الحجة 1447 هـ

أين ينتهي البشر وتبدأ العنكبوتية؟

ماذا لو أصبحنا ذات فجر ولا وجود للإنترنت في هواتفنا، في حواسيبنا وفي كل آلة محمولة، أو حتى مزروعة في أجسادنا؟ هل سنفقد ذاكرتنا الرقمية أم سنتحرر منها؟ من الصعب تخيل عالم بدون إنترنت، بسبب اندماجها العميق في هويتنا، ذكرياتنا، علاقاتنا، عملنا، التي أصبحت جميعها الآن مُخزّنة في خوادم موزعة حول العالم.
هذه المداخل تتحول بسهولة إلى تساؤلات تبدو أحياناً ساذجة وربما معقدة، فهل مثلاً سنشهد فقداناً كارثياً للذاكرة، أم تحرراً غير متوقع منها؟ وبخاصة مع تعمقنا في (المجتمع الشبكي) حيث تتلاشى الحدود بين الإنسان والآلة. هنا كما نعلم.. البشر باتوا رقميين، مجموعة أصفار متراصة إلى ما لا نهاية وكائنات لا تنفصل هويتها عن آثار البيانات التي تُنتجها داخل هذه البيئة الجديدة التي أصبحت امتداداً للإدراك البشري.
جوهر هذه التجربة الفكرية يكمن في مفارقة: فالإنترنت تحفظ الذاكرة وتشوهها في آن واحد، فمن جهة، تعمل كأرشيف ضخم، تتراكم فيه الصور والرسائل والوثائق والتسجيلات بلا نهاية، لتشكل عقلاً خارجياً. ومن جهة أخرى، تعيد هذه الوفرة تشكيل طريقة تذكرنا، فعندما يُخزّن كل شيء ويُفهرس ويُمكن البحث فيه، تضعف الحاجة إلى عقولنا، ونقطة الجدل هنا، أننا لم نفقد ذاكرتنا فحسب، بل حتى شعورنا بالاستمرارية.
في مجتمعات ما قبل الرقمية، كانت الذاكرة هشة وذاتية، وغالباً ما كانت جماعية، وكانت الحكايات تُروى مراراً وتكراراً، وتتطور مع كل جيل. أما اليوم، فقد أصبحت الذاكرة ثابتة، موثقة زمنياً ومسجلة، ويمكن استرجاعها كما هي. هنا لم يعد الماضي شيئاً نعيد بناءه، بل أصبح شيئاً نعيد تمثيله.
ولو اختفت الإنترنت، لانهار هذا النظام بأكمله، وسيكون الأثر المباشر فوضى عارمة، ووراء العواقب العملية يكمن شرخ أعمق وأكثر وجودية: الاختفاء المفاجئ لذاكرتنا الخارجية، لننظر إلى ملايين الصور المخزنة في الخدمات السحابية، والمحادثات المؤرشفة في تطبيقات المراسلة، والمعرفة المضمنة في قواعد البيانات الإلكترونية. بالنسبة للكثيرين، هذه ليست مجرد سجلات، بل هي امتداد للهوية الشخصية، وبدونها، سيشعر هذا وذاك، وكأن أجزاءً من ذواتهم قد مُحيت، وسيكون الأمر أشبه بالاستيقاظ مصاباً بفقدان جزئي للذاكرة، ليس بسبب خلل في الدماغ، بل بسبب اختفاء الذاكرة الخارجية.
وأزيدكم، في عالمٍ يُسجَّل فيه كل شيء، يصبح النسيان شبه مستحيل، وتبقى الأخطاء عالقة، وتبقى نسخنا السابقة من أنفسنا متاحة، وتُقيَّد قدرتنا على إعادة ابتكار أنفسنا. لقد غيَّرت الإنترنت، بهذا المعنى، طبيعة الزمن، فلم يعد الماضي ماضياً، بل أصبح حاضراً باستمرار. يمكن لصورةٍ من عشر سنواتٍ مضت أن تظهر فجأةً، مُزيلةً المسافة بين ما كنا عليه وما نحن عليه الآن.
قد يكون هذا الاستمرار مُريحاً، ولكنه قد يكون خانقاً أيضاً، فبدون الإنترنت، سيستعيد النسيان قوته، وستصبح الذكريات انتقائيةً مرةً أخرى، مُشكَّلةً بالعاطفة والسرد بدلاً من الخوارزميات، وقد يسمح غياب السجل الدائم للأفراد بالمضي قدماً بحريةٍ أكبر، دون عبء تاريخهم الرقمي. هذه الفكرة تتوافق مع بعض التقاليد الفلسفية التي لا تنظر إلى النسيان على أنه فشل، بل كشرطٍ ضروريٍّ للنمو.
فالنسيان هو إفساح المجال لتجارب جديدة، وهويات جديدة، وطرائق جديدة للوجود، وقد لا يُمثل انقطاع الإنترنت مجرد خسارة، بل إعادة ضبط للذاكرة البشرية. مع ذلك، يجب أن يكون هذا التفاؤل مصحوباً بإدراك أن الإنترنت قد ساهمت أيضاً في إتاحة المعرفة للجميع، فقد مكّنت من الوصول إلى المعلومات بشكل غير مسبوق، وربطت الناس عبر مسافات شاسعة، وعززت أشكالاً جديدة من التعاون.
قد يشعر البعض أن حالة ما بعد ذهاب الإنترنت بمثابة عودة إلى الأصالة -إعادة اتصال بالعالم المادي والعلاقات المباشرة. بينما قد يشعر آخرون بتراجع عميق، وفقدان للحضور والقدرة على التأثير، ونهاية التكامل تكمن في معادلة: العقل البشري في مواجهة الذكاء الآلي، وثمة بُعد إضافي لهذه التجربة الفكرية يتعلق بالتكامل المستمر بين العقل البشري والآلات- وهي عملية تسارعت بشكل كبير في العقود الأخيرة.
