رحم الله الشاعر السعودي يحيى توفيق الذي رحل عن دنيانا الفانية في أواخر نوفمبر 2025. تذكرت قصيدته التي نسبت إلى نزار قباني التي يبدأ مطلعها بقوله:
عزَّ الورود وطال فيك أوام
وأرقت وحدي والأنام نيام
ورد الجميع ومن سناك تزودوا
وطُردت عن نبع السنا وأقاموا
ادعى مروجو هذه النسبة أنه قالها بمناسبة زيارته للمدينة المنورة، وأشار إلى هذا الخطأ زهير سالم في مقال له بعنوان (خطأ.. وما تتداولون ليس لنزار القباني)، نشره في موقع مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والإستراتيجية بلندن في 9/ 6/ 2019 فقال: (هذه الأبيات ليست لنزار القباني، لا موضوعياً ولا فنياً، بل هذه الأبيات لشاعر ملتاع بالحب الحقيقي، شاعر سعودي اسمه يحيى توفيق حسن، مثبتة في ديوان شعره منذ ربع قرن).
والشاعر يحيى توفيق حسن شاعر غنائي معروف، اكتسب شهرة في بداية مشواره من قصيدة (سمراء) التي كتبها ولما يبلغ العشرين من عمره، فحققت صدى واسعاً، وبخاصة بعد أن لحنها وغناها الموسيقار جميل محمود، ثم شدت بها الفنانة هيام يونس. يقول مطلع تلك القصيدة:
سمراء رقي للعليل الباكي
وترفقي بفتى مناه رضاك
جاء في زاوية (ذاكرة حية) بقلم سامي تتر (اليمامة العدد 2775 الخميس 14/ 9/ 2023): يحيى توفيق حسن.. شاعر جدة الرقيق وعاشق الجمال: من الأمور التي جعلت العالم العربي يتعرف على شعر يحيى توفيق العذب، قصيدة مدح كتبها في المصطفى صلى الله عليه وسلم، ونسبت زوراً وبهتاناً للشاعر نزار قباني، حيث أسالت هذه المسألة بحوراً من المداد على صفحات الجرائد والمجلات، وأثارت جدلاً واسعاً في المواقع والمنتديات والصالونات الأدبية. وما بين اتهامات بسرقة القصيدة ومغالطات وتراشق، ثار الكثيرون للدفاع عن الشاعر يحيى توفيق، ورد هو بنفسه بعد أن هدأت العاصفة.
ومنشأ الخلاف أن أحدهم أخذ القصيدة برمتها ووضعها في موقع لأشعار نزار على الشبكة العنكبوتية، فتغنى بها الكثيرون، بل اعتبر بعضهم أن هذه القصيدة قد تمحو سالف أوزار قباني، المعروف بشعره الماجن، وتناقلتها الصحف والمجلات بإعجاب شديد، فما كان من الشاعر الرقيق إلا أن بعث برسالة إلى رئيس تحرير جريدة (الجزيرة) التي وقعت في ذات الخطأ بملحقها الثقافي، قال فيها: (سعادة الأخ الأستاذ خالد المالك حفظه الله.. تحية محبة وتقدير.. لفت نظري بعض الإخوة إلى أن قصيدة في مدح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد نُشرت في (الجزيرة) منسوبة إلى نزار قباني، وقد حصل نفس الخطأ من جريدة (البلاد) ومجلة (المنهل)، بالرغم من أن القصيدة موجودة على موقعي في الإنترنت، وقد تطوع بعض المحبين لمعرفة سبب هذا اللبس فوجدوا أن القصيدة موجودة في موقع نزار على الإنترنت. ولما كانت القصيدة قد طُبعت ضمن قصائد أخرى منذ خمسة عشر عاماً، وصدرت في كتاب يحمل مسمى القصيدة، أرفق لكم نسخة من الكتاب. قام هؤلاء الإخوة بالاتصال بمسؤول الموقع وأخبروه بالخطأ وبعنوان الكتاب والقصيدة. وقد قام مدير الموقع بالاعتذار في نصف صفحة على موقع نزار، ونوهوا بأن القصيدة ليحيى توفيق وليست لنزار قباني. المضحك أن أحد المشايخ -عفا الله عنه- علَّق، وهو يتصور أن القصيدة لنزار، أنها أوبة وتوبة ولعل الله أن يغفر له بها (بالقصيدة). وحتى بعدما نشرت (البلاد) ونشرت (المنهل) التصحيح، وأن القصيدة ليحيى توفيق لم يعلق الشيخ بشيء، لا علينا.
عشمي أن تتلطفوا، بعد إذ رأيتم الحقيقة، وبعد أن اعتذر مدير موقع نزار وسحب القصيدة من موقعه؛ وتقوموا بنشرها والتنويه بأنها لي وليست لنزار. خالص محبتي وتقديري. يحيى توفيق حسن).
