مجلة شهرية - العدد (596)  | مايو 2026 م- ذو القعدة 1447 هـ

طرائف عن الكتب والكتاب بقلم محمد عبدالغني حسن

لما تصفحت العدد (530) للسنة الحادية عشرة من مجلة (الرسالة) لصاحبها الأديب أحمد حسن الزيات الصادر من القاهرة بتاريخ يوم الاثنين الموافق (29 شعبان سنة 1362هـ/ 30 أغسطس سنة 1943م)، لفت انتباهي مقال للأستاذ (محمد عبدالغني حسن) - (لوحة 1) - عنوانه: (طرائف عن الكتب والكتاب)، وفيه تحدث عن أربع قضايا، ألا وهي: (نسخ الكتب، وتصحيحها، وسرقتها، وآفاتها). وتكمن أهمية هذا المقال فيما يأتي:
أولاً: بيان مهمة النساخين، والتعريف بأول من ذكر منهم في الأدب العربي. وثانياً: أن النساخ والرهبان وجهان لعملة واحدة، ألا وهي نسخ الكتب - عربية كانت أم أوروبية - في العصور الوسطى. وثالثاً: التعريف بقانون (تريتم) في صناعة الكتاب المخطوط. أما رابعاً: أن من طرائف الكتب، (أخطاء النساخ في نساختها)، والتي تظهر جلية في كتاب: (فوت الوفيات)، والمنقول في كتاب: (معجم الأطباء) بنفس السقم.
خامساً: التأكيد على أنه لم يكن للكتب المنسوخة مصححون يعنون بمراجعة أخطاء النسخ وضبط الكتاب وتحقيقه، على العكس من الكتب المطبوعة. وسادساً: ذكر اسمين من أشهر المصححين في الأدب العربي، وهما: الشيخان (نصر الهوريني، وأحمد الميهي) - رحمهما الله - مع توضيح أبرز أعمالهما ومؤلفاتهما. أما سابعاً: فالدلالة على عدم اقتصار المصححين على تصحيح الكتب فحسب، بل قام بعضهم بتنظيم فهارس الكتب، كفهارس: (الأعلام، والبلدان والأماكن، والمياه والأنهار... إلخ. وثامناً: الإشارة إلى أشهر منظمي الفهارس - في عصره - الأستاذ (محمد شوقي أمين)، منظم فهرس كتاب: (البخلاء) للجاحظ، وواضع فهرس كتاب: (الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية). وتاسعاً: بيان آفات الكتب الثلاث، (السرقة، والنيران، والعثة)، وذكر أشهر حوادثها.
والآن إليك الطرائف، قال الكاتب اللغوي (محمد عبدالغني حسن) - رحمه الله - ما نصه:
من لوازم الكتب وجود عدد من (النساخين)، ومهمتهم أن ينسخوا من الكتاب الواحد نسخة أو أكثر حسب رغبة المؤلف أو وفق مقتضيات الأمور. وأول ما عرف من هؤلاء النساخين في الأدب العربي، الجماعة الذين كتبوا المصاحف الأربعة بأمر الخليفة عثمان بن عفان (رضي الله عنه)، وهم: (زيد بن ثابت، وعبدالله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبدالرحمن بن الحارث). أما كتاب الوحي فلم يكونوا نساخاً، بل كان الرسول (صلى الله عليه وسلم) يملي عليهم الآيات حين نزولها، وشرط النسخ أن يكون عن كتاب أو صحيفة مكتوبة.
وليس النساخون مقصورين على الكتاب العربي وحده أو المكتبة العربية وحدها، فهناك نساخون في الكتب الأوروبية، وكان يطلق على هؤلاء النساخ كلمة (الرهبان)، لأن الرهبان والقسوس كانوا مختصين في العصور الوسطى بنسخ الكتب، وبهذه المناسبة كان عند النساخين من الرهبان قانون وضعه (تريتم) - رئيس الكهنة في عصره - يقول فيه: (يجب أن يقطع أحدكم الرق قطعاً، وآخر يصقلها، وآخر يسطرها، وآخر يبري الأقلام يملأ المحابر، وآخر يقرأ ويصحح كتابة الناسخ، وآخر يزخرف الكتابة بالمداد الأحمر وينقط الحروف، وآخر ينقشها، وآخر يلصق الورق ويحبك الكتب على ألواح من الخشب)، لذا فأنت ترى من ذلك كله أن عملية نسخ الكتاب كانت عملاً منظماً توضع له القوانين وتقعد له القواعد، وبخاصة عند جامعي الكتب من أمراء أوروبا في العصور الوسطى.
ولهؤلاء النساخين - عرباً كانوا أو فرنجة - طرائف في النسخ، ولكنهم على كل حال كانوا آفة في الكتابة العربية: ونظرة واحدة في الشعر الوارد في كتاب: (فوات الوفيات) لابن شاكر الكتبي (ت. 764هـ/ 1363م) تؤيد هذا الكلام، فهو شعر مختل مكسور مسخه الناسخ، وجاء الطابع الحديث فأبقاه - لسقم ذوقه - على اختلاله وكسره، ثم جاء الدكتور العالم (أحمد عيسى بك) (ت 1365هـ/ 1946م) فنقله في كتابه الجديد (معجم الأطباء) مختلاً مكسوراً.