فمن محركات البحث التي تتوقع أسئلتنا إلى الخوارزميات التي تشكل قراراتنا، يتلاشى الخط الفاصل بين التفكير والمعالجة بشكل متزايد. هناك نقاش حاد بين المفكرين حول ما إذا كان هذا التكامل يمثل تطوراً للذكاء البشري أم تآكلاً له؟
هنا يرى البعض أن الأدوات المدعومة بالذكاء الاصطناعي لا تحلّ محلّ التفكير، بل تُوسّعه، ومن هذا المنظور، يُصبح العقل البشري جزءاً من نظام معرفي أوسع، مُوزّع عبر الشبكات والأجهزة، حيث لم تعد المعرفة محصورة في الدماغ، بل تتدفق ديناميكياً بين الإنسان والآلة.
مع ذلك، يُعرب آخرون عن قلقهم من أن هذا الاعتماد قد يكون له ثمن، فعندما تتولى الآلات الذاكرة، والتنقل، والحساب، وحتى الإبداع، قد يتحوّل دور الإنسان من مُفكّر فاعل إلى مُنسّق سلبي. ولا يكمن الخطر في أن تُصبح الآلات ذكية، بل في أن يُصبح البشر أقل ذكاءً، مُستعينين بمصادر خارجية للقدرات النقدية مقابل الراحة، وإذا انقطعت الإنترنت، سينقطع هذا التكامل فجأة.
لقد تحول الأمر إلى سؤال معقد يقع في قلب نقاش فلسفي معاصر حول معنى الذكاء الإنساني وحدوده، والإجابات ضمن ثلاث مدارس فكرية رئيسية، لكل منها تصور مختلف حول ما إذا كان اندماج العقل البشري مع الآلة يمثل تطوراً أم تآكلاً: فالمدرسة التفاؤلية التي يمثلها مفكرون مثل الكاتب وعالم الكومبيوتر الأمريكي ريموند كرزويل Ray Kurzweil وأستاذ الفلسفة المعرفية بجامعة ساسكس، آندي كلارك Andy Clark، ترى أن الإنسان لم يفقد ذكاءه عندما اخترع الكتابة أو الكومبيوتر، بل أعاد توزيع قدراته.
أما المدرسة النقدية التي يمثلها مفكرون مثل الكاتب الأمريكي نيكولاس ج. كار Nicholas Carr وشيري توركل الأستاذة في الدراسات الاجتماعية للعلوم والتكنولوجيا في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا Sherry Turkle، فهي ترى أن الاعتماد على التكنولوجيا يؤدي إلى تراجع مهارات التفكير العميق والإنسان يصبح أكثر سطحية وتشتتاً، بالتالي هناك خطر من فقدان الاستقلالية الفكرية لصالح الخوارزميات.
وترى المدرسة الجدلية ويمثلها مفكرون مثل برونو لاتور الفيلسوف الفرنسي Bruno Latour أن العلاقة بين الإنسان والآلة ليست صفرية (ربح/خسارة)، والتقنية تعيد تشكيل الذكاء بدل أن ترفعه أو تضعفه فقط وقد يكسب الإنسان قدرات جديدة، لكنه يخسر أخرى.
ونخرج من المدارس الفكرية المعقدة إلى الفضاء العام، لنجادل بطريقة أخرى، يمكن أن نتذكر كيف وُجّهت انتقادات في وقت من الأوقات لاختراع الكتابة بدعوى أنها تُضعف الذاكرة، مع ذلك، فقد وسّعت الكتابة في نهاية المطاف نطاق الفكر البشري، مما أتاح أشكالاً أكثر تعقيداً من التفكير والتواصل.
عليه يمكن النظر إلى الإنترنت على أنها امتداد لهذا المسار، وتجسيدٌ إضافي للمعرفة على المستوى الخارجي، ولن يؤدي اختفاؤها إلى عكس التقدم فحسب، بل سيفرض إعادة تشكيل طريقة تفكيرنا وتذكرنا وتواصلنا.
عملياً، سيتكيف الناس، وستظهر أنظمة اتصال جديدة، ربما أكثر محلية وأقل فورية، وستُحفظ المعرفة في أشكال مادية أو في شبكات أصغر لا مركزية وستضمن مرونة الإنسان استمرار المجتمع، وإن كان في حالة متغيرة.
لكن التحول النفسي سيكون أكثر تعقيداً، سنحتاج إلى إعادة تعلم كيفية التذكر، فبدون محركات البحث، سيتعين استيعاب المعرفة من جديد. وبدون وسائل التواصل الاجتماعي، ستعتمد العلاقات بشكل أكبر على التفاعل المباشر. وبدون الأرشيفات الرقمية، سيصبح الماضي أقل يقيناً وأكثر عرضة للتأويل.
قد يكون هذا الغموض مُقلقاً، فغياب التواصل الدائم قد يُخفف من ضغوط المقارنة والأداء التي تُهيمن على الحياة الرقمية، وقد يصبح مفهوم الذات أقل تصنُّعاً، وأقل تشتتاً، وأكثر ارتباطاً بالتجربة المباشرة. لكن في نهاية المطاف، لا توجد إجابة بسيطة لسؤال ما إذا كنا سنفقد ذاكرتنا الرقمية أم سنتحرر منها، إنه في آنٍ واحد خسارة وتحرر.

ذو صلة