مجلة شهرية - العدد (596)  | مايو 2026 م- ذو القعدة 1447 هـ

الراية التي لا تُطوى

أنا لا أعرف كيف يمكن أن تُختصر كلمة (وطن) في تاريخ، أو شعار، أو نشيد. لكنني أعرف تماماً شعور القلب حين ترفرف الراية الخضراء، وتُضيء المدن بالأبيض والأخضر، وتنتشر مشاعر الفرح في الشوارع، ويحتفل الناس بطريقتهم الخاصة في كل مكان.
‏اليوم الوطني بالنسبة لي ليس مناسبة نحتفل بها كل عام ثم نمضي، بل هو مساحة نرجع فيها خطوة إلى الوراء، لننظر إلى كل المسافة التي قطعها هذا الوطن، منذ كان فكرة في ذهن رجل، إلى أن صار حضناً دافئاً لملايين الناس.
في 23 سبتمبر، لا أستطيع إلا أن أتذكر كيف كانت البداية. لم أعش تلك اللحظات، لكنني أشعر بها، كأنها تسكن في دمي. لحظة وقف فيها الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود –طيّب الله ثراه– ليعلن أن هذه الأرض أصبحت وطناً واحداً، بعد سنوات طويلة من التفرق والخوف والشتات. لم يكن الأمر مجرد توحيد جغرافي، بل كان ميلاد هوية كاملة، وحياة جديدة.
أتخيّل حجم الجهد، والدموع، والحكايات التي لا نعرفها، لكنها أوصلتنا إلى أن نقف اليوم على أرضٍ ثابتة، نحتفل، ونحلم، ونُخطط للمستقبل براحة وكرامة.
واليوم، حين أرى مظاهر الفرح في كل مكان، أُدرك أننا لم نعد نحتفل فقط بماضٍ مضى، بل بوطن يعيش ويتجدد. وطن يحاول أن يكون كما يستحق. وطن لم يتجمّد عند لحظة التأسيس، بل انطلق نحو رؤية، اسمها 2030، فيها كل معاني الطموح، وفيها لغة مختلفة، تقول إن الوطنية ليست مجرد حب، بل عمل ومشاركة وتغيير.
‏أنا من الجيل الذي لم يشهد الحروب، ولا الجوع، ولا الشتات. أنا من الجيل الذي وُلد والعلَم مرفوع، والمدارس مفتوحة، والمستشفيات مليئة، والطموحات لا سقف لها. لكنني في اليوم الوطني، أقول لنفسي: لا تنسي من أين بدأنا. لا تنسي أن هذا العَلَم كُتب عليه (لا إله إلا الله)، وأنه يحمل سيفاً، وأنه لا يُخفض.
‏الوطن بالنسبة لي ليس فقط خريطة في كتب الجغرافيا، بل هو التفاصيل الصغيرة التي تشكّل ذاكرتنا: صورة الملك المؤسس في المدرسة، الأنشودة التي ننشدها كل يوم في الطابور الصباحي، صوت الطلاب وهم يرددون (سارعي للمجد والعلياء)، والمشاعر التي ترافقنا ونحن نلوّح بالرايات في احتفالات المدارس.
‏حين يأتي اليوم الوطني، أحس أني مدينة. مدينة لأجداد حفروا الطريق، ولنساءٍ صبرن وربّين أبناءهن على حب هذا البلد، ولملك يقود وطناً شاباً، وولي عهد يرى في الشباب وقود المستقبل. أشعر أني جزء من قصة، اسمها السعودية، وأن دوري الآن أن أكتب فصلي الخاص، بصدق، وانتماء، ومحبة.
‏قد لا يعرف العالم كل تفاصيلنا، لكننا نعرف من نحن. نعرف أن لدينا وطناً لا يشبه غيره، وأننا نحمل راية لا تُطوى. وفي كل مرة أرى فيها العلم مرفوعاً، أُدرك أنني بخير، وأنه ما زال هناك من يحرس الحلم.

ذو صلة