ومن العجب أن الكتب المنسوخة لم يقم لها مصححون يعنون بمراجعة أخطاء النسخ وضبط الكتاب وتحقيقه، أما الكتب المطبوعة فقد قام عليها مصححون منذ عرف الكتاب العربي الطباعة العربية في مطلع القرن التاسع عشر الميلادي، وعند صديقنا العالم الراوية الأستاذ (محمود حسن زناتي) أنباء كثيرة وطرائف عن هؤلاء المصححين، ولعله يتحف الأدباء قريباً بمقالاته في هذا الموضوع. وأشهر هؤلاء المصححين التماعاً في سماء الأدب: الشيخ (نصر الهوريني) (ت. 1291هـ/ 1874م)، وكان عضواً في بعثةٍ أرسلتها الحكومة المصرية إلى فرنسا، فلبث هناك مدة ثم عاد رئيساً للتصحيح بالمطبعة الأميرية، وله تعليقات لطيفة على هامش القاموس المحيط للفيروز آبادي، كما أن له كثيراً من المؤلفات، أشهرها: (المطالع النصرية للمطابع المصرية في الأصول الخطية).
ومن المصححين المشهورين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر: الشيخ (أحمد الميهي بن حسن عبدالصمد) (ت 1229هـ/ 1814م)، وكان موظفاً بالمطبعة الوهبية التي أنشأها الفاضل (مصطفى وهبي)، وللشيخ الميهي فضل تصحيح كتاب: (عيون الأنباء في طبقات الأطباء) لابن أبي أصيبعة (ت 668هـ/ 1270م)، وهو من المطبوعات النادرة الآن، فطبع سنة (1882م)، ولم يطبع بعد تلك الطبعة إلى اليوم. ولم يكن عمل المصححين القيام على تصحيح الكتب المطبوعة فحسب، بل قام بعضهم بتنظيم الفهارس المختلفة للكتاب المطبوع، فلقد صنع الشيخ الميهي في كتاب: (طبقات الأطباء) - المذكور سالفاً - فهرساً وافياً للأعلام، وآخر للبلاد والمواضع والأماكن والمياه والأنهار، وبلغت صفحات هذين الفهرسين فقط (121 صفحة).
وليس عمل الفهارس للكتب المطبوعة القديمة أو الحديثة عملاً هيناً يسيراً، ولكنه يقتضي دقة وبصراً من واضعه، واشتهر من منظمي الفهارس اليوم الأستاذ (محمد شوقي أمين) (ت. 1412هـ/ 1992م) - الموظف بمجمع فؤاد الأول للغة العربية - فله فهرس منظم لكتاب: (البخلاء) للجاحظ (ت 255هـ/ 868م)، الذي طبعته وزارة المعارف العمومية بعناية الأستاذين (أحمد العوامري بك، وعلى الجارم بك)، وله فهرس لكتاب: (الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية)، الذي يطبعه الأمير (شكيب أرسلان) (ت 1366هـ/ 1946م).
وللكتب - مطبوعة كانت أو مخطوطة - آفتان، (السرقة، والنيران). ولقد عرف اللصوص قيمة الكتب، وبخاصة بعد أن اعتنى أصحابها بتجليدها وتزيينها، فارتقت أثمانها عند الأمراء والأثرياء، واضطر هؤلاء إلى العناية بحفظها والقيام عليها، وكانوا يكتبون على أولها عبارات تتضمن لعنة السارق والسخط عليه. وقد وجد على أحد الكتب هذا البيت من الشعر على لسان صاحب الكتاب، فقال: (إذا غرك الشيطان أن تجتري على كتابي، فعقبى المجترين الفضائح). أما النيران، فهي آفة الكتاب الكبرى وبليته. فلقد أحرقت مكتبة الأمير (نصر الساماني) على نفاستها. واتهم بعض ذوي الأغراض (عمرو بن العاص) بإحراق مكتبة الإسكندرية، وهي تهمة لا تستند إلى الحق. وأحرق التتار مكتبة بغداد وأغرقوا كثيراً منها في النهر سنة (656هـ/ 1258م)، وكانت الكتب النفيسة في هذه الفتنة تباع بأوهى قيمة.
ولما سقطت مدينة غرناطة في يد الإسبان، أمر البطريرك (إيكزامينيس) بإلقاء الكتب الإسلامية وبخاصة العربية في النار، ونهب الأتراك في القرن العاشر الهجري ما وقع لهم من كتب المماليك وأضرموا النار فيها. ولا يغرب عن البال ما صنعه (أوليفر كرومويل) في مكتبة أكسفورد، فقد أمر بإحراقها وكانت أغنى المكتبات الأوروبية في حينها. وهناك بلية ثالثة للكتب، وهي: (العثة)، التي تعيث فيها وتطيل ملازمتها لها بالأخراق والثقب، واسمها بالإنجليزية: (Moth Worm)، وقد أطلق الإنجليز على كل شخص يطيل ملازمة الكتب والتنقير فيها كلمة (Book-Worm)، وهي كلمة يفتخر العلماء وأهل البحث بأنها من صفاتهم.

ذو صلة