وكان ممن كتبوا في ذلك، الأديب الراحل محمد صادق دياب رحمه الله في مقال له بجريدة (الشرق الأوسط) أسماه (القصيدة اللغز بين نزار وتوفيق): التقيت بشاعر سعودي بارز راح يحدثني عن القصيدة المكتشفة لنزار قباني التي ضمها موقعه على الشبكة العنكبوتية، وكيف أنها تمثل إضافة نوعية إلى منظومة قصائد نزار، وأغدق في مديح تلك القصيدة، حتى أوشكت أن أظن أن نزاراً لم يكتب غيرها، والقصيدة بعنوان: (صلى عليك الله)، ومن أبياتها:
عز الورود وطال فيك أوام
وأرقت وحدي والأنام نيام
ومنها:
وتمزقت نفسي كطفل حائر
قد عاقه عمن يحب زحام
حتى وقفت أمام قبرك باكياً
فتدفق الإحساس والإلهام
أنت الحبيب وأنت من أورى لنا
حتى أضاء قلوبنا الإسلام
والقصيدة زاخرة بالابتهال والإنابة والتوبة والرجوع إلى الله، حتى إنها لفتت نظر الداعية السعودي المعروف الشيخ عائض القرني فأثنى عليها حينما قرأها في موقع الشاعر نزار قباني، وكذلك فعل غيره ممن قالوا: (إنه برغم كل ما كتبه نزار رحمه الله كان قلبه ممتلئاً بالإيمان، والدليل هذه القصيدة التي وضعها البعض على الشبكة العنكبوتية في موقع نزار). وفي غمرة الضجة التي أثارتها هذه القصيدة ظهر الشاعر السعودي المعروف يحيى توفيق حسن ليقول للجميع إن هذه القصيدة قصيدته، وإنها موجودة في دواوينه منذ 13 سنة، كما أنها نشرت مرات في أكثر من صحيفة سعودية دون أن يلتفت إليها أحد.
والغريب أن المؤسسة العامة للحي الثقافي بالدوحة (كتارا) التي تقدم جائزة سنوية تحت مسمى (جائزة كتارا لشاعر الرسول)؛ وقعت في ذلك الخطأ عام 2017، ونسبت قصيدة توفيق في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم لنزار قباني، فتنبه للأمر الشاعر السعودي عبدالرحمن عشماوي، وأشار إليهم بأن القصيدة نشرت في أحد دواوين الشاعر يحيى توفيق، فما كان منهم إلا أن صححوا الخطأ الذي وقعوا فيه، وبعثوا باعتذار للشاعر يحيى توفيق، بل ودعوه للتكريم في النسخة المقبلة من الجائزة.
وعن ذلك كتبت صحيفة (عكاظ) عام 2017 تحت عنوان (كتارا تكرم يحيى توفيق وتصحح خطأ نسبة قصيدته إلى قباني)، ومما جاء في المقال: (أكد الشاعر يحيى توفيق حسن أن آخر ما كان يمكن أن يفكر فيه الشاعر الراحل نزار قباني مدح النبي محمد صلى الله عليه وسلم. كون نزار شاعراً له اهتمامات عدة خارج الإطار الروحاني والإيماني). وكشف لعكاظ أنه كتب قصيدته (عز الورود وطال فيك أوام، وأرقت وحدي والأنام نيام) في مدح سيد الأمة وشفيعها محمد بن عبدالله عليه الصلاة والسلام قبل 20 عاماً، وضمتها مجموعته الكاملة. وعبر عن امتنانه لمؤسسة كتارا على تصحيح ما وقع من خطأ في العام الماضي من نسبة قصيدته للشاعر الراحل نزار قباني، مثمناً دعوتهم له لتكريمه في دورة جائزة الرسول الثانية. وقال شاعر سمراء: (لم أكن غاضباً ليقيني بأنه لا يصح إلا الصحيح، ولكون كتارا مؤسسة محترمة لن تغفل أي ملاحظات تصحيحية). وعدّ تكريمه من مؤسسة خارج وطنه ردًّا لبعض الاعتبار لأنه من المنسيين في وطنه، على حد تعبيره. وأضاف بلهجة حجازية: (على الأقل ما نسير منسيين في الداخل والخارج). وكانت (كتارا) كشفت لعكاظ عن عزمها تكريم الشاعر السعودي يحيى توفيق حسن، في الدورة الثانية لشاعر الرسول صلى الله عليه وسلم. وأكدت أمانة الجائزة تصحيح ما وقع من خطأ في نسبة قصيدة (عزّ الورود) للشاعر السعودي يحيى توفيق إلى الشاعر السوري نزار قباني. وأدرجت اسم توفيق وصورته ونصه ضمن كتاب الجائزة لهذا العام، مجددة الاعتذار لما وقع من اجتهاد غير صائب في نسبة قصيدة توفيق لنزار. برغم أن توفيقاً أوضح أن هذه القصيدة قصيدته، وأنها موجودة في دواوينه منذ 20 عاماً، كما أنها نشرت مرات في أكثر من صحيفة سعودية دون أن يلتفت إليها أحد).